355- عبد الوهاب ابن الأمين أبي منصور علي بن علي بن عبيد الله ، الإمام المحدث العالم ، مسند العراق وشيخها ضياء الدين ، أبو أحمد البغدادي ، الصوفي ، الشافعي ، الأمين ، المعروف بابن سكينة ، وسكينة هي جدته أم أبيه . ولد في شعبان سنة تسع عشرة وخمس مائة ، وسمع الكثير من أبيه ، وأبي القاسم بن الحصين ، وأبي غالب محمد بن الحسن الماوردي ، وزاهر بن طاهر الشحامي ، والقاضي أبي بكر الأنصاري ، والزاهد محمد بن حمويه الجويني بإفادة ابن ناصر . ثم لازم أبا سعد ابن السمعاني لما قدم وسمع معه الكثير من أبي منصور بن زريق القزاز ، وأبي القاسم ابن السمرقندي ، وابن توبة ، وجده لأمه الشيخ أبي البركات إسماعيل بن أحمد ، وهذه الطبقة . وقرأ القراءات على أبي محمد سبط الخياط ، والحافظ أبي العلاء الهمذاني ، وأبي الحسن علي بن أحمد بن محمويه . وقرأ مذهب الشافعي والخلاف على أبي منصور سعيد ابن الرزاز ، وغيره . وقرأ العربية على أبي محمد ابن الخشاب ، ولبس خرقة التصوف من جده أبي البركات وصحبه . وأخذ معرفة الحديث عن ابن ناصر ، ولزمه ، وقرأ عليه الكثير ، وحفظ عنه الكثير من النكت والفوائد الغريبة ، والمعاني الدقيقة . وطال عمره ، ورحل إليه . قال الحافظ ابن النجار : ابن سكينة شيخ العراق في الحديث والزهد وحسن السمت ، وموافقة السنة والسلف ، عمر حتى حدث بجميع مروياته . وقصده الطلاب من البلاد . وكانت أوقاته محفوظة ، فلا تمضي له ساعة إلا في تلاوة أو ذكر أو تهجد أو تسميع . وكان إذا قرئ عليه الحديث منع أن يقام له أو لغيره . وكان كثير الحج والمجاورة والطهارة ، لا يخرج من بيته إلا لحضور جمعة أو عيد أو جنازة . ولا يحضر دور أبناء الدنيا ولا الرؤساء في هناء ولا في عزاء . وكان يديم الصيام غالباً على كبر سنه ، ويستعمل السنة في مدخله ومخرجه وملبسه وأموره ، ويحب الصالحين ، ويعظم العلماء ، ويتواضع لجميع الناس . وكان دائماً يقول : أسأل الله أن يميتنا مسلمين . وكان ظاهر الخشوع ، غزير الدمعة ، وكان يعتذر من البكاء ، ويقول : قد كبرت سني ، ورق عظمي ، فلا أملك عبرتي ، يقول ذلك خوفاً من الرياء . وكان الله قد ألبسه رداءً جميلاً من البهاء ، وحسن الخلقة ، وقبول الصورة ونور الطاعة وجلالة العبادة . وكانت له في القلوب منزلة عظيمة يحبه كل أحد ، وإذا رآه ينتفع برؤيته قبل كلامه ، فإذا تكلم ، كان البهاء والنور على ألفاظه ، ولا يشبع من مجالسته . ولقد طفت شرقاً وغرباً ، ورأيت الأئمة والزهاد ، فما رأيت أكمل منه ، ولا أكثر عبادة ، ولا أحسن سمتاً ، صحبته قريباً من عشرين سنة ليلاً ونهاراً ، وتأدبت به وخدمته ، وقرأت عليه القرآن بجميع رواياته ، وسمعت منه أكثر مروياته . وكان ثقة حجة نبيلاً علماً من أعلام الدين . سمع منه الحفاظ ؛ علي بن أحمد الزيدي ، والقاضي عمر بن علي ، وأبو بكر الحازمي ، وخلق ، ورووا عنه وهو حي . وسمعت أبا محمد ابن الأخضر غير مرة يقول : لم يبق ممن طلب الحديث وعني به غير عبد الوهاب ابن سكينة . وسمعته يقول : كان شيخنا ابن ناصر يجلس في داره على سرير لطيف ، فكل من حضر عنده يجلس تحت سريره كابن شافع والباقداري وأمثالهم ، وما رأيته أجلس معه أحداً على سريره إلا ابن سكينة . قال ابن النجار : وأنبأنا القاضي يحيى بن القاسم مدرس النظامية في ذكر مشايخه : أبو أحمد ابن سكينة ؛ كان عالماً عاملاً ، دائم التكرار لكتاب التنبيه في الفقه ، كثير الاشتغال بالمهذب و الوسيط في الفقه ، لا يضيع شيئاً من وقته . وكنا إذا دخلنا عليه يقول : لا تزيدوا على سلام عليكم مسألة ، لكثرة حرصه على المباحثة وتقرير الأحكام . وقال الدبيثي : سمع بنفسه ، وحصل المسموعات ، وسمع أباه ، وخلقاً كثيراً ، سمى منهم أبا البركات عمر بن إبراهيم العلوي ، وأبا شجاع البسطامي . وحدث بمصر ، والشام ، والحجاز . وكان ثقة فهماً ، صحيح الأصول ، ذا سكينة ووقار . قلت : روى عنه الشيخ الموفق ، وأبو موسى ابن الحافظ عبد الغني ، وأبو عمر ابن الصلاح ، وابن خليل ، والضياء ، وابن النجار ، والدبيثي ، ومحمد بن عبد الله بن غنيمة الإسكاف ، ومحمد بن عسكر الطبيب ، والعماد محمد بن شهاب الدين السهروردي ، وأحمد بن هبة الله الساوجي البغدادي ، وأحمد بن يحيى النجار ، وبكر بن محمد القزويني ، والحسن بن عبد الرحمن بن عمر الباذرائي ، وسعد الله بن عبد الرحمن الطحان ، وعامر بن مكي الضرير ، وأبو الفتح عبد الله بن علي بن أبي الديني وأخوه عبد الرحمن ، وعبد الله بن مقبل ، والموفق عبد الغافر بن محمد القاشاني ، وعبد الغني بن مكي المعدل ، وعبد اللطيف بن سالم البعقوبي ، وعثمان بن أبي بكر الغراد المقرئ ، وعمر بن عبد العزيز بن دلف ، ومكي بن عثمان ابن الهبري ، ونوح بن علي الدوري ، ويونس بن جعفر الأزجي ، والنجيب عبد اللطيف الحراني ، وابن عبد الدائم المقدسي ، وعامتهم شيوخ شيخنا الدمياطي . وروى عنه بالإجازة الفخر علي بن البخاري ، وأحمد بن شيبان ، وجماعة آخرهم موتاً المسند المعمر كمال الدين عبد الرحمن بن عبد اللطيف ابن الرقام شيخ المستنصرية ، عاش بعده تسعين سنة . ورد ابن سكينة دمشق رسولاً وحدث بها في سنة خمس وثمانين وخمس مائة ، فسمع منه التاج القرطبي وطبقته . قال الإمام أبو شامة : وفيها توفي ضياء الدين عبد الوهاب بن سكينة ، وحضره أرباب الدولة ، وكان يوماً مشهوداً . ثم قال : وكان من الأبدال . قال ابن النجار وغيره : توفي في تاسع عشر ربيع الآخر ، وكان يوماً مشهوداً .
المصدر: تاريخ الإسلام
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/666921
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة