محمد بن عبد الملك
محمد بن عبد الملك . الأمير شمس الدّين ابن المقدَّم . من كبار أمراء الدولتين النورية والصلاحية .
وهو الذي سلم سنجار إلى نور الدين ، وسكن دمشق . فلما تُوفي نور الدّين كان أحد من قام بسلطنة ولد نور الدين . ثم إن صلاح الدين أعطاه بعلبك ، فتحول إليها وأقام بها .
ثم عصى على صلاح الدين ، فجاء إليه وحاصره ، وأعطاه عوضها بعض القلاع . ثم استنابه على دمشق سنة نيف وثمانين . وكان بطلًا شجاعًا ، محتشمًا .
وقد حضر في هذا العام وقعة حطين ، وفتوح عكا ، والقدس ، والسواحل . وتوجه إلى الحج في تجمل عظيم ، فلما بلغ عرفات رفع علم صلاح الدّين وضرب الكوسات ، فأنكر عليه طاشتكين أمير الركب العراقي وقال : لا يُرفع هنا إلا علم الخليفة . فلم يلتفت إليه ، وأمر غلمانه فرموا علمَ الخليفة ، وركب فيمن معه من الجند الشاميين ، وركب طاشتكين ، فالتقوا وقتل بينهما جماعة .
وجاء ابن المقدم سهمٌ في عينه ، فخرّ صريعًا . وجاء طاشتكين فحمله إلى خيمته وخيط جراحه ، فتوفي من الغد بمنى يوم الأضحى . ونهب الركب الشامي .
قال العماد الكاتب : وصل شمس الدّين عرفات ، وما عرف الآفات ، وشاع وصوله ، وضُربت طبوله ، وجالت خيوله ، وخفقت أعلامه ، وضُربت خيامه ، فغاظ ذلك طاشتكين ، فركب في أصحابه ، فأوقع بشمس الدّين وأترابه ، وقتل جماعة وجُرحوا . قال : ودفن بالمُعلى ، وارتاع طاشتكين لما اجترمه ، وأخذ شهادة الأعيان أن الذنب لابن المقدم . وقُرئ المحضر في الديوان .
ولما بلغ السّلطان مقتله بكى وحزن عليه وقال : قتلني اللَّه إن لم أنتصر له . وتأكدت الوحشة بينه وبين الخليفة . وجاءه رسولٌ يعتذر ، فقال : أنا الجواب عما جرى .
ثم اشتغل بالجهاد عن ذلك . وقال ابن الأثير : لما فتح بيت المقدس طلب ابن المقدم من السّلطان إذنًا ليحج ويُحرم من القدس ، ويجمع في سَنَته بين الجهاد والحج ، وزيارة الخليل والرسول صلى اللَّه عليهما وسلم . وكان قد اجتمع بالشام ركبٌ عظيم ، فحج بهم ابن المقدّم .
فلما كان عشية عرَفة ، أمر بضرب كوساته ليتقدم للإفاضة ، فأرسل إليه مُجير الدّين طاشتكين ينهاه عن التقدم ، فأرسل إليه : إني ليس لي معك تعلُّق ، وكلٌّ يفعل ما يراه . وسار ولم يقف . فركب طاشتكين في أجناده ، وتبعه من الغوغاء والطماعة عالمٌ كبير ، وقصدوا حاجّ الشام ، فلما قربوا خرج الأمر عن الضبط ، فهجم طماعةُ العراق على الشاميين وفتكوا فيهم ، وقتلوا جماعة ، ونُهبت أموالهم .
وجُرح ابن المقدَّم عدة جراحات . وكان يكفُّ أصحابه عن القتال ، ولو أذن لهم لانتصف منهم ، ولكنه راقب اللَّه وحُرمة المكان واليوم ، فلما أُثخن بالجراحات أخذه طاشتكين إلى خيمته ، وأنزله عنده ليمرضه ويستدرك الفارط ، فمات من الغد ، ورُزق الشهادة بعد الجهاد ، رحمه اللَّه . قلت : وله دارٌ كبيرة إلى جانب مدرسته المقدَّمية بدمشق ، ثم صارت لصاحب حماة ، ثم صارت لقراسنقُر المنصوري ، ثم صارت للسّلطان الملك الناصر بعده .
وله تربة ومسجد وخان مشهور داخل باب الفراديس .