محمد بن علي بن أبي منصور
محمد بن علي بن أبي منصور ، الصاحب جمال الدين أبو جعفر الأصبهاني ، الملقب بالجواد ، وزير صاحب الموصل أتابك زنكي بن آقسنقر . استعمله زنكي على ولاية نصيبين والرحبة ، وجعله مشرف مملكته كلها ، واعتمد عليه . وكان نبيلًا ، رئيسًا ، دمث الأخلاق ، حسن المحاضرة ، محبوب الصورة ، سمحًا ، كريمًا .
ومدحه محمد بن نصر القيسراني بقصيدته التي أولها : سقى الله بالزوراء من جانب الغربي مها وردت ماء الحياة من القلب قال القاضي ابن خلكان : وكان يحمل في السنة إلى الحرمين أموالًا وكسوة تقوم بالفقراء سنتهم كلها ، وتنوع في أفعال الخير ، حتى جاء في زمنه غلاء عظيم ، فواسى الناس حتى لم يبق له شيء وباع بقياره ، وعرف بالجواد ، وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم ، وبنى سور مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبالغ في أنواع البر والقرب . ولما قتل أتابك زنكي على قلعة جعبر رتبه سيف الدين غازي بن زنكي وزيره إلى أن مات . ثم وزر بعده لقطب الدين مودود وأخيه .
ثم إنه استكثر إقطاعه وثقل عليه ، فقبض عليه سنة ثمان وخمسين ، ومات محبوسًا مضيقًا عليه في سنة تسع ، وكان يوم جنازته يومًا مشهودًا من ضجيج الضعفاء والأيتام حول جنازته ، ودفن بالموصل ، ونقل بعد سنة إلى مكة في تابوت ، فوقفوا به وطافوا بتابوته ، ثم ردوه فدفنوه بالمدينة النبوية . قلت : خالفوا السنة بما فعلوا . ولما دخل تابوته الكوفة ذكره الخطيب وأثنى عليه ، وقال : سرى نعشه فوق الركاب وطالما سرى بره فوق الرقاب ونائله فتى مر بالوادي فانثنت رماله عليه وبالنادي فحنت أرامله فضج الناس بالبكاء ، وكانت ساعة عجيبة .
قال ابن خلكان : وكان ابنه جلال الدين علي من بلغاء الأدباء ، له ديوان رسائل أجاد فيه ، وكان الصدر مجد الدين أبو السعادات المبارك بن الأثير في صباه كاتبًا بين يديه ، فكان يملي عليه الإنشاء ، وتوفي سنة أربع وسبعين ، وقد ولي وزارة الموصل ، ومات بدنيسر ، ودفن عند أبيه بالمدينة . ولقد حكى ابن الأثير في ترجمة الجواد مآثر ومحاسن لم يسمع بمثلها في الأعمار فالله يرحمه .