حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة

سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة في أولها دخل بغداد تتامش الأمير الذي خرج مع قيماز ، ونزل تحت التاج ، وقبّل الأرض مرارًا ، فعفي عنه ، وأعطي إمرية . وحضر ابن الجوزي مرتين فوعظ ، وأمير المؤمنين يسمع ، واجتمع خلق لا يحصون . وجرت ببغداد همرجة ، وقبض على حاجب الحجاب وعلى جماعة .

قال ابن الجوزي : وجاءتني فتوى في عبد وأمة ، أعتقهما مولاهما ، وزوّج أحدهما بالآخر ، فبقيت معه عشرين سنة ، وجاءت منه بأربعة أولاد ، ثم بان الآن أنها أخته لأبويه ، وقد وقعا في البكاء والنحيب . فعجبت من وقوع هذا ، وأعلمتهما أنه لا إثم عليهما ، وبوجوب العدة ، وأنه يجوز له النظر إليها نظره إلى أخته ، إلا أن يخاف على نفسه . وفي ليلة رجب تكلمت تحت المنظرة الشريفة ، والخليفة حاضر ، ومن الغد حضرنا دعوة الخليفة التي يعملها كل رجب ، وحضر الدولة والعلماء والصوفية ، وختمت ختمة .

وخلع على جماعة كثيرة ، وانصرف من عادته الانصراف ، وبات الباقون على عادتهم لسماع الأبيات ، وفرق عليهم المال . وفيها عمل الخليفة مسجدًا عظيمًا ببغداد ، وجعل إمامه حنبليًا ، وزخرفه ، وتقدم إليّ فصليت فيه التراويح . وتكلمت في رمضان في دار صاحب المخزن وازدحموا ، وكان الخليفة حاضرًا .

وفي شوال هبت ريح عظيمة ببغداد ، فزلزلت الدنيا بتراب عظيم ، حتى خيف أن تكون القيامة . وجاء برد ودام ساعة ، ووقعت مواضع على أقوام ، ومات بعضهم . وتهيّأ الوزير ابن رئيس الرؤساء للحج ، فقيل : إنه اشترى ستمائة جمل ، منها مائة للمنقطعين .

ورحل في ثالث أو رابع ذي القعدة ، فلما وصل في الموكب إلى باب قطفتا قال رجل : يا مولانا ، أنا مظلوم . وتقرّب ، فزجره الغلمان ، فقال : دعوه . فتقدم إليه ، فضربه بسكين في خاصرته ، فصاح الوزير : قتلني .

ووقع وانكشف رأسه ، فغطى رأسه بكمه على الطريق ، وضرب ذلك الباطني بسيف . فعاد وضرب الوزير ، فهبروه بالسيوف . وقيل : كانوا اثنين ، وخرج منهم شاب بيده سكين فقتل ، ولم يعمل شيئًا ، وأحرق الثلاثة .

وحمل الوزير إلى دار ، وجرح الحاجب . وكان الوزير قد رأى أنه معانق عثمان رضي الله عنه ، وحكى عنه ابنه أنه اغتسل قبل خروجه ، وقال : هذا غسل الإسلام ؛ فإني مقتول بلا شك . ثم مات بعد الظهر ، ومات حاجبه بالليل .

وعمل عزاء الوزير ، فلم يحضره إلا عدد يسير ، فتعجب من هذه الحال ؛ فإنه قد يكون عزاء تاجر أحسن من ذلك . وكان انقطاع الدولة إرضاءً لصاحب المخزن . ولما كان في اليوم الثاني لم يقعد أولاده ، فلما علم السلطان بالحال أمر أرباب الدولة بالحضور فحضروا ، وتكلمت على كرسي .

ثم ولي ابن طلحة حجابة الباب ، وبعث صاحب المخزن بعلامة بعد ثلاث إلى الأمير تتامش فحضر ، فوكل به في حجرة من داره ، ونفذ إلى بيته ، فأخذت الخيل والكوسات ، وكل ما في الدار . واختلفت الأراجيف في نيته ، وقيل : إنه اتهم بالوزير ، وخيف أن تكون نيته رديئة للخليفة ، فقيل إنه كاتب أمراء خراسان ، وما صح ذلك . وناب صاحب المخزن في الوزارة .

وجاء أهل المدائن فشكوا من يهود المدائن ، وأنهم قالوا لهم : قد آذيتمونا بكثرة الأذان . فقال المؤذّن : لا نبالي تأذّيتم أم لا . فتناوشوا وجرت بينهم خصومة استظهر فيها اليهود ، فجاء المسلمون مستصرخين إلى صاحب المخزن ، فأمر بحبس بعضهم ، ثم أطلقهم .

فاستغاثوا يوم الجمعة بجامع الخليفة ، فخفف الخطيب . فلما فرغت الصلاة استغاثوا ، فخرج إليهم الجند فضربوهم ومنعوهم ، فانهزموا . وغضب العوام نصرة للإسلام ، فضجوا وشتموا ، وقلعوا طوابيق الجامع ، وضربوا بها الجند وبالآجر ، وخرجوا فنهبوا المخلّطين ؛ لأن أكثرهم يهود .

فوقف حاحب الباب بيده السيف مجذوبًا ، وحمل على الناس ثانيةً فرجموه ، وانقلب البلد ، ونهبوا الكنيسة ، وقلعوا شبابيكها ، وقطّعوا التوراة ، واختفى اليهود . فتقدّم الخليفة بإخراب كنيسة المدائن ، وأن تجعل مسجدًا . وبعد أيام أخرج لصوص قطعوا الطريق ، فصلبوا بالرحبة ، وكان منهم شاب هاشمي .

وفيها وقعة الرملة ، فسار السلطان صلاح الدين من القاهرة إلى عسقلان فسبى وغنم . وسار إلى الرملة ، فخرج عليه الفرنج مطلبين وعليهم البرنس أرناط صاحب الكرك ، وحملوا على المسلمين ، فانهزموا ، وثبت السلطان وابن أخيه المظفر تقي الدين عمر . ودخل الليل ، واحتوت الملاعين على أثقال المسلمين ، فلم يبق لهم قدرة على ماء ولا زاد ، وتعسفوا تلك الرمال راجعين إلى مصر ، وتمزقوا وهلكت خيلهم .

ومن خبر هذه الوقعة أن الفقيه عيسى أسر ، فافتداه السلطان بستين ألف دينار ، وكان موصوفًا بالشجاعة والفضيلة ، أسر هو وأخوه ظهير الدين ، وكانا قد ضلاّ عن الطريق بعد الوقعة . ووصل صلاح الدين إلى القاهرة في نصف جمادى الآخرة . قال ابن الأثير : رأيت كتابًا بخط يده كتبه إلى شمس الدولة تورانشاه ، وهو بدمشق ، يذكر الوقعة ، وفي أوله : ذكرتك والخطيّ يخطر بيننا وقد نهلت منا المثقّفة السمر ويقول فيه : لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة ، وما نجانا الله إلا لأمر يريده .

وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر . وقال غيره : انهزم السلطان والناس ، ولم يكن لهم بلد يلجؤون إليه إلا مصر ، فسلكوا البرية ، ورأوا مشاقًا ، وقل عليهم القوت والماء ، وهلكت خيلهم ، وفقد منهم خلق . ودخل السلطان القاهرة بعد ثلاثة عشر يومًا ، وتواصل العسكر ، وأسر الفرنج منهم .

واستشهد جماعة منهم : أحمد ولد تقي الدين عمر المذكور ، وكان شابًا حسنًا له عشرون سنة . وكان أشد الناس قتالًا يومئذ الفقيه عيسى الهكّاري . وحملت الفرنج على صلاح الدين ، وتكاثروا عليه ، فانهزم يسير قليلًا قليلًا .

وكانت نوبةً صعبة . وفيها نزلت الفرنج على حماة ، وهي لشهاب الدين محمود بن تكش خال السلطان ، وكان مريضا ، وكان الأمير سيف الدين المشطوب قريبا من حماة ، فدخلها وجمع الرجال . فزحفت الفرنج على البلد ، وقاتلهم المسلمون قتالا شديدا مدة أربعة أشهر ، ثم ترحلوا عنها .

وأما السلطان فإنه أقام بالرملة أياما بمن سلم معه ، ثم خرج من مصر . وعيّد بالبركة ، ثم كمل عدة جيشه ، فبلغه أمر حماة ، فأسرع إليها ، فلما دخل دمشق تحقق رحيل الفرنج عن حماة . وعصى الأمير شمس الدين محمد بن المقدم ببعلبك ، فكاتبه السلطان وترفق به ، فلم يجب ، ودام إلى سنة أربع .

وجاء كتاب ابن المشطوب أن الذي قتل من الفرنج على حماة أكثر من ألف نفس . ووردت مطالعة القاضي الفاضل إلى صلاح الدين تتضمن التوجع لقتل الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء ، وفيها : وما ربّك بظلاّم للعبيد فقد كان -عفا الله عنه- قتل ولدي الوزير ابن هبيرة ، وأزهق أنفسهما وجماعة لا تحصى . وهذا البيت ، بيت ابن المسلمة ، عريق في القتل .

وجدّه هو المقتول بيد البساسيري . ثم قال : وقد ختمت له السعادة بما حتمت له به الشهادة ، لاسيما وهو خارج من بيته إلى بيت الله ، ووقع أجره على الله : إنّ المساءة قد تسرّ وربما كان السرور بما كرهت جديرا إن الوزير وزير آل محمد أودى فمن يشناك كان وزيرا وهما في أبي سلمة الخلاّل وزير بني العباس قبل أن يستخلفوا .

موقع حَـدِيث