حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ثمانين وخمسمائة

سنة ثمانين وخمسمائة فيها جعل الخليفة الناصر مشهد موسى الكاظم أمنًا لمن لاذ به ، فالتجأ إليه خلق ، وحصل بذلك مفاسد . وفي صفر راهن رجل ببغداد على خمسة دنانير أن يندفن من غدوة إلى الظّهر ، فدفن وأهيل عليه التراب ، ثمّ كشف عنه وقت الظّهر ، فوجد ميتًا وقد عضض سواعده لهول ما رأى . وفيها كتب زين الدّين بن نجيّة الواعظ كتابًا إلى صلاح الدّين يشوّقه إلى مصر ويصف محاسنها ، ومواضع أنسها .

فكتب إليه السلطان بإنشاء العماد فيما أظنّ : ورد كتاب الفقيه زين الدّين : لا ريب أنّ الشام أفضل ، وأجر ساكنه أجزل ، وأنّ القلوب إليه أميل ، وأنّ زلاله البارد أغلى وأنهل ، وأنّ الهواء في صيفه وشتائه أعدل ، وأنّ الجمال فيه أجمل وأكمل ، وأنّ القلب به أروح ، وأنّ الروح به أقبل ؛ فدمشق عاشقها مستهام ، وما على محبّها ملام . وما في ربوتها ريبة ، ولكلّ نور فيها شبيبة ، وساجعاتها على منابر الورق خطباء تطرب ، وهزاراتها وبلابلها تعجم وتعرب ، وكم فيها من جوار ساقيات ، وسواق جاريات ، وأثمار بلا أثمان ، وفاكهة ورمّان ، وخيرات حسان . وكونه تعالى أقسم به فقال : والتين والزّيتون - يدلّ على فضله المكنون .

وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : الشام صفوة الله من بلاده ، يسوق إليها خيرته من عباده . وعامّة الصحابة اختاروا به المقام . وفتح دمشق بكر الإسلام .

وما ينكر أنّ الله تعالى ذكر مصر ، لكنّ ذلك خرج مخرج العيب له والذّمّ ؛ ألا ترى أنّ يوسف عليه السلام نقل منها إلى الشام ؟ ثم المقام بالشام أقرب إلى الرّباط ، وأوجب للنشاط . وأين قطوب المقطّم من سنا سنير ؟ وأين ذرى منف من ذروة الشرف المنير ؟ وأين لبانة لبنان من الهرمين ؟ وهل هما إلاّ مثل السّلعتين ؟ وهل للنّيل مع طول نيله وطول ذيله برد بردى في نفع العليل ؟ وما لذاك الكثير طلاوة هذا القليل . وإن فاخرنا بالجامع وفيه النّسر ، ظهر بذلك قصر القصر ، ولو كان لهم مثل باناس لما احتاجوا إلى قياس المقياس ، ونحن لا نجفو الوطن كما جفوته ، وحبّ الوطن من الإيمان .

ونحن لا ننكر فضل مصر ، وأنّه إقليم عظيم ، ولكن نقول كما قال المجلس الفاضليّ : إنّ دمشق تصلح أن تكون بستانًا لمصر . وفيها هجم السّلطان نابلس ، وكان وصل لنجدته عسكر ديار بكر وعسكر آمد والحصن والعادل من حلب ، وتقيّ الدين من حماة ، ومظفّر الدّين صاحب إربل . هكذا ذكر أبو المظفّر في مرآته .

قال : نازل الكرك ونصب عليها المجانيق ، فجاءتها نجدات الفرنج من كل فجّ ، وأجلبوا وطلبوا . واغتنم السلطان خلوّ السواحل منهم ، ورأى أنّ حصارهم يطول ، فسار ونزل الغور وهجم نابلس ، فقتل وسبى ، وطلع على عقبة فيق ، ودخل دمشق . وأما ابن الأثير فقال : نازل الكرك ، ونصب المنجنيقات على ربضه وملكه ، وبقي الحصن وهو والرّبض على سطح واحد ، إلاّ أنّ بينهما خندقًا عظيمًا ، عمقه نحو ستين ذراعًا .

فأمر السلطان بإلقاء الأحجار والتراب فيه ليطمّه ، فلم يقدروا على الدنوّ منه لكثرة النشّاب وأحجار المجانيق ، فأمر أن يلقى من الأخشاب واللّبن ما يمكن الرجال يمشون تحت السقائف ، فيلقون في الخندق ما يطمّه ، ومجانيق المسلمين مع ذلك ترمي الحصن ليلًا ونهارًا . فاجتمعت الفرنج عن آخرها ، وساروا عجلين ، فوصل صلاح الدّين إلى طريقهم يتلقّاهم ، فقرب منهم ، ولم يمكن الدنوّ منهم لخشونة الأرض وصعوبة المسلك . فأقام ينتظر خروجهم إليه ، فلم يبرحوا منه ، فتأخّر عنهم ، فساروا إلى الكرك .

فعلم صلاح الدّين أنّه لا يتمكّن منهم حينئذ ، ولا يبلغ غرضه ، فسار إلى نابلس ، ونهب كل ما على طريقه من قرى الفرنج ، وأحرق نابلس وأسر وسبى ، واستنقذ الأسرى . وبثّ السّرايا يمينًا وشمالًا . قال : وفي شعبان خرج ابن غانية الملثّم وهو علي بن إسحاق ، من كبار الملثّمين الذين كانوا ملوك المغرب ، وهو حينئذ صاحب ميورقة - إلى بجاية ، فملكها بقتال يسير .

وذلك إثر موت يوسف بن عبد المؤمن ، فقويت نفس ابن غانية وكثر جموعه ، ثم التقاه متولي بجاية ، وكان غائبًا عنها . وكسر علي متولي بجاية ، فانهزم إلى مرّاكش ، واستولى ابن غانية على أعمال بجاية سوى قسنطينية الهواء ، فحصرها إلى أن جاء جيش الموحدين في صفر سنة إحدى وثمانين في البر والبحر إلى بجاية ، فهرب منها أخوا ابن غانية فلحقا به . فترحّل عن قسنطينية ، وسار إلى إفريقية ، فحشد وجمع ، والتف عليه سليم ورياح والترك الذين كانوا قد دخلوا من مصر مع قراقوش وبوزبا .

وصاروا في جيش عظيم ، فتملّك بهم ابن غانية جميع بلاد إفريقية سوى تونس والمهديّة ، حفظتهما عساكر الموحدين على شدة وضيق نالهم . وانضاف إلى ابن غانية كل مفسد وكل حرامي ، وأهلكوا العباد والبلاد . ونزل على جزيرة باشو وهي بقرب تونس ، تشتمل على قرى كثيرة ، فطلب أهلها الأمان فأمنهم .

فلما دخل عسكره نهبوها وسلبوا الناس ، وامتدت أيديهم إلى الحريم والصبيان ، والله المستعان . وأقام ابن غانية بإفريقية الخطبة العباسية ، وأرسل إلى الناصر لدين الله يطلب منه تقليدًا بالسلطنة . ونازل قفصة في سنة اثنتين وثمانين ، فتسلمها من نوّاب ابن عبد المؤمن بالأمان وحصنها .

فجهّز يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن جيوشه . وسار في سنة ثلاث لحربه ، فوصل إلى تونس ، وبعث ابن أخيه في ستة آلاف فارس ، فالتقوا ، فانهزم الموحدون ؛ لأنهم كان معهم جماعة من الترك ، فخامروا عليهم حال المصاف ، وقتل جماعة من كبار الموحدين . وكانت الوقعة في ربيع الأول سنة ثلاث .

فسار يعقوب بنفسه ، فالتقوا في رجب بالقرب من مدينة قابس فانهزم ابن غانية ، واستحر القتل بأصحابه فتمزّقوا ، ورجع يعقوب إلى قابس فافتتحها ، وأخذ منها أهل قراقوش ، فبعثهم إلى مراكش . ونازل قفصة فحاصرها ثلاثة أشهر وبها الترك ، فتسلّموها بالأمان . وبعث بالأتراك ففرقهم في الثغور لما رأى من شجاعتهم .

وقتل طائفةً من الملثمين ، وهدم أسوار قفصة ، وقطع أشجارها . واستقامت له إفريقية بعدما كادت تخرج عن بيت عبد المؤمن . وامتدت أيام ابن غانية إلى حدود عام ثلاثين وستمائة .

وفي جمادى الأولى جمع السلطان الجيوش ، وسار إلى الكرك فنازلها ، ونزل بواديها ، ونصب عليها تسعة مجانيق قدّام الباب ، فهدّمت السور ، ولم يبق مانع إلاّ الخندق العميق ، فلم تكن حيلة إلاّ ردمه ، فضرب اللّبن ، وجمعت الأخشاب ، وعملوا مثل درب مسقوف يمرّون فيها ، ويرمون التراب في الخندق ، إلى أن امتلأ ، بحيث إنّ أسيرًا رمى بنفسه من السور إليه ونجا . وكاتبت الفرنج من الكرك سائر ملوكهم وفرسانهم يستمدّون بهم ، فأقبلوا من كلّ فجّ في حدّهم وحديدهم ، فنزلوا بمضايق الوادي ، فرحل السلطان ، ونزل على البلقاء ، وأقام ينتظر اللقاء . فما تغيّروا ، فتقهقر عن حسبان فراسخ ، فوصلوا إلى الكرك ، فقصد السلطان الساحل لخلوّه ، ونهب كلّ ما في طريقه ، وأسر وسبى ، فأكثر وبدّع بسبسطيَة وجينين ، ثم قدم دمشق .

ومن كتاب عماديّ في حصار الكرك يقول : لولا الخندق الذي هو وادٍ لسهل المشرع ، فعملنا دبّابات قدّمناها ، وبنينا إلى شفيره ثلاثة أسراب باللّبن وسقفناها ، وشرعنا في الطمّ ، وتسارع الناس ، ولم يبق إلاّ من يستبشر بالعمل ، وتجاسروا حتى ازدحموا نهارًا ، كازدحامهم يوم العيد وليلًا كاجتماعهم في جامع دمشق ليلة النصف السعيد ، وهم من الجراح سالمون ، وبنصر الله موقنون . وإن أبطأ العدوّ عن النجدة فالنصر قريب سريع ، والحصن بمن فيه صريع ، قد خرقت الحجارة حجابه ، وقطعت بهم أسبابه ، وناولته من الأجل كتابه ، وحسرت لثام سوره وحلت نقابه ، فأنوف الأبراج مجدوعة ، وثنايا الشرفات مقلوعة ورؤوس الأبدان محزوزة ، وحروف العوامل مهموزة ، وبطون السقوف مبقورة ، وأعضاء الأساقف معقورة ، ووجوه الجدر مسلوخة ، وجلود البواشير مبشورة ، والنّصر أشهر من نار على علم ، والحرب أقوم من ساق على قدم . وقدم السلطان وبدمشق الرسولان شيخ الشيوخ صدر الدّين والطواشي بشير ، فمرضا ، ومات جماعة من أصحابهما .

وكان الشيخ نازلًا بالمنيبع ، فكان السلطان يعوده في كلّ يوم . وكان قدومهما في الصلح بين السلطان وبين عزّ الدّين صاحب الموصل ، فلم ينبرم أمر . فطلبا العود إلى بغداد ، وعادا ، فمات بشير بالسّخنة ، وشيخ الشيوخ بالرحبة .

وأذن السلطان للجيوش بالرجوع إلى أوطانهم ، وخلع على نور الدّين بن قرا رسلان صاحب حصن كيفا الخلعة التي جاءته هذه المرّة من الخليفة بعد أن لبسها السلطان . ثم كتب لزين الدّين يوسف ابن زين الدّين عليّ صاحب إربل منشورًا بإربل وأعمالها لمّا اعتزى إليه ، وفارق صاحب الموصل . ثم وصلت رسل زين الدّين يوسف إلى السلطان بأنّ عسكر الموصل وعسكر قزل صاحب العجم نازلوا إربل مع مجاهد الدّين قيماز .

وأنّهم نهبوا وأحرقوا ، وأنّه نصر عليهم وكسرهم ، فكان هذا ممّا حرّك عزم السلطان على قصد الموصل هذه المرّة . فسار السلطان على طريق البقاع وبعلبك ، ثمّ حمص وحماة ، فأقام بحماة إلى انسلاخ السّنة . وفيها مات صاحب ماردين قطب الدّين إيلغازي ابن نجم الدّين الأرّتقيّ .

موقع حَـدِيث