حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة إحدى وسبعون وخمسمائة

580 هـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم (الأحداث) سنة إحدى وسبعون وخمسمائة قال ابن الجوزي : تقدم إلي بالجلوس تحت المنظرة ، فتكلمت في ثالث المحرم والخليفة حاضر ، وكان يومًا مشهودًا . ثم تقدم إلي بالجلوس يوم عاشوراء ، فكان الزحام شديدًا زائدًا على الحد ، وحضر أمير المؤمنين . وفي صفر قبض على أستاذ الدار صندل الذي جاء في الرسلية إلى نور الدين ، وعلى خادمين أرجف الناس على أنهم تحالفوا على سوء .

وولي أبو الفضل ابن الصاحب أستاذدارية الدار ، وولي مكانه في الحجابة ابن الناقد . قال ابن الجوزي : وكانت بنتي رابعة قد خطبت ، فسأل الزوج أن يكون العقد بباب الحجرة ، فحضرنا يوم الجمعة ، وحضر قاضي القضاة ونقيب النقباء والأكابر . فزوجتها بأبي الفرج ابن الرشيد الطبري ، وتزوج حينئذ ولدي أبو القاسم بابنة الوزير عون الدين بن هبيرة .

قلت : رابعة هي والدة الواعظ شمس الدين ابن الجوزي ، لم يطل عمر ابن رشيد معها ، ثم تزوجها أبو شمس الدين . وأما ابنه أبو القاسم فإنه تحارف وصار ينسخ بالأجرة ، وهو ممن أجاز للقاضي تقي الدين الحنبلي . قال : وتكلمت في رجب تحت المنظرة وازدحم الخلق ، وحضر أمير المؤمنين .

وكنت إذا تكلمت أصعد المنبر ، ثم أضع الطرحة إلى جانبي ، فإذا فرغت أعدتها . وكان المستضيء بالله كثيرًا ما يحضر مجلس ابن الجوزي في مكان من وراء الستر ، وقال مرةً : ما على كلام ابن الجوزي مزيد . يعني في الحسن .

قال : وكان الرفض قد كثر ، فكتب صاحب المخزن إلى أمير المؤمنين : إن لم تقوِّ يد ابن الجوزي لم يطق دفع البدع ! فكتب بتقوية يدي ، فأخبرت الناس بذلك على المنبر ، فقلت : إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قد بلغه كثرة الرفض ، وقد خرج توقيعه بتقوية يدي في إزالة البدع ، فمن سمعتموه يسب فأخبروني حتى أخرّب داره وأسجنه . فانكف الناس . وأمر بمنع الوعاظ إلا ثلاثة : أنا ، وأبو الخير القزويني من الشافعية ، وصهر العبادي من الحنفية .

ثم سئل في ابن الشيخ عبد القادر ، فأطلق . وفي ذي القعدة خرج المستضيء إلى الكشك الذي جدده راكبًا ، والدولة مشاة ، ورآه الناس ، ودعوا له . وفيها خلع على الظهير ابن العطار بولاية المخزن .

وفيها عمل الوزير ابن رئيس الرؤساء دعوةً جمع فيها أرباب المناصب ، وخلع عليّ ، ونصب لي منبرا في الدار ، وحضر الخليفة الدعوة . فلما أكلوا تكلمت ، وحضر السلطان والدولة ، وجميع علماء بغداد ووعاظها إلا النادر . وفيها أرسل إلى صاحب المدينة تقليد بمكة ، فجرت فتنة لذلك بمكة ، وقتل جماعة .

ثم صعد أمير مكة المعزول ، وهو مكثر بن عيسى بن فليتة ، إلى القلعة التي على أبي قبيس ، ثم نزل وخرج عن مكة . ووقع النهب بمكة ، وأحرقت دور كثيرة . وحكى القليوبي في تاريخه أن الركب خرجوا عن عرفات ، ولم يبيتوا بمزدلفة ، ومروا بها ، ولم يقدروا على رمي الجمار .

وخرجوا إلى الأبطح ، فبكروا يوم العيد ، وقد خرج إليهم من يحاربهم من مكة ، فتطاردوا وقتل جماعة بين الفريقين . ثم آل الأمر إلى أن صيح في الناس : الغزاة الغزاة إلى مكة . قال ابن الجوزي : فحدثني بعض الحاج أن زرّاقًا ضرب بالنفط دارًا فاشتعلت ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وكانت تلك الدار لأيتام .

ثم سوى قارورة نفط ليضرب بها ، فجاءه حجر فكسرها ، فعادت إليه وأحرقته . وبقي ثلاثة أيام منتفخ الجسد ، ورأى بنفسه العجائب ، ثم مات . قال : ثم إن ذلك الأمير الجديد قال : لا أجسر أن أقيم بعد الحاج بمكة .

فأمروا غيره . وفيها كانت وقعة تل السلطان ، وحديث ذلك أن عسكر الموصل نكثوا وحنثوا ووافوا تل السلطان بنواحي حلب في جموع كثيرة ، وعلى الكل السلطان سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي ، فالتقاهم السلطان صلاح الدين في جمع قليل ، فهزمهم وأسر فيهم ، ونهب ، وحقن دماءهم . ثم أحضر الأمراء الذين أسرهم فأطلقهم ومنّ عليهم .

قال ابن الأثير : لم يقتل من الفريقين - على كثرتهم - إلا رجل واحد . ووقفت على جريدة العرض ، فكان عسكر سيف الدين غازي في هذه الوقعة يزيدون على ستة آلاف فارس ، والرجالة أقل من خمسمائة . قلت : ثم سار صلاح الدين إلى منبج فأخذها ، ثم سار إلى عزاز ، فنازل القلعة ثمانيةً وثلاثين يومًا ، ثم قفز عليه وهو محاصرها قوم من الفداوية ، وجرح في فخذه ، وأخذوا فقتلوا .

ثم افتتح عزاز . ومن كتاب فاضلي عن صلاح الدين إلى الخليفة يطالع بأن الحلبيين والموصليين لما وضعوا السلاح ، وخفضوا الجناح - اقتصرنا بعد أن كانت البلاد في أيدينا على استخدام عسكر الحلبيين في البيكارات إلى الكفر ، وعرضنا عليهم الأمانة فحملوها ، والأيمان فبذلوها . وسار رسولنا ، وحلف صاحب الموصل يمينًا جعل الله فيها حكمًا .

وعاد رسوله ليسمع منا اليمين ، فلما حضر وأحضر نسختها أومأ بيده ليخرجها ، فأخرج نسخة يمين كانت بين الموصليين والحلبيين على حربنا ، والتداعي إلى حربنا . وقد حلف بها كمشتكين الخادم بحلب ، وجماعة معه يمينًا نقضت الأولى ، فرددنا اليمين إلى يمين الرسول ، وقلنا : هذه يمين عن الأيمان خارجة ، وأردت عمرًا وأراد الله خارجة . وانصرف الرسول ، وعلمنا أن الناقد بصير ، والمواقف الشريفة مستخرجة الأوامر إلى الموصلي ؛ إما بكتاب مؤكد بأن لا ينقض العهد ، وإما الفسحة لنا في حربه .

وقال ابن أبي طيئ : لما ملك صلاح الدين منبج في شوال صعد الحصن ، وجلس يستعرض أموال ابن حسان وذخائره ، فكانت ثلاثمائة ألف دينار ، ومن أواني الذهب والفضة والذخائر والأسلحة ما يناهز ألفي ألف دينار ، فرأى على بعض الأكياس والآنية مكتوبًا يوسف ، فسأل عن هذا الاسم ، فقيل : له ولد يحبه اسمه يوسف ، كان يدخر هذه الأموال له . فقال السلطان : أنا يوسف ، وقد أخذت ما خبئ لي . ومن كتاب السلطان إلى أخيه العادل يقول : ولم ينلني من الحشيشي الملعون إلا خدش قطرت منه قطرات دم خفيفة ، انقطعت لوقتها ، واندملت لساعتها .

وأما صلاح الدين فسار من عزاز ، فنازل حلب في نصف ذي الحجة ، وقامت العامة في حفظها بكل ممكن ، وصابرها صلاح الدين شهرًا ، ثم ترددت الرسل في الصلح ، فترحل عنهم ، وأطلق لابنة نور الدين قلعة عزاز . قال ابن الأثير : وفي رمضان انكسفت الشمس ضحوة نهار ، وظهرت الكواكب ، حتى بقي الوقت كأنه ليل مظلم ، وكنت صبيًا حينئذٍ .

موقع حَـدِيث