محمد بن عبد الملك بن عبد الحميد
محمد بن عبد الملك بن عبد الحميد ، أبو عبد الله الفارقي الزاهد ، نزيل بغداد . ذو العبارات الفصيحة ، والمعاني الصحيحة ، المعرض عن زخارف الدنيا ، المقبل على العلم والتقوى ، كذا قال فيه ابن النجار . وقال : قدم بغداد في صباه فاستوطنها .
وكان يتكلم على الناس كل جمعة بعد الصلاة بجامع القصر ، يجلس على آجرتين ، ويقوم إذا حمي الكلام . وسئل أن يعمل له كرسي ، فأبى ذلك . وكان يحضر مجلسه العلماء والأعيان ، ويتكلم على لسان أهل الحقيقة بلسان عذب ، وكلام لطيف ، ومنطق بليغ ، فانتفع به خلق كثير .
وكان من أولياء الله وأصفيائه ، له المقامات ، والرياضات ، والمجاهدات . دون كلامه أبو المعالي الكتبي في كتاب مفرد . روى لي عنه ابن سكينة ، وابن الحصري .
وكان شيخًا مليح الصورة ، ذا تجمل في ملبوسه وبيته قفر . وقال ابن الجوزي : كان محمد الفارقي يتكلم على الناس قاعدًا ، وربما قام على قدميه في دار سيف الدولة من الجامع . وكان يقال إنه يحفظ كتاب نهج البلاغة ويغير ألفاظه .
وكانت له كلمات حسان في الجملة . وقال أبو المحاسن القرشي : قدم بغداد في صباه ، وسمع من جعفر السراج ، وانقطع إلى الخلوة والمجاهدة والعبادة إلى أن لاحت له إمارات القبول . وكان العلماء والفضلاء يقصدونه ويكتبون كلامه الذي هو فوق الدر .
وكان متقللًا ، خشن العيش . وقال ابن الدبيثي : كان يتكلم على الناس كل جمعة من غير تكلف ولا روية والناس يكتبون . وقال أبو أحمد ابن سكينة الأمين : سمعت أبا عبد الله الفارقي يقول : المحبة نار ، زنادها جمال المحبوب ، وكبريتها الكمد ، وخزانها حرق القلوب ، ووقودها الفؤاد والكبد .
قال : وسمعته يقول : المحب بسطوة سلطان الجمال مغلوب ، وبحسام الحسن مضروب ، مأخوذ عنه ، مسلوب . نجم رغبته غارب عن كل مرغوب ، طالع في أفق العيوب ، مصباح حبه يتوهج في رجاجة وجده بنار الوله بالمحبوب ، شهاب شوقه وكمده في قلبه وكبده ساطع الألهوب . وقال يحيى بن القاسم التكريتي : سمعت الشيخ محمدا الفارقي يقول : الدني الهمة عبد شهوته مستخدم في اصطبل طبعه يخدم كودن كبره ، وأتان تيهه ، وحمار حرصه ، جواد همه مقيد بقيود دنائه .
قد وضع على قدميه شبحة شحه فمنعت من الجري في حلبة المكارم ، وجعل على ظهره جل الذل منسوجًا من الصفات الذمائم . ثم قال يحيى : حكى لي أبو الفتح مسعود بن محمد البدري قال : دخل يوسف بن محمد بن مقلد الدمشقي على الشيخ محمد الفارقي ومعه فقراء ، فلما ظهر الفقراء إلى الشيخ لحقهم وجد ، فصاحوا ، فرفع رأسه وقال : لا تخبزوا فطيرًا ، فإن الفطير يوجع الفؤاد . وقال ابن النجار : قرأت على يوسف بن جبريل بالقاهرة ، عن القاضي أبي البركات محمد بن علي بن محمد الأنصاري قال : أخبرنا الإمام الزاهد العارف أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي بقراءتي ، ولم أر ببغداد من يدانيه في فضله ويضاهيه ، وهو المتكلم بالعراق ، قال : حدثنا شيخنا أبو البقاء المبارك ابن الخل ، فذكر حديثًا .
قلت : ابن الخل هو والد الفقيه أبي الحسن ، وصوفي زاهد ، ذكرناه في سنة عشرين وخمسمائة . وقال القاضي عمر بن علي القرشي : محمد بن عبد الملك الفارقي العارف ، قدم بغداد قديمًا ، وسمع بها من جعفر السراج . كذا قال القاضي .
قال : وانقطع إلى الخلوة والمجاهدة ، والعبادة ، واستعمل الإخلاص في أعماله إلى أن تحقق جريان الحكمة من قلبه على لسانه ، فكان الفضلاء يقصدونه ويكتبون كلامه الذي يفوق الدر . وجرى على طريقة واحدة في اختيار الفقر والتقلل والتخشن ، ورد ما يفتح به إلا القليل من الآحاد . ولد سنة سبع وثمانين وأربعمائة .
قال ابن الدبيثي : روى لنا عنه جماعة . وتوفي في رجب عن سبع وسبعين سنة .