361 - يوسف بن عبد المؤمن بن علي ، السلطان أبو يعقوب صاحب المغرب . لمّا مات عبد المؤمن في سنة ثمان وخمسين كان قد جعل الأمر بعده لابنه الأكبر محمد ، وكان لا يصلح للملك لإدمانه الخمور وكثرة طيشه ، وقيل : كان به أيضًا جذام . فاضطرب أمره ، وخلعه الموحّدون بعد شهر ونصف . ودار الأمر بين أخويه يوسف وعمر ، فامتنع عمر وبايع أخاه مختارًا ، وسلّم إليه الأمر ، فبايعه الناس ، واتّفقت عليه الكلمة بسعي أخيه عمر ، وأمّهما هي زينب بنت موسى الضرير . وكان أبو يعقوب أبيض بحمرة ، أسود الشعر ، مستدير الوجه ، أفوَه ، أعيَن ، إلى الطّول ما هو ، حلو الكلام ، في صوته جهارة ، وفي عبارته فصاحة . حلو المفاكهة ، له معرفة تامّة باللغة والأخبار . قد صرف عنايته إلى ذلك لمّا ولي لأبيه إشبيلية ، وأخذ عن علمائها ، وبرع في أشياء من القرآن والحديث والأدب . قال عبد الواحد بن علي التّميميّ في كتاب المعجِب : صحّ عندي أنّه كان يحفظ أحد الصحيحين ، غالب ظنّي أنّه البخاري . وكان سديد الملوكيّة ، بعيد الهمّة ، سخيًّا ، جوادًا ، استغنى الناس في أيّامه ، وتموّلوا . قال : ثم إنّه نظر في الفلسفة والطب ، وحفظ أكثر الكتاب الملكيّ . وأمر بجمع كتب الفلاسفة ، فأكثر منها وتطلّبها من الأقطار . وكان ممّن صحبه أبو بكر محمد بن طُفيل الفيلسوف ، وكان بارعًا في علم الأوائل ، أديبًا ، شاعرًا ، بليغًا ، فكان أبو يعقوب شديد الحبّ له . بلغني أنّه كان يقيم عنده في القصر أيّامًا ليلًا ونهارًا ، وكان هو الذي نبّه على قدر الحكيم أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد المتفلسف ، وسمعت أبا بكر بن يحيى القرطبي الفقيه يقول : سمعت الحكيم أبا الوليد يقول : لمّا دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبو بكر بن طُفيل فقط ، فأخذ أبو بكر يُثني عليّ ويُطريني ، فكان أوّل ما فاتحني به أمير المؤمنين أن قال لي : ما رأيهم ، يعني الفلاسفة ، في السماء ، أقديمة أم حادثة ؟ فأدركني الخوف فتعلّلت وأنكرت اشتغالي بعلم الفلسفة ، ففهم مني الرَّوع ، فالتفت إلى ابن طفيل وجعل يتكلّم على المسألة ، ويذكر قول أرسطو فيها ، ويورد احتجاج أهل الإسلام على الفلاسفة ، فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنّها في أحد من المشتغلين . ولم يزل يبسطني حتّى تكلّمت ، فعرف ما عندي من ذلك . فلمّا قمت أمر لي بخلعةٍ ودابّةٍ ومال . وقد وَزَرَ لأبي يعقوب أخوه عمر أيّامًا ، ثم رفع قدره عنها ، وولّى أبا العلاء إدريس بن جامع إلى أن قبض عليه سنة سبع وسبعين ، وأخذ أمواله ، واستوزر وليّ عهده ولده يعقوب ، وكتب له أبو محمد عيّاش بن عبد الملك بن عيّاش كاتب أبيه ، وأبو القاسم القالميّ ، وأبو الفضل جعفر بن أحمد بن محشوة البِجّائيّ . وكان على ديوان جيشه أبو عبد الرحمن الطّوسيّ . وكان حاجبه مولاه كافور الخَصيّ . وكان له من الولد ستة عشر ذَكَرًا منهم صديقي يحيى ، قال : ومنه تلقّيت أكثر أخبارهم . ولم أر في الملوك ولا في السّوقة مثله . قال : وقضاته : أبو محمد المالقيّ ، ثم عيسى بن عمران التّازي ، وتازا من أعمال فاس . ثم الحجّاج بن إبراهيم التُجيبيّ الأغماتيّ الزاهد ، فاستعفى ، فولي بعده أبو جعفر أحمد بن مضاء القرطبيّ . وفي سنة اثنتين وستين وخمس مائة نزعت قبيلة غمارة الطاعة ، وكان رأسهم سُبع بن حيّان ومرزدغ فدعوا إلى الفتنة . واجتمع لهم خلق ، وبلاد غَمارة طولًا وعرضًا مسيرة اثنتي عشرة مرحلة ، فخرج أبو يعقوب بجيوشه ، فأسلمت الرجلين جموعهما فأُسِرا ، وشرّدهما إلى قرطبة . ودخل الأندلس في سنة سبع وستين مظهرا غزو الروم ومبطنا إتمام تملك جزيرة الأندلس ، والتغلب على ما بيد محمد بن سعد بن مردنيش ، فنزل إشبيلية ، وجهّز العساكر إلى محمد ، وأمّر عليهم أخاه أمير غَرناطة عثمان . فخرج محمد في جموع أكثرها من الفرنج . وكانوا أجناده ، قد اتّخذهم أنصاره لمّا أحسّ باختلاف قوّاده عليه ، فقتل أكثرهم ، وأمّر الفرنج وأقطعهم . وأخرج الكثير من أهل مُرسِية وأسكن الفرنج دورهم . فالتقى هو والموحّدون على فرسخ من مُرسية ، فانكسر وانهزم جيشه ، وقُتل منهم جملة . ودخل مُرسية مستعدًّا للحصار ، فضايقه الموحّدون ، وما زالوا محاصرين له إلى أن مات ، فسُتِرت وفاته إلى أن ورد أخوه يوسف بن سعد من بلنسية ، فاتّفق رأيه ورأي القوّاد على أن يسلّموا إلى أبي يعقوب البلاد . ففعلوا ذلك ، وقد قيل : إنّ محمد بن سعد لمّا احتضر أشار على بنيه بتسليم البلاد . وسار أبو يعقوب من إشبيلية قاصدًا بلاد الأدفنش لعنه الله تعالى ، فنازل مدينة وَبذة ، وهي مدينة عظيمة ، فحاصرها أشهرًا إلى أن اشتدّ الأمر وأرادوا تسليمها . قال : فأخبرني جماعة أنّ أهل هذه المدينة لمّا برح بهم العطش أرسلوا إلى أبي يعقوب يطلبون الأمان ، فأبى ، وأطمعه ما نقل إليه من شدّة عطشهم وكثرة من يموت منهم ، فلمّا يئسوا مما عنده سُمِع لهم في الليل لغَط وضجيج ، وذلك أنّهم اجتمعوا يدعون الله ويستسقون ، فجاء مطر عظيم كأفواه القِرَب ملأ صهاريجهم وتقوّوا ، فرحل عنهم أبو يعقوب بعد أن هادن الأدفنش سبع سنين ، وأقام بإشبيلية سنتين ونصف ، ورجع إلى مراكش في آخر سنة تسع وستّين وقد ملك الجزيرة بأسرها . وفي سنة إحدى وسبعين خرج إلى السوس لتسكين خلاف وقع بين القبائل فسكّنهم . وفي سنة خمس وسبعين خرج إلى بلاد إفريقية حتى أتى مدينة قفصة . وقد قام بها ابن الرّند ، وتلقّب بالناصر لدين النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فحاصره وأسره ، وصالح ملك صقَلية وهادنه على أن يحمل إليه كل سنة مالًا ، فأرسل إليه فيما بلغني ذخائر معدومة النظير ، منها حجر ياقوت على قدر استدارة حافر الفرَس ، فكلّلوا به المصحف ، مع أحجار نفيسة . وهذا المصحف من مصاحف عثمان رضي الله عنه ، من خزائن بني أميّة ، يحمله الموحّدون بين أيديهم أنّى توجّهوا على ناقة عليها من الحليّ والديباج ما يعدل أموالًا طائلة . وتحته وِطاء من الديباج الأخضر ، وعن يمينه وشماله لواءان أخضران مذهّبان لطيفان . وخلف الناقة بغلٌ مُحَلّى عليه مصحف آخر . قيل : إنّه بخط ابن تومَرت . هذا كلّه بين يدي أمير المؤمنين . قال : وبلغني من سخاء أبي يعقوب أنّه أعطى هلال بن محمد بن سعد المذكور أبوه في يوم اثني عشر ألف دينار وقرّبه ، وبالغ في رفع منزلته . وقال الحافظ أبو بكر ابن الجدّ : كنّا عند أمير المؤمنين أبي يعقوب ، فسألَنا عن سحر النبي صلّى الله عليه وسلّم كم بقي مسحوراً ؟ فبقي كل إنسان منّا يتزمزم ، فقال : بقي به شهرًا كاملًا . صحَّ ذلك ، وكان أمير المؤمنين إمامًا يتكلّم في مذاهب الفقهاء فيقول: قول فلانٍ صواب ، ودليله من الكتاب والسنة كذا وكذا ، فنتابعه على ذلك . قال عبد الواحد : ولمّا تجهّز لحرب الروم أمر العلماء أن يجمعوا أحاديث في الجهاد تملى على الموحّدين ليدرسوها ، ثم كان يملي بنفسه عليهم ، فكان كلّ كبير من الموحّدين يجيء بلوح ويكتب . وكان يُسهل عليه بذل الأموال سعة ما يتحصّل من الخراج . كان يرتفع ما يخرج إليه من إفريقية في كل سنة مائة وخمسون حمل بغل ، هذا سوى حمل بِجاية وأعمالها وتلمسان وأعمالها. وكانت أيّامه مواسم وخصبًا وأمنًا . وفي سنة تسع وسبعين تجهّز للغزو واستنفر أهل السهل والجبل والعرب ، فعبر بهم الأندلس فنزل إشبيلية ، ثم قصد مدينة شَنترين أعادها إلى المسلمين ، وهي بغرب الأندلس . أخذها ابن الريق لعنه الله ، فنازلها أبو يعقوب وضايقها ، وقطع أشجارها ، وحاصرها مدّة . ثم خاف المسلمون البرد وزيادة النهر ، فأشاروا على أبي يعقوب بالرجوع فوافقهم ، وقال : غدًا نرحل . فكان أوّل من قوّض خباءه أبو الحسن علي ابن القاضي عبد الله المالقيّ ، وكان خطيبهم . فلمّا رآه الناس قوّضوا أخبيتهم ثقةً به لمكانه ، فعبر تلك العشيّة أكثر العسكر النهر ، وتقدموا خوف الزحام ، وبات الناس يعبرون الليل كلّه ، وأبو يعقوب لا علم له بذلك . فلما رأى الروم عبور العساكر ، وأخبرهم عيونهم بالأمر ، انتهزوا الفرصة وخرجوا وحملوا على الناس ، فانهزموا أمامهم حتى بلغوا إلى مخيّم أبي يعقوب ، فقتل على باب المخيّم خلق من أعيان الجند ، وخلص إلى أمير المؤمنين أبي يعقوب ، فطعن تحت سُرّته طعنة مات منها بعد أيّام يسيرة . وتدارك الناس ، فانهزم الروم إلى البلد ، وقد قضوا ما قضوا ، وعبر الموحّدون بأبي يعقوب جريحاّ في مِحَفّة ، وتهدّد ابن المالقيّ فهرب بنفسه حتى دخل مدينة شنترين ، فأكرمه ابن الريق . وبقي عنده إلى أن تهيّأ له أمر ، فكتب إلى الموحّدين يستعطفهم ويتقرّب إليهم بضعف البلد ، ويدلّهم على عورته . وقال لابن الريق : إنّي أريد أن أكتب إلى عيالي بإكرام الملك لي . فأذن له ، فعثر على كتابه فأحضره وقال : ما حملك على هذا مع إكرامي لك ؟ فقال : إنّ ذلك لا يمنعني من النصح لأهل ديني . فأحرقه ، ولم يسيروا بأبي يعقوب إلاّ ليلتين أو ثلاثًا حتى مات ، فأخبرني من كان معهم أنّه سمع في العسكر النداء الصلاة على جنازة رجل ، فصلّى الناس قاطبة لا يعرفون على من صلّوا . وصبّروه وبعثوا به في تابوت مع كافور الحاجب إلى تينملل ، فدفن هناك مع أبيه وابن تومرت ، مات في سابع رجب ، وأخذ البيعة لابنه يعقوب عند موته ، فبايعوه . وفيها وُلد : التّقيّ عبد الرحمن بن مُرهَف الناشريّ ، المقرئ ، وقاضي حماة أبو طاهر إبراهيم بن هبة الله ابن البارزيّ الجُهنيّ في شعبان ، وفاطمة بنت محمود ابن الملثّم العادليّ ، سمعت من البوصيريّ . وفيها وُلد : عبد الحميد بن رضوان المصريّ ، وأبو القاسم محمد بن عبد المنعم ، روى عن ابن طبَرزَد ، وأبو بكر محمد بن زكريا بن رحمة .
المصدر: تاريخ الإسلام
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/663866
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة