عليّ بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين
عليّ بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين ، الحافظ الكبير أبو القاسم ثقة الدّين ابن عساكر الدمشقيّ ، الشّافعيّ ، صاحب تاريخ دمشق ، أحد أعلام الحديث . ولد في مستهلّ سنة تسع وتسعين وأربعمائة . وسمّعه أخوه الصّائن هبة الله سنة خمس وخمسمائة وبعدها من الشريف أبي القاسم النّسيب ، وأبي القاسم قوام بن زيد ، وأبي الوحش سبيع بن قيراط ، وأبي طاهر محمد بن الحسين الحنّائيّ ، وأبي الحسن ابن الموازينيّ ، وأبي الفضائل الماسح ، ومحمد بن علي المصّيصيّ .
ثم سمع بنفسه من أبي محمد ابن الأكفاني ، وأبي الحسن بن قبيس المالكي ، وعبد الكريم بن حمزة ، وطاهر بن سهل ، ومن بعدهم . ورحل إلى بغداد سنة عشرين ، فأقام بها خمس سنين . وحجّ في سنة إحدى وعشرين ، فسمع بمكّة من عبد الله بن محمد بن الغزال المصريّ صاحب كريمة المروزيّة .
وسمع ببغداد من أبي القاسم بن الحصين ، وأبي الحسن الدّينوريّ ، وأبي العزّ بن كادش ، وقراتكين بن أسعد ، وأبي غالب ابن البنّاء ، والبارع أبي عبد الله الدبّاس ، وهبة الله الشّروطيّ ، وخلق كثير . وعلّق مسائل الخلاف على أبي سعد إسماعيل بن أبي صالح المؤذّن . ولازم الدّرس والتفقّه بالنظاميّة ، ورجع بعلم جمّ وسماعات كثيرة .
وسمع بالكوفة من عمر بن إبراهيم العلويّ . ثم رحل سنة تسع وعشرين على أذربيجان إلى خراسان ، وجال في بلادها ، ودخل إلى أصبهان ، وبقي في هذه الرحلة نحو أربع سنين ، فسمع أبا عبد الله محمد بن الفضل الفراويّ ، وعبد المنعم ابن القشيريّ ، وهبة الله السيّديّ ، وتميم بن أبي سعيد الجرجانيّ الهرويّ ، ويوسف بن أيوب الزّاهد ، وزاهر بن طاهر الشّحّاميّ ، والحسين بن عبد الملك الأديب ، وسعيد بن أبي الرّجاء ، وغانم بن خالد ، وإسماعيل بن محمد الحافظ ، والموجودين في هذا العصر . وخرّج أربعين حديثًا في أربعين بلدًا كالسلفيّ .
وعدّة شيوخه ألف وثلاثمائة شيخ وثمانون امرأة ونيّف . وحدّث بخراسان ، وأصبهان ، وبغداد . وسمع منه الكبار كالحافظ أبي العلاء الهمذانيّ ، والحافظ أبي سعد السّمعانيّ .
وصنّف التصانيف المفيدة ، ولم يكن في زمانه أحفظ ولا أعرف بالرجال منه . ومن تصفّح تاريخه علم قدر الرجل . وأجاز له من الكبار : أبو الحسن ابن العلاّف ، وأبو القاسم بن بيان ، وأبو علي بن نبهان ، وأبو الفتح أحمد بن محمد الحدّاد ، وغانم البرجيّ ، وأبو بكر بن عبد الغفّار الشيروييّ ، وأبو علي الحداد ، وأبو صادق مرشد بن يحيى ، وأبو عبد الله الرّازيّ ، وطائفة .
روى عنه ابنه القاسم ، وبنو أخيه فخر الدّين أبو منصور ، وتاج الأمناء ، وزين الأمناء ، وعبد الرحيم ، وعزّ الدين النسّابة محمد ابن تاج الأمناء ، والحافظ أبو المواهب بن صصرى ، وأخوه أبو القاسم الحسين ، والقاضي أبو القاسم ابن الحرستانيّ ، وأبو جعفر القرطبيّ ، والحافظ عبد القادر ، وأبو الوحش عبد الرحمن بن نسيم ، والحسن بن عليّ الصّيقليّ ، وصالح بن فلاح الزّاهد ، وظهير الدين عبد الواحد بن عبد الرحمن بن سلطان القرشيّ ، وأبو العزّ مظفّر بن عقيل الشّيبانيّ الصفار والد النجيب . والصائن نصر الله بن عبد الكريم بن الحرستانيّ ، والبدر يونس بن محمد الفارقيّ الخطيب ، والقاضي أبو نصر بن الشيرازي ، ومحمد ابن أخي الشيخ أبي البيان ، وعبد القادر بن الحسين البغدادي ، ونصر الله بن فتيان ، وإبراهيم وعبد العزيز ابنا الخشوعي . ويونس بن منصور السقباني ، وإدريس بن الخضر السقباني ، ومحمد بن رومي السقباني ، وحاطب بن عبد الكريم المزّي ، وذاكر بن عبد الوهاب السقباني ، وذاكر الله بن أبي بكر الشعيري ، ومحمد بن غسان ، ومحمد بن عبد الكريم بن الهادي ، والمسلم بن أحمد المازني ، وعبد العزيز بن محمد ابن الدجاجية ، وعبد الرحمن بن عبد المؤمن زريق العطار ، وشعبان بن إبراهيم ، ومحمد بن أحمد بن زهير ، ومحمود بن خضير الدارانيون .
وعبد الرحمن بن راشد البيت سوائي ، ونجم الأمناء عبد الرحمن بن علي الأزدي ، وعمر بن عبد الوهاب ابن البراذعي ، وعتيق السلماني ، وبهاء الدين علي ابن الجمّيزي ، وعبد المنعم بن محمد بن محمد بن أبي المضاء نزيل حماة ، ومات في آخر سنة أربع وأربعين ، والرشيد أحمد بن مسلمة ، وعبد الواحد بن هلال ، وخلق آخرهم وفاةً أبو محمد مكي بن المسلم بن علان . وقد روى عنه الكثير أبو سعد السمعاني ، ومات قبل ابن علان بتسعين سنة . فمن تصانيفه : التاريخ ثمانمائة جزء ، والموافقات اثنان وسبعون جزءا ، و الأطراف التي للسنن ثمانية وأربعون جزءًا ، و عوالي مالك أحد وثلاثون جزءًا ، و التالي لحديث مالك العالي تسعة عشر جزءا ، وغرائب مالك عشرة أجزاء ، و معجم القرى والأمصار جزء ، و معجم شيوخه اثنا عشر جزءًا ، و مناقب الشبان خمسة عشر جزءًا ، وفضل أصحاب الحديث أحد عشر جزءًا .
و السباعيات سبعة أجزاء ، وكتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري مجلّد ، و المسلسلات له مجلّد ، وكتاب فضل الجمعة مجلّد ، و الأربعون الطوال ثلاثة أجزاء ، و عوالي شعبة مجلّد ، و كتاب الزّهادة في ترك الشهادة مجلّد ، و عوالي الثوريّ مجيليد ، و الأربعون الجهاديّة ، و الأربعون البلديّة ، و الأربعون الأبدال . و مسند أهل داريّا مجلّد ، ومن وافقت كنيته كنية زوجته مجلد صغير ، و شيوخ النبل مجلد لطيف ، و حديث أهل صنعاء الشام مجلد صغير ، وحديث أهل قرية البلاط مجلد صغير ، و فضائل عاشوراء ثلاثة أجزاء ، و كتاب الزلازل ثلاثة أجزاء ، و ثواب المصاب بالولد جزآن ، و طرق قبض العلم جزء ، و كتاب فضل مكّة ، و كتاب فضل المدينة ، و كتاب فضل القدس ، وجزء فضائل عسقلان ، وجزء فيمن نزل المزّة . وجزء في فضائل الرّبوة والنيرب ، وجزء في مقام إبراهيم وبرزة ، وجزء في أهل قرية الحِميريين ، و جزء أهل كفرسوسية ، و جزء أهل كفربطنا ، و جزء بيت قوفا ، و بيت رانس ، و جزء سعد بن عبادة ، و المنيحة ، و جزء أهل حرستا ، و جزء أهل زملكا ، و جزء بيت لِهيا ، و جزء جوبر ، و جزء أهل حردان ، و جزء أهل جدَيا ، و جزء أهل برزة ، و جزء أهل منين ، و جزء أهل بيت سوا ، و جزء أهل بعلبك ، وجزء المبسوط لمنكر حديث الهبوط ، و الجواهر واللآلئ ثلاثة أجزاء ، وغير ذلك .
وأملى أربعمائة مجلس وثمانية مجالس في فنون شتّى ، وخرّج لشيخه أبي غالب ابن البنّاء مشيخة ، ولشيخه جمال الإسلام مشيخة ، وأربعين حديثًا مصافحات لرفيقه أبي سعد السّمعانيّ ، وأربعين حديثًا مساواة لشيخه الفراويّ . وخرّج في آخر عمره لنفسه كتاب الأبدال ولم يتمّه ، ولو تمّ لجاء في نحو مائتي جزء . ذكره ابن السمعاني في تاريخه فقال : كثير العلم ، غزير الفضل ، حافظ ، ثقة ، متقن ، ديّن ، خيّر حسن السّمت ، جمع بين معرفة المتون والأسانيد ، صحيح القراءة ، متثبّت ، محتاط .
رحل وتعب ، وبالغ في الطلب إلى أن جمع ما لم يجمع غيره ، وأربى على أقرانه . ودخل نيسابور قبلي بشهر أو نحوه في سنة تسع وعشرين ، فسمع بقراءتي وسمعت بقراءته مدّة مقامنا بها ، إلى أن اتّفق خروجه إلى هراة وخروجي إلى أصبهان . واجتمعت به ببغداد بعد رجوعه في سنة ثلاث وثلاثين .
وسمعت منه كتاب المجالسة بدمشق ، و معجم شيوخه . وكان قد شرع في التاريخ الكبير لمدينة دمشق ، وصنّف التصانيف ، وخرّج التخاريج . وقرأت بخط ابن الحاجب قال : حدّثني زين الأمناء قال : حدّثني ابن القزوينيّ عن والده مدرّس النّظاميّة ، يعني أبا الخير ، قال : حكى لنا أبو عبد الله الفراويّ قال : قدم أبو القاسم ابن عساكر فقرأ عليّ ثلاثة أيام ، فأكثر وأضجرني ، وآليت على نفسي أن أغلق الغد بابي وأمتنع .
فلما أصبحت قدم عليّ شخص فقال : أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلّم إليك . قلت : مرحبًا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلّم . فقال : رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في النوم ، فقال لي : امض إلى الفراويّ وقل له : قدم بلدكم رجل من الشام أسمر اللون يطلب حديثي ، فلا يأخذك منه ضجر ولا ملل .
قال القزوينيّ : فوالله ما كان الفراويّ يقوم من المجلس حتّى يقوم الحافظ ابتداء منه . وقال ابنه القاسم أبو محمد الحافظ : كان رحمه الله مواظبًا على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن ، يختم في كلّ جمعة ، ويختم في رمضان كل يوم ، ويعتكف في المنارة الشرقية . وكان كثير النوافل والأذكار .
وكان يحيي ليلة النصف والعيدين بالصلاة والذكر ، وكان يحاسب نفسه على لحظة تذهب في غير طاعة . وقال لي : لمّا حملت بي أمّي رأت في منامها قائلا يقول لها : تلدين غلامًا يكون له شأن . وحدّثني أنّ أباه رأى رؤيا معناها : يولد لك ولد يحيي الله به السنّة .
حدّثني أبي رحمه الله قال : كنت يوما أقرأ على أبي الفتح المختار بن عبد الحميد وهو يتحدّث مع الجماعة ، فقال : قدم علينا أبو عليّ ابن الوزير ، فقلنا : ما رأينا مثله . ثم قدم علينا أبو سعد ابن السمعاني ، فقلنا : ما رأينا مثله ، حتّى قدم علينا هذا ، فلم نر مثله . وحكى لي أبو الحسن عليّ بن إبراهيم الأنصاريّ الحنبليّ عن أبي الحسن سعد الخير قال : ما رأينا في سنّ الحافظ أبي القاسم مثله .
وحدّثنا محمد بن عبد الرحمن المسعوديّ قال : سمعت أبا العلاء الهمذانيّ يقول لرجل ، وقد استأذنه أن يرحل ، فقال : إن عرفت أستاذًا أعرف منّي أو في الفضل مثلي فحينئذ آذن لك أن تسافر إليه ، إلاّ أن تسافر إلى الحافظ ابن عساكر ؛ فإنّه حافظ كما يجب . فقلت : من هذا ؟ فقال : حافظ الشام أبو القاسم يسكن دمشق . وأثنى عليه .
وكان يجري ذكره عند خطيب الموصل أبي الفضل ، فيقول : ما نعلم من يستحقّ هذا اللقب اليوم ، أعني الحافظ ، ويكون به حقيقًا سواه . كذا حدّثني أبو المواهب بن صصرى ، وقال : لمّا دخلت همذان أثنى عليه الحافظ أبو العلاء ، وقال لي : أنا أعلم أنّه لا يساجل الحافظ أبا القاسم في شأنه أحد ، فلو خالق الناس ومازجهم كما أصنع إذًا لاجتمع عليه الموافق والمخالف . وقال لي يوماً : أيّ شيء فتح له ، وكيف ترى الناس له ؟ قلت : هو بعيد من هذا كلّه ، لم يشتغل منذ أربعين سنة إلاّ بالجمع والتصنيف والتّسميع حتى في نزهه وخلواته .
فقال : الحمد لله ، هذا ثمرة العلم ، ألا إنّا قد حصل لنا هذا المسجد والدار والكتب ، هذا يدلّ على قلّة حظوظ أهل العلم في بلادكم . ثم قال لي : ما كان يسمّى أبو القاسم ببغداد إلاّ شعلة نار من توقّده وذكائه وحسن إدراكه . وقال أبو المواهب : أمّا أنا فكنت أذاكره في خلواته عن الحفّاظ الذين لقيهم ، فقال : أمّا ببغداد فأبو عامر العبدريّ ، وأمّا بأصبهان فأبو نصر اليونارتيّ ، لكن إسماعيل الحافظ كان أشهر منه .
فقلت له : فعلى هذا ما رأى سيّدنا مثله ؟ فقال : لا تقل هذا ، قال الله تعالى : فلا تزكّوا أنفسكم . قلت : وقد قال تعالى : ﴿وأمّا بنعمة ربّك فحدّث ﴾. فقال : نعم ، لو قال قائل : إنّ عيني لم تر مثلي - لصدق .
قال أبو المواهب : وأنا أقول : لم أر مثله ، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدّة أربعين سنة ، من لزوم الصلوات في الصف الأوّل إلاّ من عذر ، والاعتكاف في رمضان وعشر ذي الحجّة ، وعدم التطلّع إلى تحصيل الأملاك وبناء الدّور . وقد أسقط ذلك عن نفسه ، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة والخطابة ، وأباها بعد أن عرضت عليه . وقلّة التفاته إلى الأمراء ، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، لا تأخذه في الله لومة لائم .
قال لي : لمّا عزمت على التّحديث ، والله المطّلع أنّه ما حملني على ذلك حبّ الرياسة والتقدّم ، بل قلت : متى أروي كلّ ما سمعت ؟ وأيّ فائدة في كوني أخلّفه بعدي صحائف ؟ فاستخرت الله تعالى ، واستأذنت أعيان شيوخي ورؤساء البلد ، وطفت عليهم ، فكلٌّ قال : ومن أحق بهذا منك ؟ فشرعت في ذلك في سنة ثلاث وثلاثين . وقال عمر بن الحاجب الحافظ : حكى لي زين الأمناء أنّ الحافظ لمّا عزم على الرحلة اشترى جملًا ، وتركه بالخان . فلما رحل القفل تجهّز ، وخرج فوجد الجمال قد مات .
فقال له الجماعة الذين خرجوا لوداعه : ارجع ؛ فما هذا فأل مبارك ! وفنّدوا عزمه ، فقال : والله ، لو مشيت راجلًا لا أثنيت عزمي ، وحمل خرجه لما شرع ، وتبع الركب ، واكترى منهم في القصير . وكانت طريقه مباركة . وقال أبو محمد القاسم : قال لي والدي : لمّا قدمت في سفري : قال لي جدّي القاضي أبو المفضّل يحيى بن علي : اجلس إلى سارية من هذه السواري حتّى نجلس إليك .
فلمّا عزمت على الجلوس اتّفق أنّه مرض ولم يقدر له بعد ذلك خروج إلى المسجد . وكان أبي رحمه الله قد سمع أشياء لم يحصّل منها نسخًا اعتمادًا على نسخ رفيقه الحافظ أبي عليّ ابن الوزير ، وكان ما حصّله ابن الوزير لا يحصّله أبي وما حصله أبي لا يحصله ابن الوزير . فسمعته يقول : رحلت ، وما كأني رحلت .
كنت أحسب أن ابن الوزير يقدم بالكتب مثل الصحيحين ، وكتب البيهقي والأجزاء ، فاتفق سكناه بمرو ، وكنت أؤمل وصول رفيق آخر يوسف بن فارو الجياني ، ووصول رفيقنا المرادي ، وما أرى أحدًا منهم قدم . فلا بد من الرحلة ثالثًا وتحصيل الكتب والمهمات . فلم يمض إلا أيام يسيرة حتى قدم أبو الحسن المرادي ، فأنزله أبي عندنا ، فقدم بأربعة أسفاط كتب مسموعة ، ففرح أبي بذلك ، وكفاه الله مؤونة السفر .
وأقبل على النسخ والاستنساخ ، وقابل ، وبقي من مسموعاته نحو ثلاثمائة جزء ، فأعانه عليها ابن السمعاني ، ونقل إليه منها جملةً حتى لم يبق عليه أكثر من عشرين جزءًا . وكان كلما حصل له جزء منها كأنه قد حصل على ملك الدنيا . قلت : وله شعر جيد يملي منه عقيب مجالسه ، فمنه : أيا نفس ويحك جاء المشيب فماذا التصابي وماذا الغزل تولّى شبابي كأنْ لم يكن وجاء مشيبي كأنْ لم يزل فيا ليت شعري ممن أكون وما قدّر الله لي في الأزل .
سمعت أبا الحسين اليونيني يقول : سمعت أبا محمد المنذري الحافظ يقول : سألت شيخنا أبا الحسن علي بن المفضّل الحافظ عن أربعة تعاصروا أيهم أحفظ ؟ فقال : من ؟ قلت : الحافظ ابن ناصر ، وابن عساكر . فقال : ابن عساكر . فقلت : الحافظ أبو موسى المديني ، وابن عساكر .
قال : ابن عساكر . فقلت : الحافظ أبو الطاهر السلفي ، وابن عساكر . فقال : السّلفي شيخنا ، السّلفي شيخنا ! قلت : يعني أنه ما أحب أن يصرح بأن ابن عساكر أفضل من السلفي ، ولوّح بأنه شيخه ، ويكفي هذا في الإشارة .
قلت : والرجل ورع ثبت . وما أطلق أنه ما رأى مثل نفسه في جواب الحافظ أبي المواهب إلا وهو بار صادق . وكذلك رأيت شيخنا أبا الحجاج المزّي يميل إلى هذا .
وأنا جازم بذلك أنه ما رأى مثل نفسه . هو أحفظ من جميع الحفّاظ الذين رآهم من شيوخه وأقرانه . وقال الحافظ أبو محمد عبد القادر الرّهاوي : رأيت الحافظ السلفي ، والحافظ أبا العلاء ، والحافظ أبا موسى ، ما رأيت فيهم مثل ابن عساكر .
قرأت بخط عمر بن الحاجب : قال : حكى لي من أثق به أن الحافظ عبد الغني قال : الحافظ ابن عساكر برجال الشام أعرف من البخاري لهم ، وندم على ترك السماع منه ندامةً كليّة . وذكره ابن النجار في تاريخه ، فقال : إمام المحدّثين في وقته ، ومن انتهت إليه الرياسة في الحفظ الإتقان والمعرفة التامة والثقة ، وبه ختم هذا الشأن . روى عنه جماعة وهو في الحياة ، وحدّثوا عنه بالإجازة في حياته .
قال : وقرأت بخط الحافظ معمر بن الفاخر في معجمه : أخبرني أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي الحافظ من لفظه بمنى إملاء يوم النفر الأول ، وكان أحفظ من رأيت من طلبة الحديث والشبان ، وكان شيخنا الإمام إسماعيل بن محمد يفضله على جميع من لقيناهم من أهل أصبهان وغيرها . قدم أصبهان ، وسمع ونزل في داري ، وما رأيت شابًا أورع ولا أتقن ولا أحفظ منه . وكان مع ذلك فقيهًا أديبًا سنّيًا ، جزاه الله خيرًا ، وكثّر في الإسلام مثله .
أفادني في الرحلة الأولى والثانية ببغداد كثيرًا ، وسألته عن تأخره في الرحلة الأولى عن المجيء إلى أصبهان ، فقال : لم تأذن لي أمي . قلت : وهو مع جلالته وحفظه يروي الأحاديث الواهية والموضوعة ولا يبينها ، وكذا كان عامة الحفاظ الذين بعد القرون الثلاثة ، إلاّ من شاء ربك فليسألنّهم الله تعالى عن ذلك . وأي فائدة بمعرفة الرجال ومصنفات التاريخ والجرح والتعديل إلاّ كشف الحديث المكذوب وهتكه ؟ قال ابنه أبو محمد : توفي أبي في حادي عشر رجب ، وحضر الصلاة عليه السلطان صلاح الدين ، وصلّيت عليه في الجامع ، والشيخ قطب الدين في الميدان الذي يقابل المصلى .
ورأى له جماعة من الصالحين منامات حسنة ، ورثي بقصائد ، ودفن بمقبرة باب الصغير . قلت : قبره مشهور يزار ، رحمه الله .