محمود ابن قسيم الدولة أبي سعيد زنكي بن آقسنقر التركي
محمود ابن قسيم الدولة أبي سعيد زنكي بن آقسنقر التركي ، الملك العادل نور الدين ، ناصر أمير المؤمنين ، أبو القاسم . قال ابن عساكر : كان آقسنقر قد ولي نيابة حلب للسلطان ملك شاه بن ألب رسلان ، وولي غيرها من بلاد الشام . ونشأ قسيم الدولة زنكي بالعراق ، وندبه السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب رسلان برأي الخليفة المسترشد بالله لولاية الموصل ، وديار بكر ، والبلاد الشامية ، بعد قتل آقسنقر البرسقي ، وموت ابنه مسعود .
وظهرت كفاية زنكي ، وعرفت شهامته وثباته عند ظهور ملك الروم ، ونزوله على شيزر ، حتى رجع إلى بلاده خائباً . وقد حاصر ابن قسيم الدولة زنكي دمشق مرتين ، فلم يفتحها ، وافتتح الرها ، والمعرة ، وكفرطاب وغيرها من أيدي الكفار ، وتوفي . وقام مقامه في ولاية الشام ابنه الملك نور الدين .
ولد في شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة ، ودخل قلعة حلب بعد قتل والده على جعبر في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ، فخلع على الأمراء . قلت : تملك وله ثلاثون سنة . وكان أعدل ملوك زمانه بالإجماع ، وأكثرهم جهادًا ، وأحرصهم على الخير ، وأدينهم وأتقاهم لله .
قال ابن عساكر : ظهر منه بذل الاجتهاد في قيام الجهاد ، وخرج من حلب غازيًا في أعمال تل باشر ، فافتتح حصونًا كثيرة ، وقلعة أفامية ، وحصن البارة ، وقلعة الراوندان ، وقلعة تل خالد ، وحصن كفرلاثا ، وحصن بسرفوت بجبل بني عليم ، وقلعة عزاز ، وتل باشر ، ودلوك ، ومرعش ، وقلعة عين تاب ، ونهر الجوز . وغزا حصن إنب ، فقصده الإبرنس صاحب أنطاكية ، فواقعه ، فكسره نور الدين وقتله ، وقتل ثلاثة آلاف إفرنجي ، وبقي له ولد صغير مع أمه بأنطاكية ، فتزوجت بإبرنس آخر ، فخرج نور الدين في بعض غزواته فأسر الإبرنس الآخر ، وتملك أنطاكية ابنه ، وباعه نور الدين نفسه بمال عظيم . قال : وأظهر السنة بحلب ، وغير البدعة التي كانت لهم في التأذين ، وقمع الرافضة ، وبنى بها المدارس ، وأقام العدل .
وحاصر دمشق مرتين ، ثم قصدها الثالثة . وقد كان صالح معين الدين أنر نائب صاحبها ، وصاهره ، واجتمعت كلمتهما على العدو ، فسلم أهل دمشق إليه البلد لغلاء الأسعار ، وللخوف من العدو ، فتملكها وسكنها ، وحصن سورها ، وبنى بها المدارس والمساجد ، ووسع أسواقها ، ورفع عن الناس الأثقال ، ومنع من أخذ ما كان يؤخذ منهم من المغارم بدار بطيخ وسوق الغنم . وضمان النهر والكيالة ، وأبطل الخمر .
وأخذ من الفرنج ثغر بانياس ، والمنيطرة . وكان في الحرب رابط الجأش ، ثابت القدم ، حسن الرمي . وكان يتعرض بنفسه للشهادة ، فلقد حكى عنه كاتبه أبو اليسر شاكر بن عبد الله أنه سمعه يسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير ، فالله يقي مهجته من الأسواء .
فلقد أحسن إلى العلماء وأكرمهم ، وبنى دور العدل ، وحضرها بنفسه أكثر الأوقات ، ووقف على المرضى ، وأدر على الضعفاء والأيتام وعلى المجاورين ، وأمر بإكمال سور مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، واستخراج العين التي بأحد ، وكانت قد دفنتها السيول . وفتح سبيل الحج من الشام ، وعمر الربط والخوانق ، والبيمارستانات في بلاده ، وبنى الجسور والطرق والخانات ، ونصب مؤدبين للأيتام . وكذلك صنع لما ملك سنجار ، وحران ، والرقة ، والرها ، ومنبج ، وشيزر ، وحماة ، وحمص ، وصرخد ، وبعلبك ، وتدمر .
ووقف كتبًا كثيرة على أهل العلم ، وكسر الفرنج والأرمن على حارم هو وأخوه قطب الدين في عسكر الموصل ، وكان العدو ثلاثين ألفا ، فلم يفلت منهم إلا القليل . وقبلها كسر الفرنج على بانياس . قال سبط الجوزي : سبب أخذ نور الدين دمشق ما ظهر من صاحبها مجير الدين من الظلم ومصادرات أهلها ، وقبضه على جماعة من الأعيان ، واستدعى زين الدولة ابن الصوفي الذي ولاه رياسة دمشق لما أخرج أخاه وجيه الدولة منها ، فقتله في القلعة ، ونهب داره ، وأحرق دور بني الصوفي ، ونهب أموالهم .
وتواترت مكاتباته للفرنج يستنجد بهم ويطمعهم في البلاد ، وأعطاهم بانياس ، فكانوا يشنون الغارات إلى باب دمشق ، فيقتلون ويأسرون . وجعل للفرنج على أهل دمشق قطيعة ، فكاتب أهل دولته نور الدين ، فأخذ نور الدين معه في الملاطفة والود ، وخاف إن شدد عليه أن يستعين بالفرنج ، ولم يزل إلى أن تسلم دمشق . قال ابن عساكر : وقد كان شاور السعدي أمير الجيوش بمصر وصل إلى جنابه مستجيرًا به لما عاين الذعر ، فأكرمه وأكرم مورده واحترمه ، وبعث معه جيشًا ليرده إلى درجته ، فوصلوا معه ، وقتلوا خصمه ، ولم يقع منه الوفاء بما ورد من جهته ، واستجاش بجيش الفرنج طلبا لبقائه في مرتبته ثم وجه إليه بعد ذلك جيشا آخر فأصر على المشاققة وكابر ، واستنجد بالعدو المخذول ، فأنجدوه ، وضمن لهم الأموال العظيمة ، فرجع عسكر نور الدين إلى الشام ، فحدث صاحب الفرنج نفسه بأخذ مصر ، فتوجه إليها بعد سنتين لينتهز الفرصة ، فأخذ بلبيس ، وخيم بعرصة مصر ، فلما بلغ نور الدين ذلك ، بذل جهده في توجيه الجيش إليها ، فلما سمع العدو بمجيء جيشه رجعوا ، وأمن أهل مصر بقدوم الجيش وانتعشوا ، واطلع من شاور على المخامرة ، وأنه أنفذ يراسل العدو ليردهم إلى مصر ، ويدفع بهم الجيش ، فلما عرف غدره تمارض أسد الدين ، فجاء شاور يعوده ، فوثب جورديك وبزغش النوريان فقتلاه ، وأراح الله منه ، وصفى الأمر لأسد الدين ، وتملك وحمدت سيرته ، وظهرت السنة بمصر .
وكان حسن الخط ، حريصًا على تحصيل الكتب الصحاح والسنن ، كثير المطالعة للفقه ، والحديث ، مواظبًا على الصلوات في جماعة ، كثير التلاوة ، والصيام ، والتسبيح ، عفيفًا ، متحريًا في المطعم والمشرب ، عريًا عن التكبر . وكان ذا عقل متين ورأي رصين ، مقتديًا بسيرة السلف ، متشبهًا بالعلماء والصلحاء ، روى الحديث وأسمعه بالإجازة ، وكان من رآه شاهد من جلال السلطنة وهيبة الملك ما يبهره ، فإذا فاوضه رأى من لطافته وتواضعه ما يحيره ، ولقد حكى عنه من صحبه في حضره وسفره أنه لم يسمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضجره ، وإن أشهى ما إليه كلمة حق يسمعها ، أو إرشاد إلى سنة يتبعها ، يؤاخي الصالحين ويزورهم ، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم ، وزوج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم . ومتى تكررت الشكاية من ولاته عزلهم .
وأكثر ما أخذه من البلدان تسلمه بالأمان . وكان كلما فتح الله عليه فتحًا ، وزاده ولاية ، أسقط عن رعيته قسطًا ، حتى ارتفعت عنهم الظلامات والمكوس ، واتضعت في جميع ولايته الغرامات والنحوس . وقال أبو الفرج ابن الجوزي : نور الدين ولي الشام سنين ، وجاهد الثغور ، وانتزع من أيدي الكفار نيفًا وخمسين مدينة وحصنًا ، وبنى مارستانًا في الشام ، فأنفق عليه مالًا ، وبنى بالموصل جامعًا غرم عليه سبعين ألف دينار؛ ثم أثنى عليه .
وقال : كان يتدين بطاعة الخلافة ، وترك المكوس قبل موته؛ وبعث جنودًا فتحوا مصر . وكان يميل إلى التواضع ، ومحبة العلماء والصلحاء ، وكاتبني مرارًا . وأحلف الأمراء على طاعة ولده بعده ، وعاهد ملك الفرنج ، صاحب طرابلس ، وقد كان في قبضته أسيرًا ، على أن يطلقه بثلاثمائة ألف دينار وخمسمائة حصان ، وخمسمائة زردية ، ومثلها تراس إفرنجية ، ومثلها قنطوريات ، وخمسمائة أسير مسلمين ، وبأنه لا يغير على بلاد المسلمين سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام .
وأخذ منه في قبضته على الوفاء بذلك مائة من كبار أولاد الفرنج وبطارقتهم ، فإن نكث أراق دماءهم . وعزم على فتح بيت المقدس ، فتوفي في شوال . وكانت ولايته ثمانيًا وعشرين سنة .
وقال الموفق عبد اللطيف : كان نور الدين لم ينشف له لبد من الجهاد ، وكان يأكل من عمل يده ، ينسخ تارة ، ويعمل أغلافًا تارة ، ويلبس الصوف ، ويلازم السجادة والمصحف ، وعمر المدارس ، وعمر المارستان بدمشق للمهذب ابن النقاش تلميذ أوحد الزمان . وكان حنفيًا ، ويراعي مذهب الشافعي ومالك . وكان ولده الصالح أحسن أهل زمانه صورة .
ونزل نور الدين على حارم ، فكبستهم الفرنج ، وهرب جيشه على الخيل عريًا ، وقام هو حافيًا ، فركب فرس النوبة ، وأخذت الفرنج الخيم بما حوت ، فلما دخل حلب غرم لجميع الجند ما ذهب ، حتى المخلاة والمقود ، وخرج بعد شهر بأتم عدة ، وكسرهم كسرة مبيدة . ونقل الحسن بن محمد القليوبي في تاريخه قال : لما جاءت الزلزلة بنى نور الدين في القلعة بيتًا من خشب كان يبيت فيه ، فدفن في ذلك البيت ، ورثاه جماعة من الشعراء ، وأخرجت الأمراء ولده مشقوق الثياب ، مجزوز الشعر ، وأجلسوه على التخت الباقي من عهد الملك تتش ، والناس حوله يبكون ، ثم حلف له الأمراء . وقال القاضي ابن خلكان : وسير نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه إلى مصر ثلاث دفعات ، ثم ملكها صلاح الدين نيابة له ، وضرب باسمه السكة والخطبة .
قال : وكان زاهدًا ، عابدًا ، متمسكًا بالشريعة ، مجاهدًا ، كثير البر والأوقاف . وبنى بالموصل الجامع النوري . وله من المناقب ما يستغرق الوصف .
توفي في حادي عشر شوال بقلعة دمشق بالخوانيق ، وأشاروا عليه بالفصد فامتنع ، وكان مهيبًا ، فما روجع ، وكان أسمر طويلًا ، حسن الصورة ، ليس بوجهه شعر سوى حنكه . وعهد بالملك إلى ولده الملك الصالح إسماعيل ، وهو ابن إحدى عشرة سنة . وقال ابن الأثير : حكى لي الطبيب قال : استدعاني نور الدين مع غيري ، فدخلنا عليه ، وقد تمكنت الخوانيق منه ، وقارب الهلاك ، ولا يكاد يسمع صوته ، فقلت : ينبغي أن ينتقل إلى موضع فسيح مضيء ، فله أثر في هذا المرض .
وأشرنا بالفصد ، فقال : ابن ستين سنة لا يفتصد . وامتنع منه ، فعالجناه بغيره ، فلم ينجع . وقال ابن الأثير : كان أسمر طويلًا ، ليس له لحية إلا في حنكه .
وكان واسع الجبهة ، حسن الصورة ، حلو العينين ، قد طالعت السير ، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته ، ولا أكثر تحريًا منه للعدل . وكان لا يأكل ، ولا يلبس ، ولا يتصرف في الذي يخصه إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ، ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين . ولقد طلبت منه زوجته فأعطاها ثلاثة دكاكين بحمص كراؤها نحو عشرين دينارًا في السنة ، فاستقلتها فقال : ليس لي إلا هذا ، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين .
وكان رحمه الله يصلي كثيرًا بالليل . وكان عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة ، ولم يترك في بلاده على سعتها مكسًا . إلى أن قال في أوقافه على أنواع البر : سمعت أن حاصل وقفه في الشهر تسعة آلاف دينار صوري .
قال له القطب النيسابوري مرة : بالله لا تخاطر بنفسك ، فإن أصبت في معركة لا يبقى للمسلمين أحد إلا أخذه السيف . فقال : ومن محمود حتى يقال هذا ؟ من حفظ البلاد قبلي ؟ ذلك الله الذي لا إله إلا هو . وقال يحيى بن محمد الوهراني ، وذكر نور الدين : هو سهم للدولة سديد ، وركن للخلافة شديد ، وأمير زاهد ، وملك مجاهد ، تساعده الأفلاك ، وتعضده الجيوش والأملاك ، غير أنه عرف بالمرعى الوكيل لابن السبيل ، وبالمحل الجديب للشاعر الأديب ، فما يرزى ولا يعزى ، ولا لشاعر عنده نعمة تجزى .
وإياه عنى أسامة بن منقذ بقوله : سلطاننا زاهد والناس قد زهدوا له فكل عن الخيرات منكمش أيامه مثل شهر الصوم طاهرة من المعاصي وفيها الجوع والعطش قلت : وفي كتاب البرق الشامي وغيره من مصنفات العماد الكاتب كثير من سيرة نور الدين وأخباره . وقد عني الإمام أبو شامة في كتاب الروضتين له بأخبار الدولتين النورية والصلاحية . ودفن نور الدين بتربته على باب الخواصين رحمه الله ، وعاش ابنه عشرين سنة ، ومات بالقولنج في حلب .
وقال مجد الدين ابن الأثير الجزري ، في تاريخ الموصل على ما حكاه أبو المظفر ابن الجوزي عنه ، قال : لم يلبس حريرًا قط ، ولا ذهبًا ولا فضة ، ومنع من بيع الخمر في بلاده . قلت : قد لبس خلعة الخليفة وهي من حرير وطوق ذهب ، فلعله أراد أنه لا بد من لبس ذلك . قال : وكان كثير الصيام ، وله أوراد في الليل والنهار ، كثير اللعب بالكرة ، فكتب إليه بعض الصالحين ينكر عليه ، ويقول : تتعب الخيل في غير فائدة ، فكتب إليه بخطه : والله ما أقصد اللعب ، وإنما نحن في ثغر ، فربما وقع الصوت ، فتكون الخيل قد أدمنت على سرعة الانعطاف بالكر والفر .
وأهديت له عمامة مذهبة من مصر ، فوهبها لشيخ الصوفية ابن حمويه ، فبعث بها إلى العجم ، فأبيعت بألف دينار . قال : وكان عارفًا بمذهب أبي حنيفة ، وليس عنده تعصب ، والمذاهب عنده سواء . قال : وكان يلعب يومًا في ديوان دمشق ، وجاءه رجل فطلبه إلى الشرع ، فجاء معه إلى مجلس القاضي كمال الدين الشهرزوري ، وتقدمه الحاجب يقول للقاضي : قد قال لك لا تنزعج ، واسلك معه ما تسلك مع آحاد الناس .
فلما حضر سوى بينه وبين خصمه وتحاكما ، فلم يثبت للرجل عليه حق ، وكان يدعي ملكًا في يد نور الدين ، فقال نور الدين : هل ثبت له حق ؟ قالوا : لا . قال : فاشهدوا أني قد وهبت له الملك ، وإنما حضرت معه لئلا يقال عني أني دعيت إلى مجلس الشرع فأبيت . قال : ودخل يومًا فرأى مالًا كثيرًا ، فقالوا : بعث بهذا القاضي كمال الدين من قابض الأوقاف .
فقال : ردوه ، وقولوا له : أنا رقبتي رقيقة ، لا أقدر على حمله غدًا ، وأنت رقبتك غليظة تقدر على حمله . ولما قدم أمراؤه دمشق اقتنوا الأملاك ، واستطالوا على الناس ، خصوصًا أسد الدين شيركوه ، ولم يقدر القاضي على الانتصاف من شيركوه ، فأمر نور الدين ببناء دار العدل ، فقال شيركوه : إن نور الدين ما بنى هذه الدار إلا بسببي ، وإلا فمن يمتنع على كمال الدين ؟ . وقال لديوانه : والله لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه ، فإن كان بينكم وبين أحد منازعة فأرضوه بمهما أمكن ، ولو أتى على جميع مالي .
وكان نور الدين يقعد في دار العدل في الأسبوع أربع مرات ، ويحضر عنده الفقهاء والعلماء ، ويأمر بإزالة الحاجب والبوابين . قال : وكان إذا حضرت الحرب حمل قوسين وتركشين ، وكان لا يتكل الجند على الأمراء ، بل يتولاهم بنفسه ، ويباشر خيولهم وسلاحهم . قال : وأنفق على عمارة جامع الموصل ستين ألف دينار ، وفوض عمارته إلى الشيخ عمر الملا الزاهد .
قال : ويقال : أنفق عليه ثلاثمائة ألف دينار ، فتم في ثلاث سنين . وبنى جامع حماة على العاصي . قال : ووقع في أسره ملك إفرنجي ، فأشار الأمراء ببقائه في أسره خوفًا من شره ، وبذل هو في نفسه مالًا .
فبعث إليه نور الدين سرًا يقول : أحضر المال ، فأحضر ثلاثمائة ألف دينار ، فأطلقه ، فعند وصوله إلى مأمنه مات ، فطلب الأمراء سهمهم من المال ، فقال : ما تستحقون منه شيئًا ؛ لأنكم نهيتم عن الفداء ، وقد جمع الله لي الحسنيين : الفداء ، وموت اللعين ، وخلاص المسلمين منه . فبنى بذلك المال المارستان ، والمدرسة بدمشق ، ودار الحديث . قال : وما كان أحد من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده من هيبته ، فإذا دخل عليه فقير أو عالم أو رب خرقة قام ومشى إليه وأجلسه إلى جانبه ، ويعطيهم الأموال ، فإذا قيل له في ذلك يقول : هؤلاء لهم حق في بيت المال ، فإذا قنعوا منا ببعضه فلهم المنة علينا .
وقال العماد الكاتب في البرق الشامي : أكثر نور الدين في السنة التي توفي فيها من الصدقات ، والأوقاف ، وعمارة المساجد ، وأسقط كل ما فيه حرام ، فما أبقى سوى الجزية والخراج ، وما يحصل من قسمة الغلات على قويم المنهاج ، وأمرني بكتابة مناشير لجميع أهل البلاد ، فكتبت أكثر من ألف منشور ، وحسبنا ما تصدق به في تلك الشهور ، فكان ثلاثين ألف دينار . وكان له برسم نفقته الخاصة في كل شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس ، يصرفها في كسوته ومأكوله ، وأجرة خياطه ، وجامكية طباخه ، ويستفضل منها ما يتصدق به في آخر الشهر . وقيل إن قيمة كل ستين قرطاسًا بدينار .
وذكر العماد جملة من فضائله . وقال في ترجمته القاضي ابن واصل : حكى معين الدين محمد بن أحمد بن خالد بن محمد ابن القيسراني قال : انكسر على ضامن الزكاة مال ، وهو ابن شمام ، فباع أملاكه بثمانية آلاف دينار صورية وحملها ، فحبس على ما بقي عليه ، وكان جدي خالد هو الوزير والمشير ، فقال لنور الدين : رأيت البارحة كأن المولى قد نزع ثيابه ودفعها إلي ، وقال : اغسلها . فأخذتها وغسلتها .
فأطرق وسكت ، فندمت وخفت أن يكون تطير مني ، فخرجت وأنا ضيق الصدر ، فبقيت ثمانية أيام لم يطلبني ، فساء ظني ، فدخل على نور الدين الشيخ إسماعيل المكبس ، وكان يحبه ، فقال : يا مولانا قد حضر من زاد في دار الزكاة خمسة آلاف دينار في السنة ، فانتهره وقال : قد أصبحت على سجادتي بعد أداء فريضتي أذكر الله ، واستفتحت أنت تبشرني بمكس . فوجم الشيخ إسماعيل ، ثم قال : اطلبوا خالدًا . قال : فحضرت ، فتبسم وقال : قد تفسر منامك .
فقلت : بخير إن شاء الله . فقال : لا تظن أن تركي لك لموجدة ، بل كنت مفكرًا في المنام حتى فتح الله بتأويله . اعلم أن غسل الثياب غسل أوساخ الذنوب ، ولا ذنب أوسخ من تناول أموال المكوس .
فلا تترك من يومنا هذا في بلد من بلادي مكسًا ، ولا درهمًا حرامًا ، واكتب بذلك تواقيع تكون مخلدة في البلاد . والتفت إلى إسماعيل فقال : مر أطلق ابن شمام ، ورد عليه ما أخذ منه . فلما عرف ابن شمام بذلك ، اقترح بأن يجعل الذهب في أطباق ، وتزف بالطبول والبوقات في الأسواق .
فأمر نور الدين بإجابته ، وأن يخلع عليه . وكتب جدي خالد بذلك تواقيع ونسختها كلها : الحمد لله فاتح أبواب الخيرات بعد إغلاقها ، وناهج سبل النجاة لطلابها وطراقها ، وفارج الكربات بعد إرتاجها وإطباقها ، الذي منح أولياءه التوفيق ، وأوضح لهم دليله ، ونصر أهل الحق ، وأعان قبيله ، نحمده على جزيل مواهبه ، وجليل رغائبه ، ونسأله أن يصلي على محمد الذي أوضح الطريق والمحجة ، وأوجب الحجة ، وعلى آله ، إلى أن قال : وبعد ، فقد اتضح على الأفهام ، ووضح عند الخاص والعام ، ما نغاديه ونراوحه ، ونماسيه ونصابحه ، ونشتغل به عامة أوقاتنا ، ونعمل فيه رؤيتنا وأفكارنا من الاجتهاد في إحياء سنة حسنة ، وإماتة سنة سيئة ، وإزالة مظلمة ، ومحو سيرة مؤلمة ، إلى أن قال : وقد علمتم معاشر الرعايا وفقكم الله ، ما كان مرتبًا من المظالم المجحفة بأحوالكم ، والمكوس المستولية على شطر أموالكم ، والرسوم المضيقة عليكم في أرزاقكم ، فأمرنا بإزالة ذلك عنكم أولًا فأولًا ، ولا نتبع في إقراره على وجوهه شبهة ولا تأولًا ، وقد كان بقي من رسم الظلم ومعالم الجور في سائر ولايتنا ما أقررنا بإزالته رأفة بكم ولطفًا ، الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا ، وسنذكر ما أزلناه من المظالم والمكوس أولًا وآخرًا من سائر أعمال ولايتنا - عمرها الدهر - في هذا السجل من الديوان . قال : ثم كتب بقلم دقيق ما صورته : ذكر ما أطلق من الرسوم والمكوس والضرائب في هذا التاريخ ، ورسم إطلاق ذلك وتعفية آثاره ، وإخماد ناره ، ومبلغ ما يتحصل من ذلك في كل سنة خمسمائة ألف وستة وثمانون ألفًا وأربعمائة وسبعون دينارًا نقد الشام .
فمن ذلك دمشق بتواريخ متقدمة : مائتا ألف وعشرون ألفًا وخمسمائة وثلاثة وثمانون دينارًا . دمشق في تاريخ هذا الكتاب : خمسون ألفًا وسبعمائة وثلاثون دينارًا ، تدمر : خمسمائة دينار ، صرخد : سبعمائة ، القريتين والسخنة : خمسمائة دينار ، بانياس : ألف ومائتا دينار ، بعلبك وأعمالها : ستة آلاف وتسعمائة وعشرون دينارًا ، حمص وأعمالها : ستة وعشرون ألف دينار ونيف ، حماة وأعمالها : ستة وعشرون ألف دينار ونيف ، حلب : ستة وتسعون ألف دينار ونيف ، سرمين : ألفان وثلاثمائة وستون دينارًا ، المعرة : سبعة آلاف دينار ، كفرطاب : ألف دينار ، عزاز : ستة آلاف وخمسمائة دينار ، تل باشر : ألف وخمسمائة دينار ، عين تاب : تسعة وثمانون دينارًا ، بالس : أربعة آلاف دينار ، منبج وأعمالها : ثمانية عشر ألفًا وخمسمائة وستة وستون دينارًا ، الباب وبزاعة : ثلاثة آلاف دينار ، قلعة نجم : ثلاثمائة دينار ، قلعة جعبر : سبعة آلاف وستمائة دينار ونيف ، الرقة : ستة وعشرون ألف دينار ونيف ، والرها : ثمانية آلاف وخمسمائة دينار ، حران : ستة عشر ألفا وستمائة ونيف دينارًا ، سنجار : سبعة آلاف دينار ، الموصل : ثمانية وثلاثون ألف دينار ، نصيبين : عشرة آلاف وأربعمائة دينار ، عرابان : خمسة آلاف وسبعمائة دينار ، بطامان من أعمال الخابور : مائتان وخمسون دينارًا ، الأرسل : سبعمائة وخمسون دينارًا ، السمسمانية : ألف دينار ، قرقيسيا : ألف دينار ، السلين : مائتا دينار ، ماكسين : خمسة آلاف دينار ، المجدل : ثلاثة آلاف دينار ، الحصين : ستمائة دينار ونيف ، الجحيشة هي وما قبلها من الخابور : مائتا دينار ، المحولية : مائة وثلاثة وستون دينارًا ، الرحبة : ستة عشر ألفًا وسبعمائة وأربعون دينارًا . ثم كتب بعد ذلك بالقلم الجافي : تحقيقًا للحق ، وتمحيقًا للباطل ، ونشرًا للعدل ، وتقديمًا للصلاح الشامل ، وإيثارًا للثواب الآجل على الحطام العاجل ، إلى أن قال : وأيقنوا أن ذلك إنعام مستمر على الدهور ، باق إلى يوم النشور ، فـ كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور ، وسبيل كل واقف على هذا المثال من الولاة والعمال حذف ذلك كله ، وتعفية رسومه ، ومحو آثاره وأوزاره ، وإطلاقه على الإطلاق ، ﴿فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ﴾ ، والتوقيع الأعلى حجة لمضمونه ومقتضاه ، وكتب بالمشافهة الكريمة شرفها الله ، في مستهل رجب سنة سبع وستين وخمسمائة .
ومن شجاعته ، نقل ابن واصل وغيره أنه كان من أقوى الناس بدنًا وقلبًا ، وأنه لم ير على ظهر فرس أشد منه ، كأنما خلق عليه لا يتحرك . وكان من أحسن الناس لعبًا بالكرة ، تجري الفرس ويتناولها من الهواء بيده ، ويرميها إلى آخر الميدان ، وكان يمسك الجوكان بكم قبائه استهانة باللعب ، وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين وتركاشين ، وباشر القتال بنفسه ، وكان يقول : طالما تعرضت للشهادة فلم أدركها . قلت : قد أدركتها على فراشك ، وبقي ذلك في أفواه المسلمين تراهم يقولون : نور الدين الشهيد ، وما شهادته إلا بالخوانيق ، رحمه الله .
ومن فضائله ، قال سبط ابن الجوزي : إنه كان له عجائز بدمشق وحلب ، وكان يخيط الكوافر ويعمل السكاكر وتبيعها له العجائز سرًا ، فكان يوم يصوم يفطر على أثمانها . حكى لي شرف الدين يعقوب بن المعتمد أن في دارهم سكرة على حرستان من عمل نور الدين يتبركون بها ، وهي باقية إلى سنة خمسين وستمائة . ومنها ما حكاه لي الشيخ أبو عمر قال : كان نور الدين يزور والدي في المدرسة الصغيرة المجاورة للدير ، ونور الدين بنى هذه المدرسة ، والمصنع ، والفرن ؛ فجاء لزيارة والدي ، وكان في سقف المسجد خشبة مكسورة ، فقال له بعض الجماعة : لو جددت السقف ، فنظر إلى الخشبة وسكت ، فلما كان من الغد جاء معماره ومعه خشبة ، فزرقها موضع المكسورة ومضى .
فقال له بعض الحاضرين : فاكرتنا في كشف سقف . فقال : لا والله ، وإنما هذا الشيخ أحمد رجل صالح ، وإنما أزوره لأنتفع به ، وما أردت أن أزخرف له المسجد . ومنها ما حكاه لي نجم الدين الحسن بن سلام قال : لما ملك الأشرف دمشق ، وعمر في القلعة مسجد أبي الدرداء ، قال لي : يا نجم الدين ، كيف ترى هذا المسجد ؟ قد عمرته وأفردته عن الدور ، وما صلى فيه أحد من زمان أبي الدرداء .
فقلت : الله الله يا مولانا ، ما زال نور الدين منذ ملك دمشق يصلي فيه الصلوات الخمس . حدثني والدي ، وكان من أكابر عدول دمشق ، أن الفرنج لما نزلت على دمياط بعد موت أسد الدين ، وضايقوها ، أشرفت على الأخذ ، فأقام نور الدين عشرين يومًا صائمًا ، لا يفطر إلا على الماء ، فضعف وكاد يتلف ، وكان مهيبًا لا يتجاسر أحد أن يخاطبه في ذلك ، وكان له إمام ضرير اسمه يحيى ، وكان يقرأ عليه القرآن ، فاجتمع إليه خواص نور الدين ، فكلموه في ذلك ، فلما كان تلك الليلة رأى الشيخ يحيى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول له : يا يحيى بشر نور الدين برحيل الفرنج عن دمياط . فقلت : يا رسول الله ، ربما لا يصدقني! فقال : قل له : بعلامة يوم حارم .
قال : وانتبه يحيى ، فلما صلى نور الدين خلفه الفجر ، وشرع يدعو ، هابه أن يكلمه ، فقال له نور الدين : يا يحيى . قال : لبيك . قال : تحدثني أو أحدثك ؟ فارتعد يحيى وخرس ، فقال : أنا أحدثك ، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة ، وقال لك : كذا وكذا .
قال : نعم ، فبالله يا مولانا ، ما معنى قوله : بعلامة يوم حارم ؟ قال : لما التقينا خفت على الإسلام ، فانفردت ونزلت ، ومرغت وجهي على التراب ، وقلت : يا سيدي ، من محمود في البين ، الدين دينك ، والجند جندك ، وهذا اليوم هو ، فافعل ما يليق بكرمك . قال : فنصرنا الله عليهم . وحكى لنا شيخنا تاج الدين الكندي قال : ما تبسم نور الدين إلا نادرًا .
حكى لي جماعة من المحدثين أنهم قرؤوا عنده حديث التبسم ، وكان يرويه ، فقالوا له : تبسم . فقال : لا والله لا أتبسم من غير عجب . وللعماد الكاتب في نور الدين يرثيه : يا ملكًا أيامه لم تزل بفضله فاضلة فاخرة ملكت دنياك وخلفتها وسرت حتى تملك الآخرة