247- إسماعيل ، الملك الصالح نور الدين ، أبو الفتح ابن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي التركي . ختنه أبوه في سنة تسع وستين ، وسرّ به ، وزيّنوا دمشق ، وكان وقتًا مشهودًا وهو يوم عيد الفطر . وزيّنت دمشق أيامًا وضربت خيمة بالميدان ، وصلّى هناك بالناس شمس الدين قاضي العسكر ، وخطب ، ثم مدّ السماط العام ، وأنهب على عادة الترك . وعاد نور الدين إلى القلعة فمد سماطه الخاص ، ولعب من الغد بالكرة ، فاعترضه برتقش أمير آخر وقال له : باش . فاغتاظ بخلاف عادته ، وزبر برتقش ، ثم ساق ودخل القلعة ، فما خرج منها إلاّ ميّتًا . وتوفي نور الدين بعد الختان بأيام ، فحلّف أمراء دمشق لابنه أن يكون في السلطنة بعده ، وهو يومئذ صبي ، ووقعت البطاقة إلى حلب بموت نور الدين ، ومتولّيها شاذبخت الخادم ، فأمر بضرب البشائر ، وأحضر الأمراء والعلماء وقال : هذا كتاب من السلطان بأنه ختن ولده وولاّه العهد بعده . ومشى بين يديه فسروا بذلك ثم قال تحلفون له كما أمر بأن حلب له ؟ فحلفوا كلهم في الحال . ثم قام إلى مجلس فلبس الحداد ، وخرج إليهم وقال : يحسن الله عزاكم في الملك العادل وبكى . وأما صلاح الدين فسار إلى الشام ليكون هو المدبّر لدولة هذا الصبي ، ويستولي على الأمور . ووقعت الفتنة بحلب بين السنّة والرافضة . ونهبت الشيعة دار قطب الدين ابن العجمي ، ودار بهاء الدين ابن أمين الملك . ونزل جماعة من القلعة وأمرهم الأمير شمس الدين علي بن محمد ابن الداية والي القلعة أن يزحفوا إلى دار أبي الفضل ابن الخشّاب رئيس الشيعة ، فزحفوا إليها ونهبوها ، واختفى ابن الخشّاب . ثم وصل الصالح إسماعيل إلى حلب في ثاني المحرّم من سنة سبعين ، ومعه سابق الدين عثمان ابن الدايّة ، فقبض عليه ، وصعد القلعة ، وظهر ابن الخشّاب ، وركب في جمع عظيم إلى القلعة ، فصعد إليها ، والشيعة تحت القلعة وقوف . فقتل بها ابن الخشّاب وتفرّق ذلك الجمع . وسجن شمس الدين علي ابن الدايّة وأخواه : سابق الدين عثمان ، وبدر الدين حسن . ودخل السلطان صلاح الدين دمشق في سلخ ربيع الآخر ، ثم سار إلى حمص فملكها . ثم نازل حلب في سلخ جمادى الأولى ، فنزل الملك الصالح إلى البلد ، واستنجد بأهل البلد ، وذكّرهم حقوق والده ، فوعدوه بالنصر ، وجاءته النجدة من ابن عمه صاحب الموصل مع عز الدين مسعود بن مودود . فردّ السلطان صلاح الدين إلى حماة ، وتبعه عز الدين مسعود ، فالتقوا عند قرون حماة في رمضان . فانكسر عز الدين وانهزم ، وردّ صلاح الدين فنازل حلب ، فصالحوه وأعطوه المعرّة ، وكفرطاب ، وبارين . ثم جاء صاحب الموصل سيف الدين غازي في جيش كثيف ، وجاء صلاح الدين بعساكره ، فالتقوا في شوال سنة إحدى وسبعين ، فانكسر صاحب الموصل على تل السلطان ، وسار صلاح الدين ، فأخذ منبج ، ثم نازل عزاز ففتحها ، ثم نازل حلب في ذي القعدة ، وأقام عليها مدةً . وبذل أهلها المجهود في القتال ، بحيث إنهم كانوا يحملون ويصلون إلى مخيم صلاح الدين ، وأنه قبض على جماعة منهم ، فكان يشرّح أسافل أقدامهم ، ولا يمنعهم ذلك عن القتال ، فلما ملّ صالحهم وسار عنها . وخرجت إليه أخت الملك الصالح ، وكانت طفلة ، فأطلق لها عزاز لما طلبتها منه . وكان تدبير أمر حلب إلى والدة الصالح ، وإلى شاذبخت ، وخالد ابن القيسراني . ثم إن الصالح مرض بالقولنج جمعتين ، ومات في رجب من سنة سبع ، وتأسفوا عليه ، وأقاموا عليه المآتم ، وفرشوا الرماد في الأسواق ، وبالغوا في النوح عليه . وكان أمرًا منكرًا . وكان ديّنًا ، عفيفًا ، ورعًا ، عادلًا ، محبّبًا إلى العامة ، متّبعًا للسنّة ، رحمه الله ، ولم يبلغ عشرين سنة . وذكر العفيف بن سكّرة اليهودي ، لا رحمه الله ، وكان يطبّبه ، قال : قلت له : يا مولانا ، والله شفاؤك في قدح خمر ، وأنا أحمله إليك سرًا ، ولا تعلم والدتك ، ولا اللالا ، ولا أحد . فقال : كنت أظنك عاقلًا ، نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرّم عليها . وتقول لي أنت هذا . وما يؤمنني أن أشربه وأموت وهو في جوفي ؟! . وقيل : توفي وله قريب من ثماني عشر سنة . فتملّك حلب بعده عزّ الدين مسعود ابن عمّه مودود .
المصدر: تاريخ الإسلام
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/663635
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة