حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

عبد الله العاضد لدين الله

عبد الله العاضد لدين الله ، أبو محمد بن يوسف ابن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر ابن الظاهر ابن الحاكم العبيدي ، المصري ، الرافضي ، الذي يزعم هو وبيته أنهم فاطميون وهو آخر خلفاء مصر . ولد سنة ست وخمسمائة في أولها . ولما هلك الفائز ابن عمه واستولى الملك الصالح طلائع بن رزيك على الديار المصرية بايع العاضد وأقامه صورة ، وكان كالمحجور عليه لا يتصرف في كل ما يريد .

ومع هذا فكان رافضيًا ، سبابًا ، خبيثًا . قال ابن خلكان : كان إذا رأى سنيًا استحل دمه . وسار وزيره الملك الصالح سيرة مذمومة ، واحتكر الغلات ، فغلت الأسعار ، وقتل أمراء الدولة خيفة منهم ، وأضعف أحوال دولتهم بقتل ذوي الرأي والبأس ، وصادر أولي الثروة .

وفي أيام العاضد ورد حسين بن نزار ابن المستنصر العبيدي من الغرب ، وقد جمع وحشد ، فلما قارب مصر غدر به أصحابه ، وقبضوا عليه ، وأتوا به إلى العاضد ، فذبح صبرًا في سنة سبع وخمسين . قلت : ثم قتل ابن رزيك ، ووزر له شاور ، فكان سبب خراب دياره ، ودخل أسد الدين إلى ديار مصر كما ذكرنا ، وقتل شاور ، ومات بعده أسد الدين ، وقام في الأمر ابن أخيه صلاح الدين وتمكن من المملكة . قال القاضي جمال الدين ابن واصل : حكى لي الأمير حسام الدين أبي علي قال : كان جدي في خدمة صلاح الدين ، فحكى أنه لما وقعت هذه الوقعة ، يعني وقعة السودان ، بالقاهرة التي زالت دولتهم فيها ، ودولة آل عبيد ، قال : شرع صلاح الدين فطلب من العاضد أشياء من الخيل والرقيق والأموال ليتقوى بذلك .

قال : فسيرني يومًا إلى العاضد أطلب منه فرسًا ، ولم يبق عنده إلا فرس واحد ، فأتيه وهو راكب في بستانه المعروف بالكافوري الذي يلي القصر ، فقلت : صلاح الدين يسلم عليك ، ويطلب منك فرسًا . فقال : ما عندي إلا الفرس الذي أنا راكبه؛ ونزل عنه وشق خفيه ورمى بهما ، وسلم إلي الفرس ، فأتيت به صلاح الدين . ولزم العاضد بيته .

قلت : واستقل صلاح الدين بالأمر ، وبقي العاضد معه صورة إلى أن خلعه ، وخطب في حياته لأمير المؤمنين المستضيء بأمر الله العباسي ، وأزال الله تلك الدولة المخذولة . وكانوا أربعة عشر متخلفًا لا مستخلفًا . قال الإمام شهاب الدين أبو شامة : اجتمعت بالأمير أبي الفتوح ابن العاضد وهو مسجون مقيد في سنة ثمان وعشرين وستمائة ، فحكى لي أن أباه في مرضه استدعى صلاح الدين فحضر ، قال : فأحضرونا ، يعني أولاده ، ونحن صغار ، فأوصاه بنا ، فالتزم إكرامنا واحترامنا .

قال أبو شامة : كان منهم ثلاثة بإفريقية وهم الملقبون بالمهدي ، والقائم ، والمنصور ، وأحد عشر بمصر ، وهم : المعز ، والعزيز ، والحاكم ، والظاهر ، والمستنصر ، والمستعلي ، والآمر ، والحافظ ، والظافر ، والفائز ، والعاضد ، يدعون الشرف ، ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي ، حتى اشتهر لهم ذلك بين العوام ، فصاروا يقولون : الدولة الفاطمية والدولة العلوية . إنما هي الدولة اليهودية ، أو المجوسية الملحدة الباطنية . قال : وقد ذكر ذلك جماعة من العلماء الأكابر أنهم لم يكونوا لذلك أهلًا ، ولا نسبهم صحيحا ، بل المعروف أنهم بنو عبيد .

وكان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسي . قال : وقيل : كان والد عبيد هذا يهوديًا من أهل سلمية ، وكان حدادًا . وعبيد كان اسمه سعيدا ، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله ، وادعى نسبًا ليس بصحيح .

وذكر ذلك جماعة من علماء الأنساب ، ثم ترقت به الحال إلى أن ملك المغرب ، وبنى المهدية ، وتلقب بالمهدي . وكان زنديقًا خبيثًا ، عدوًا للإسلام . قتل من الفقهاء ، والمحدثين ، والصالحين جماعة كبيرة ، ونشأت ذريته على ذلك .

وبقي هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها ، وذلك من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين إلى سنة سبع وستين وخمسمائة . وقد بين نسبهم جماعة مثل القاضي أبي بكر الباقلاني ، فإنه كشف في أول كتابه المسمى كشف أسرار الباطنية عن بطلان نسب هؤلاء إلى علي رضي الله عنه ، وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد استقصى الكلام في أصولها ، وبينها في آخر كتاب تثبيت النبوة ، وبين بعض ما فعلوه من الكفريات والمنكرات . قرأت في تاريخ صنف على السنين في مجلد صنفه بعض الفضلاء سنة بضع وثلاثين وستمائة ، وقدمه لصاحب مصر الملك الصالح قال : في سنة سبع وستين : وفاة العاضد في يوم عاشوراء بعد إقامة الخطبة بمصر بيويمات قلائل في أول جمعة من المحرم لأمير المؤمنين المستضيء بأمر الله ، وهو آخر خلفاء مصر .

فلما كانت الجمعة الثانية خطب بالقاهرة أيضًا للمستضيء ، ورجعت الدعوة العباسية بعد أن كانت قد قطعت بها أكثر من مائتي سنة . وتسلم الملك الناصر صلاح الدين قصر الخلافة ، واستولى على ما كان به من الأموال والذخائر ، وكانت عظيمة الوصف . وقبض على أولاد العاضد وأهل بيته ، وحبسهم في مكان واحد بالقصر ، وأجرى عليهم ما يمولهم ، وعفى آثارهم ، وقمع مواليهم وسائر أنسبائهم .

قال : وكانت هذه الفعلة من أشرف أفعاله ، فلنعم ما فعل ، فإن هؤلاء كانوا باطنية زنادقة ، دعوا إلى مذهب التناسخ ، واعتقاد حلول الجزء الإلهي في أشباحهم . وقد ذكرنا أن الحاكم قال لداعيه : كم في جريدتك ؟ قال : ستة عشر ألفًا يعتقدون أنك الإله . وقال قائلهم وأظنه في الحاكم : ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار فلعن الله المادح والممدوح ، فليس هذا في القبح إلا كقول فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى وقال بعض شعرائهم في المهدي برقادة : حل برقادة المسيح حل بها آدم ونوح حل بها الله في علاه وما سوى الله فهو ريح قال : وهذا أعظم كفرًا من النصارى ، لأن النصارى يزعمون أن الجزء الإلهي حل بناسوت عيسى فقط ، وهؤلاء يعتقدون حلوله في جسد آدم ونوح والأنبياء وجميع الأئمة .

هذا اعتقادهم لعنهم الله . فأما نسبهم فأئمة النسب مجمعون على أنهم ليسوا من ولد علي رضوان الله عليه ، بل ولا من قريش أصلًا . قلت : قد ذكرنا فيما مضى أن القادر بالله كتب محضرًا يتضمن القدح في نسبهم ومذهبهم ، وأنه شهد في ذلك المحضر خلق ، منهم : الشريفان الرضي ، والمرتضى ، والشيخ أبو حامد الإسفراييني ، وأبو جعفر القدوري .

وفي المحضر أن أصلهم من الديصانية ، وأنهم خوارج أدعياء . وذلك في سنة اثنتين وأربعمائة . وقال العماد الكاتب ، يصف ما جرى على ما خلفه العاضد من ولد وخدم وأمتعة ، إلى أن قال : وهم الآن محصورون محسورون ، ولم يظهروا ، وقد نقص عددهم ، وقلص مددهم .

ثم عرض من بالقصر من الجواري والعبيد فوجد أكثرهن حرائر ، فأطلقهن ، وفرق من بقي . وأخذ - يعني صلاح الدين – كل ما صلح له ولأهله وأمرائه من أخاير الذخائر ، وزواهر الجواهر ، ونفائس الملابس ، ومحاسن العرائس ، والدرة اليتيمة ، والياقوتة الغالية القيمة ، والمصوغات التبرية ، والمصنوعات العنبرية ، والأواني الفضية ، والصواني الصينية ، والمنسوجات المغربية ، والممزوجات الذهبية ، والعقود والنقود ، والمنظوم والمنضود ، وما لا يعد إحصاءا . وأطلق البيع بعد ذلك في كل جديد وعتيق ، وبال وأسمال ، واستمر البيع فيها مدة عشر سنين ، وانتقلت إلى البلاد بأيدي المسافرين .

وكتب السلطان صلاح الدين إلى وزير بغداد على يد شمس الدين محمد بن المحسن بن الحسين بن أبي المضاء البعلبكي الذي خطب أول شيء بمصر لبني العباس في أول السنة بإنشاء الفاضل كتابًا ، فمما فيه : وقد توالت الفتوح غربًا وشرقًا ، ويمنًا وشامًا ، وصارت البلاد والشهر بل الدهر حرمًا حراما ، وأضحى الدين واحدًا بعدما كان أديانا . والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها إلا صمًا وعميانا . والبدعة خاشعة ، والجمعة جامعة ، والمذلة في شيع الضلال شائعة .

ذلك أنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء ، وسموا أعداء الله أصفياء . وتقطعوا في أمرهم شيعا ، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعا . وكذبوا بالنار ، فعجلت لهم نار الحتوف ، ونثرت أقلام الظباء حروف رؤوسهم نثر الأقلام للحروف .

ومزقوا كل ممزق ، وأخذ منهم كل مخنق . وقطع دابرهم ، ووعظ آتيهم غابرهم . ورغمت أنوفهم ومنابرهم ، وحقت عليهم الكلمة تشريدًا وقتلا ، وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا ، وليس السيف عمن سواهم من الفرنج بصائم ، ولا الليل عن السير إليهم بنائم .

ولا خفاء عن المجلس الصاحبي أن من شد عقد خلافة ، وحل عقد خلاف ، وقام بدولة وقعد بأخرى قد عجز عنها الأخلاف والأسلاف ، فإنه مفتقر إلى أن يشكر ما نصح ، ويقلد ما فتح ، ويبلغ ما اقترح ، ويقدم حقه ولا يطرح ، ويقرب مكانه وإن نزح ، وتأتيه التشريفات الشريفة . إلى أن قال : وقد أنهض لإيصال ملطفاته ، وتنجز تشريفاته ، خطيب الخطباء بمصر ، وهو الذي اختاره لصعود المنبر ، وقام بالأمر قيام من بر ، واستفتح بلبس السواد الأعظم ، الذي جمع الله عليه السواد الأعظم . وقال ابن أبي طيئ : لما فرغ السلطان من أمر الخطبة أمر بالقبض على القصور بما فيها ، فلم يوجد فيها من المال كبير أمر ، لأن شاور كان قد ضيعه في إعطائه الفرنج ، بل وجد فيها ذخائر جليلة .

ومن عجيب ما وجد فيه قضيب زمرد طوله شبر وشيء في غلظ الإبهام ، فأخذه السلطان ، وأحضر صائغًا ليقطعه ، فأبى الصائغ واستعفى ، فرماه السلطان ، فانقطع ثلاث قطع ، وفرقه على نسائه . ووجد طبل القولنج الذي صنع للظافر ، وكان من ضربه خرج منه الريح واستراح من القولنج ، فوقع إلى بعض الأكراد ، فلم يدر ما هو ، فكسره ، لأنه ضرب به فحبق . ووجد في الذخائر إبريق عظيم من الحجر المائع ، فكان من جملة ما أرسل من التحف إلى بغداد .

ثم وصل موفق الدين ابن القيسراني ، واجتمع في مصر بصلاح الدين ، وأبلغه رسالة السلطان نور الدين ، وطالبه بحساب جميع ما حصله ، فصعب ذلك عليه ، وهم بشق العصا ، ثم سكن ، وأمر النواب بعمل الحساب ، وعرضه على ابن القيسراني ، وأراه جرائد الأجناد بأخبارهم ، وقد ذكر في الحوادث جميع ذلك . وكان عمارة اليمني الشاعر من العبيديين وممن يتولاهم ، فرثى العاضد بهذه : رميت يا دهر كف المجد بالشلل وجيده بعد حسن الحلى بالعطل سعيت في منهج الرأي العثور فإن قدرت من عثرات الدهر فاستقل جدعت مازنك الأعلى فأنفك لا ينفك ما بين أمر الشين والخجل لهفي ولهف بني الآمال قاطبة على فجيعتها في أكرم الدول قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن كمالها أنها جاءت ولم أسل يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة لك الملامة إن قصرت في عذلي بالله زر ساحة القصرين وابك معي عليهما لا على صفين والجمل ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة في نسل آل أمير المؤمنين علي أسلت من أسف دمعي غداة خلت رحابكم وغدت مهجورة السبل والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم ولا نجا من عذاب النار غير ولي وهي طويلة . قيل : كان موت العاضد بذرب مفرط أتلفه .

وقيل : مات غمًا لما سمع بقطع خطبته ؟ وقيل : بل كان له خاتم مسموم فامتصه ، لما سمع بزوال دولته . والأول أقرب وأشبه .

موقع حَـدِيث