مسعود ابن الملك مودود بن أتابك زنكي بن آقسُنقُر
مسعود ابن الملك مودود بن أتابك زنكي بن آقسُنقُر ، السلطان عز الدين أبو المظفر صاحب الموصل . وصل إلى حلب قبل السلطنة مُنجدًا لابن عمه الصالح إسماعيل بن نور الدين على السلطان الملك الناصر صلاح الدين ، وليرهب صلاح الدين ، لئلا يطمع ويقصد الموصل ، فانضم إليه عسكر حلب ، وسار في جمعٍ كثير ، فوقع المصاف على قرون حماة ، فكسره صلاح الدين ، وأسر جماعة من أمرائه في سنة سبعين ، كما ذكرناه في الحوادث . ولما احتضر الصالح أوصى بمملكة حلب لابن عمه عز الدين هذا ، فساق إليها ، وصعد القلعة ، وورث ابن عمه واستولى على الخزائن النورية وتزوج بامرأة الصالح ، وعلم أنه لا يمكنه حفظ حلب والموصل ، فاستناب بحلب مظفر الدين ابن صاحب إربل ، ورجع ، فلما وصل إلى الرقة لقيه أخوه عماد الدين زنكي صاحب سنجار ، فقايضه بسنجار وجاء إلى حلب فتملكها .
وبلغ السلطان صلاح الدين أن عز الدين مسعود قد راسل الفرنج يحثهم على قتال صلاح الدين ، فعلم أنه قد غدر ، فقصد حلب والموصل ، فنازل حلب في سنة ثمان وسبعين ، فأقام عليها ثلاثة أيام . ثم جاءه مظفر الدين ابن صاحب إربل منابذا لعز الدين فقوى عزمه على قصد الجزيرة ، فعدا الفرات فأخذ الرها والرقة ونصيبين وسروج واستناب بها . ثم سار فنزل على الموصل وعلم أنه بلد عظيم لا ينال بالمحاصرة ، فترحل ونزل على سنجار أياما ، فأخذها وأعطاها إلى ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر ، وعاد إلى حران .
ثم عاد بعد سنتين إلى منازلة الموصل ، فنزلت إليه والدة مسعود وطلبت المصالحة ، فردها ظنا أن ذلك عجز من ولدها ، واعتذر إليها ، ثم ندم بعد . وبذل أهل الموصل جهدهم في القتال لكون صلاح الدين رد المصالحة ، فأقام عليها إلى أن بلغته وفاة شاه أرمن صاحب خلاط وقيام مملوكه بكتمر . ثم عجز بكتمر وكاتب صلاح الدين أن يسلم إليه خلاط وأن يعوضه عنها ، فقصد خلاط وترك حصار الموصل ، فنزل بطوانة ، بليدة بقرب خلاط ، وراسل بكتمر ، وإذا شمس الدين بهلوان بن إلدكز صاحب أذربيجان وعراق العجم قد قرب من خلاط قاصدا محاصرتها ، فبعث إليه يعرفه بأنه إن لم يرجع عنه وإلا سلم البلد إلى صلاح الدين ، فصالحه ، فنزل صلاح الدين على ميافارقين ، فقاتلها قتالا شديدا ، ثم أخذها صلحا بالخديعة ، وكان صاحبها قطب الدين إيلغازي بن ألبي الأرتقي ، فمات وخلف ولده حسام الدين بولق أرسلان وهو صبي ، فطمع صلاح الدين وتسلمها بمعاملة من واليها ، وأما بكتمر فقويت نفسه بمصاهرته لصاحب أذربيجان .
وعاد صلاح الدين فنازل الموصل ثالثًا ، فمرض في الحر مرضًا أشفى منه على الموت ، فترحل إلى حران ، فسير صاحب الموصل عز الدين رسولًا ، وهو القاضي بهاء الدين يوسف بن شداد إلى صلاح الدين في الصلح ، فأجاب وحلف له وقد تماثل من مرضه ، ووفى له إلى أن مات . فلم تطل مدة عز الدين بعد صلاح الدين ، وعاش أشهرًا . وتوفي في شعبان في التاسع والعشرين منه .
قال ابن الأثير : وكان قد بقي ما يزيد على عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين وتلاوة القرآن ، وإذا تكلم بغيرها استغفر الله ، ثم عاد إلى التلاوة ، فرُزق خاتمة خير . وكان خير الطبع ، كثير الخير والإحسان ، يزور الصالحين ويقربهم ويشفعهم . وكان حليمًا حييا ، لم يكلم جليسه إلا وهو مُطرق .
وكان قد حج ، ولبس بمكة خرقة التصوف . فكان يلبس تلك الخرقة كل ليلة ، ويخرج إلى مسجد داره ، فيصلي فيه إلى نحو ثلث الليل . وكان رقيق القلب ، شفوقًا على الرعية .
قلت : ودُفن في مدرسته بالموصل ، وهي مدرسة كبيرة على الشافعية والحنفية ، وتسلطن بعده ولده نور الدين إلى أن مات عن ولدين وهما : القاهر عز الدين مسعود ، والمنصور عماد الدين زنكي . وقسم البلاد بينهما ، فأعطى القاهر الموصل ، وأعطى المنصور قلاعًا . وقد توفي القاهر صاحب الموصل فجاءةً في سنة خمس عشرة وستمائة ، ودُفن بمدرسته .
وأما زنكي فانتقل إلى إربل ، وتزوج بابنة صاحبها مظفر الدين ، وكان من أحسن الناس صورة ، ثم قبض عليه مظفر الدين لأمور جرت ، وسيره إلى الملك الأشرف موسى ، ثم أطلقه وعاد . وأُعطي بلد شهرزور وأعمالها . وتوفي في حدود سنة ثلاثين وستمائة ، وقام بعده ولده قليلًا ومات .