الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل
الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل ، الحافظ ، أبو العلاء الهمذاني ، العطار ، المقرئ ، المحدث ، شيخ مدينة همذان . رحل إلى أصبهان ، وقرأ القراءات على أبي علي الحداد ، وسمع منه الكثير . وقرأ القراءات على أبي العز القلانسي بواسط .
وعلى أبي عبد الله البارع ، وأبي بكر المزرفي ، وجماعة ببغداد ، وسمع بها من أبي القاسم بن بيان ، وأبي علي ابن المهدي ، وخلق . ومن أبي عبد الله الفراوي ، وطبقته بخراسان . ثم رحل ثانية سنة نيف وعشرين وخمسمائة إلى بغداد ، فقرأ بها لولده الكثير ، ثم قدمها بعد الثلاثين .
ثم قدمها بعد الأربعين ، فقرأ بها لولده أحمد الكثير على أبي الفضل الأرموي ، وابن ناصر ، وابن الزاغوني ، وحدث إذ ذاك بها . وقرأ عليه القراءات أبو أحمد عبد الوهاب ابن سكينة . روى عنه هو ، والمبارك بن الأزهر ، وأبو المواهب بن صصرى ، وعبد القادر بن عبد الله الرهاوي ، ويوسف بن أحمد الشيرازي ، ومحمد بن محمود بن إبراهيم الحمامي ، وأولاده أحمد ، وعبد البر ، وفاطمة ، وعتيق بن بدل المكي بمكة ، وسبطه محمد بن عبد الرشيد بن علي بن بنيمان ، وأخو هذا القاضي علي بن عبد الرشيد وماتا في سنة إحدى وعشرين ، وأخوهما القاضي عبد الحميد ، وبقي إلى سنة سبع وثلاثين ، وسماعه في الرابعة .
وروى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن المقير ، وهو آخر من روى عنه فيما أعلم . ذكره أبو سعد السمعاني فقال : حافظ ، متقن ، ومقرئ فاضل ، حسن السيرة ، جميل الأمر ، مرضي الطريقة ، عزيز النفس ، سخي بما يملكه ، مكرم للغرباء ، يعرف الحديث والقراءات والأدب معرفة حسنة . سمعت منه بهمذان .
وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي : شيخنا الإمام أبو العلاء أشهر من أن يعرف ، بل تعذر وجود مثله في أعصار كثيرة ، على ما بلغنا من سيرة العلماء والمشايخ . أربى على أهل زمانه في كثرة السماعات ، مع تحصيل أصول ما سمع ، وجودة النسخ ، وإتقان ما كتبه بخطه . فإنه ما كان يكتب شيئًا إلا منقوطًا معربًا .
وأول سماعه من عبد الرحمن بن حمد الدوني في سنة خمس وتسعين وأربعمائة . وبرع على حفاظ عصره في حفظ ما يتعلق بالحديث من الأنساب ، والتواريخ ، والأسماء ، والكنى ، والقصص ، والسير . ولقد كان يومًا في مجلسه ، وجاءته فتوى في أمر عثمان رضي الله عنه ، فأخذها وكتب فيها من حفظه ، ونحن جلوس ، درجًا طويلًا ، ذكر فيه نسبه ، ومولده ، ووفاته ، وأولاده ، وما قيل فيه ، إلى غير ذلك .
وله التصانيف في الحديث ، والزهد والرقائق ، وصنف زاد المسافر في نحو خمسين مجلدًا . وكان إمامًا في القرآن وعلومه ، وحصل من القراءات المسندة ، ما إنه صنف العشرة والمفردات ، وصنف في الوقف والابتداء ، وفي التجويد ، والماءات ، والعدد ومعرفة القراء وهو نحو من عشرين مجلدًا . واستحسنت تصانيفه في القرآن ، وكتبت ، ونقلت إلى خوارزم والشام .
وبرع عليه جماعة كثيرة في علوم القرآن . وكان إذا جرى ذكر القراء يقول : فلان مات في سنة كذا ، وفلان مات في سنة كذا ، وفلان يعلو إسناده على فلان بكذا . وكان إمامًا في النحو واللغة ، سمعت أن من جملة ما حفظ في اللغة كتاب الجمهرة ، وخرج له تلامذة في العربية أئمة يقرئون بهمذان .
وفي بعض من رأيت من أصحابه من جملة محفوظاته كتاب الغريبين للهروي . وكان عتيقًا من حب المال ، مهينًا له ، باع جميع ما ورثه ، وكان من أبناء التجار ، وأخرجه في طلب العلم ، حتى سافر إلى بغداد ، وأصبهان مرات كثيرة ماشيًا ، وكان يحمل كتبه على ظهره . وسمعته يقول : كنت أبيت ببغداد في المساجد ، وآكل خبز الدخن .
وسمعت شيخنا أبا الفضل بن بنيمان الأديب بهمذان يقول : رأيت الحافظ أبا العلاء في مسجد من مساجد بغداد يكتب وهو قائم على رجليه ، لأن السراج كان عاليًا . ثم نشر الله ذكره في الآفاق ، وعظم شأنه في قلوب الملوك وأرباب المناصب والعوام ، حتى إنه كان يمر في همذان فلا يبقى أحد رآه إلا قام ودعا له ، حتى الصبيان واليهود . وحتى أنه كان في بعض الأحايين يمضي إلى مشكان بلدة في ناحية همذان ، ليصلي بها الجمعة ، فكان يتلقاه أهلها خارج البلد ، المسلمون على حدة ، واليهود على حدة ، يدعون له إلى أن يدخل البلد .
وكان يفتح عليه من الدنيا جمل ، فلم يدخرها ، بل كان ينفقها على تلامذته ، حتى أنه ما كان يكون عنده متعلم إلا رتب له رفقًا يصل إليه ، وإذا قصده أحد يطلب بره وصله بما يجد إليه من السبيل من ماله وجاهه ، ويتدين له . وكانت عليه رسوم لأقوام في كل سنة يبعثها إلى مكة ، وبغداد ، وغيرهما . وما كان يبرح عليه ألف دينار همذانية أو أكثر من الدين ، مع كثرة ما كان يفتح عليه .
وكان يطلب لأصحابه من الناس ، ويعز أصحابه ومن يلوذ به ، ولا يحضر دعوة حتى تحضر جماعة أصحابه . وكان لا يأكل من أموال الظلمة ، ولا قبل منهم مدرسة قط ولا رباطًا ، وإنما كان يقرئ في داره ، ونحن في مسجده ، فكان يقرئ نصف نهاره الحديث ، ونصفه القرآن والعلم . وكان لا يغشى السلاطين ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ، ولا يمكن أحدًا أن يعمل في محلته منكرًا ولا سماعًا .
وكان ينزل كل إنسان منزلته ، حتى تألفت القلوب على محبته وحسن الذكر له في الآفاق البعيدة . حتى أهل خوارزم ، الذين هم من أشد الناس في الاعتزال كتبوا تصانيفه ، وصار له عندهم من الصيت لعل قريبًا من همذان ، مع مباينتهم له في الاعتقاد ، ومعرفتهم شدته في الحنبلية . وكان حسن الصلاة ، لم أر أحدًا من مشايخنا أحسن صلاة منه .
وكان متشددًا في أمر الطهارات ، حتى أنه ما كان يثق بكل أحد . وكان لا يدع أحدًا يمس مداسه . وقد حضرته يومًا وأخذ منطرًا وجبة برد قد أهديا له ، وكانا جديدين بطراوتهما ، فجاء بهما إلى بركة فيها ماء وطين وورق الشجر ، فغمسهما في الماء وسمعته يقول : قليلًا قليلًا ثقة بالله .
فغسلهما ، وانطفأت نضارتهما . وكان لا يبالي ما لبس . ولا يلبس الكتان بل القطن ، ثياب قصار ، وأكمام قصار ، وعمامة نحو سبعة أذرع .
وكان لا يتشهى المواكيل ، ولا يكاد يأمر بصنعة طعام . وكانت السنة شعاره ودثاره اعتقادًا وفعلًا . كان لا يكاد يبدأ في أمر إلا ابتدأ فيه بسنة إما دعاء وإما غير ذلك .
وكان معظما للسنة بحيث إنه كان إذا دخل مجلسه أحد ، فقدم رجله اليسرى كلف أن يرجع فيقدم اليمنى . وكان لا يمس أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو على وضوء ، ولا يدع شيئًا قط إلا مستقبل القبلة تعظيمًا لها . ورآني يومًا وعلى رأسي قلنسوة سوداء مكشوفة فقال لي : لا تلبسها مكشوفة ، فإن أول من أظهر لبس هذه القلانس أبو مسلم الخراساني .
ثم شرع في ذكر أبي مسلم ، فذكر أحواله من أولها إلى آخرها . قال : وسمعت من أثق به يحكي أن السلفي رأى طبقة بخط أبي العلاء فقال : هذا خط أهل الإتقان . وسمعته يحكي عنه أنه ذكر له فقال : قدمه دينه .
وسمعت من أثق به يحكي عن أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي أنه قال للحافظ أبي العلاء لما دخل نيسابور : ما دخل نيسابور مثلك . وسمعت الحافظ أبا القاسم علي بن الحسن يقول ، وذكر رجلًا من أصحابه رحل : إن رجع ولم يلق الحافظ أبا العلاء ضاعت سفرته . قال : وقد روى عنه الحافظ أبو القاسم .
وقال الحافظ محمد بن محمود الحمامي الهمذاني : ولد شيخنا أبو العلاء في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة . قال : وتوفي في تاسع عشر جمادى الأولى . وذكره ابن النجار فقال : إمام في علوم القراءات ، والحديث ، والأدب ، والزهد ، والتمسك بالسنن .