حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة اثنتين وستين وخمسمائة

سنة اثنتين وستين وخمسمائة وقع الإرجاف بمجيء شملة التركماني إلى قلعة الماهكي ، وبعث يطلب ويتنطع ، فامتنع الخليفة أن يعطيه ما طلب من البلاد ، وبعث لحربه أكثر عسكر بغداد . وقدم الركب ، وأخبروا بالأمن والرخص والمياه ، وأنهم نقضوا القبة التي بنيت بمكة للمصريين . وفيها قدم قطب الدين من الموصل للغزو مع عمه نور الدين ، فاجتمعا على حمص ، وسارا بالجيوش ، فأغاروا على بلاد حصن الأكراد ، وحاصروا عرقة ، وحاصروا حلبة وأخذوها ، وأخذوا العريمة وصافيتا ، ثم صاموا رمضان بحمص ، وساروا إلى بانياس ، فنازلوا حصن هونين وأحرقوه .

وعزم نور الدين على منازلة بيروت ، فوقع خلف في العسكر ، فعاد قطب الدين إلى الموصل وأعطاه أخوه بلد الرقة . وفيها قال أبو المظفر الجوزي : احترقت اللبادين وباب الساعات بدمشق حريقا عظيما صار تاريخا ؛ رقد طباخ هريسة على القدر ونام ، فاحترقت دكانه ، ولعبت النار في اللبادين ، وتعدت إلى دور كثيرة ، ونهبت أموال عظيمة ، وأقامت النار تلعب أياما . وفيها كان مسير أسد الدين شيركوه المسير الثاني إلى مصر ، جهزه السلطان نور الدين بمعظم جيوشه ، وقيل : بل جهز معه ألفي فارس ، فنزل بالجيزة محاصرا لمصر مدة نيف وخمسين يوما ، فاستنجد شاور بالفرنج فدخلوا مصر من دمياط لنجدته ، فرحل أسد الدين من بين أيديهم ، وتقدم عن منزلته ، ثم وقع بينه وبين المصريين حرب على قلة عسكره وكثرة عدوه ، فانتصر فيها أسد الدين ، وقتل من الفرنج ألوفا وأسر منهم سبعين فارسا .

قال ابن الأثير : كانت هذه الوقعة من أعجب ما يؤرخ أن ألفي فارس تهزم عساكر مصر والفرنج الساحلية . قلت : صدق والله ابن الأثير ، وهذه تسمى وقعة البابين ، وهو موضع بالصعيد ، أدركته فيه الفرنج والمصريون في جمادى الآخرة من السنة ، فعمل مشورة فأشاروا بالتعدية إلى الجانب الشرقي والرجوع إلى الشام ، وقالوا : إن انهزمنا إلى أين نلتجئ ؟ فقال بزغش النوري صاحب الشقيف : من خاف القتل والأسر فلا يخدم الملوك ، والله لئن عدنا إلى نور الدين من غير غلبة ليأخذن إقطاعنا ويطردنا . فقال أسد الدين : هذا رأيي .

وقال صلاح الدين كذلك ، فوافق الأمراء ، وتعبوا للملتقى ، وجعلوا الثقل في القلب حفظا له وتكثيرا للسواد ، وأقيم صلاح الدين في القلب ، وقال له عمه أسد الدين : إذا حملوا على القلب فلا تصدقوهم القتال وتقهقروا ، فإن ردوا عنكم فارجعوا في أعقابهم . ثم اختار هو جماعة يثق بشجاعتهم ، ووقف في الميمنة فحملت الفرنج على القلب ، فناوشوهم القتال ، واندفعوا بين أيديهم على بغيتهم ، فتبعتهم الفرنج ، فحمل أسد الدين على باقي الفرنج والمصريين فهزمهم ، ووضع فيهم السيف ، فلما عاد الفرنج من حملتهم على القلب رأوا عسكرهم مهزوما ، فولوا وانهزموا ، ونزل النصر . ثم سار أسد الدين إلى الصعيد فجبى خراجها ، وأقام الفرنج بالقاهرة حتى استراشوا ، وقصدوا الإسكندرية وقد أخذها صلاح الدين يوسف ابن أخي أسد الدين ، فحاصروها أربعة أشهر ، وقاتل أهلها مع صلاح الدين أشد قتال ، وكانوا باغضين في دولة بني عبيد لسوء عقائدهم ، ثم أقبل أسد الدين بجموعه ، فترحل الفرنج عن الإسكندرية .

ثم وقعت مهادنة بين أسد الدين وشاور على أن ينصرف أسد الدين إلى الشام ويعطى خمسين ألف دينار ، فأخذها ورجع . واستقر بالقاهرة شحنة للفرنج ، وقطيعة مائة ألف دينار في السنة .

موقع حَـدِيث