أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام
أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام ، أبو العباس بن الحطيئة اللخمي الفاسي المقرئ الناسخ . شيخ إمام صالح ، كبير القدر ، مقرئ بارع مجود من أعلام المقرئين ، نسخ الكثير بالأجرة ، وكان مليح الخط ، جيد الضبط . ولد سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بمدينة فاس ، وحج ودخل الشام ولقي الكبار ، ثم استوطن مصر بجامع راشدة خارج الفسطاط ، وكان لأهل مصر فيه اعتقاد كبير لا مزيد عليه .
قرأت بخط أبي الطاهر ابن الأنماطي : سمعت شيخنا أبا الحسن شجاعًا المدلجي ، وكان من خيار عباد الله ، يقول : كان شيخنا ابن الحطيئة شديدًا في دين الله ، فظا غليظا على أعداء الله ، لقد كان يحضر مجلسه داعي الدعاة مع عظم سلطنته ونفوذ أمره ، فما يحتشمه ولا يكرمه ، ويقول : أحمق الناس في مسألة كذا الروافض ، خالفوا الكتاب والسنة وكفروا بالله . وكنت عنده يومًا في مسجده بشرف مصر ، وقد حضر بعض وزراء المصريين ، أظنه ابن عباس ، فاستسقى في مجلسه ، فأتاه بعض غلمانه بإناء فضة ، فلما رآه ابن الحطيئة وضع يده على فؤاده ، وصرخ صرخة ملأت المسجد وقال : واحرها على كبدي ، أتشرب في مجلس يقرأ فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آنية الفضة ؟ لا والله لا تفعل . وطرد الغلام ، فخرج ، ثم طلب كوزًا ، فجاء بكوز قد تثلم فشرب ، واستحيى من الشيخ ، فرأيته والله كما قال الله تعالى : يتجرعه ولا يكاد يسيغه .
أتى رجل إلى شيخنا ابن الحطيئة بمئزر ، وحلف بالطلاق ثلاثًا لا بد أن يقبله . فوبخه على ذلك وقال : علقه على ذاك الوتد ، قال لنا شجاع وغيره : فلم يزل على الوتد حتى أكله العث وتساقط . وكان ينسخ بالأجرة ، ولا يقبل لأحد قط هدية .
وكان له على الجزية في الشهر ثلاثة دنانير ، ولقد عرض عليه غير واحد من الأمراء أن يزيد جامكيته فما قبل . وكان له من الموقع في قلوبهم ، مع كثرة ما يهينهم ما لم يكن لأحد سواه ، وعرضوا عليه القضاء بمصر فقال : لا والله لا أقضي لهم . قال شيخنا شجاع : وكتب صحيح مسلم كله بقلم واحد ، وسمعته يقول : وقال له إنسان : فلان رزق نعمة ومعدة ، فقال : حسدتموه على التردد إلى الخلاء ! وسمعته يقول كثيرا إذا ذكر عمر بن الخطاب : طويت سعادة المسلمين في أكفان عمر رضي الله عنه .
قلت : وكان لا يقبل من أحد شيئًا . قرأ بالروايات على أبي القاسم ابن الفحام بالإسكندرية ، وعلم زوجته وابنته الكتابة ، فكانا يكتبان مثل خطه سواء ، فإذا شرعوا في نسخ كتاب أخذ كل واحد منهم جزءًا من الكتاب ونسخوه ، فلا يفرق بين خطوطهم إلا الحاذق . ووقع بمصر الغلاء ، فأتاه جماعة وسألوه قبول شيء فامتنع ، فخطب الفضل بن يحيى الطويل ابنته وتزوجها ، ثم سأل أباها أن تكون أمها عندها لتؤنسها ، ففعل ، فما أحسن ما تلطف هذا الرجل في بر أبي العباس رحمه الله ، وبقي أبو العباس ، وحده ينسخ ويقتنع .
قرأ عليه جماعة منهم شجاع بن محمد بن سيدهم المدلجي ، وأبو الطاهر محمد بن محمد بن بنان الأنباري ثم المصري ، وجماعة سواهم . وحدث عنه السلفي ، وهو أكبر منه ، وقال : توفي في آخر المحرم بمصر ، قال : وكان رأسًا في القراءات ، سمع الحديث من أبي عبد الله الحضرمي ، وأبي الحسن بن مشرف ، وسمعته يقول : ولدت بفاس ودخلت الشام . قلت : وروى عنه صنيعة الملك هبة الله بن يحيى بن حيدرة ، والأمير إسماعيل بن أحمد اللمطي ، والنفيس أسعد بن قادوس وهو آخر من حدث عنه .
وقبره يزار بالقرافة الصغرى ، وقد طلب لقضاء مصر فأبى . قرأت بخط ابن الأنماطي الحافظ : حكى لنا أبو الحسن شجاع بن محمد بن سيدهم ، قال : كان الشيخ أبو العباس قد أخذ نفسه بتقليل الأكل بحيث بلغ في ذلك إلى الغاية ، وكان يتعجب ممن يأكل ثلاثين لقمة ويقول : لو أكل الناس من الضار ما آكل من النافع ما اعتلوا . وحكى لي شجاع أن أبا العباس ولدت له ابنته هند وكبرت وقرأت عليه بالسبع ، وقرأت عليه الصحيحين ، وغير ذلك ، وكتبت الكثير ، وتعلمت عليه كثيرًا من علوم القرآن والحديث وغير ذلك ، ولم ينظر إليها قط .
فسألت شجاعًا أكان ذلك عن قصد ؟ فقال : كان في أول العمر اتفاقًا ، لأنه كان يشتغل بالإقراء إلى المغرب ، ثم يدخل إلى بيته وهي في مهدها ، وتمادى الحال إلى أن كبرت فصارت عادة ، وزوجها ودخلت بيتها والأمر على ذلك ، ولم ينظر إليها قط إلى أن توفي رحمه الله تعالى .