حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة سبع عشرة وستمائة

سنة سبع عشرة وستمائة فيها قصد مظفر الدين صاحب إربل الموصل ، فخرج إليه بدر الدين لؤلؤ ، فكسره مظفر الدين ، وأفلت لؤلؤ وحده ، ونازل مظفرُ الدين الموصل ، فجاء الملك الأشرفُ من حران نجدةً للؤلؤ ، ثم وقع الصلح . وفيها كانت فتنة ابن المشطوب ، لما كان المعظم بديار مصر عام أول ، بلغه أن الملك الفائز أخاه قد اتفق مع الأمير عماد الدين ابن المشطوب أحد الأمراء الكبار على أخيه الكامل ، وقد استحلف للفائز العساكر . فعرف الكاملُ فرحل إلى أشموم ، وهم بالتوجه إلى اليمن ، ويئس من البلاد ، فقال له المُعظم : لا بأس عليك ، وركب وجاء إلى خيمة ابن المشطوب ، فخرج إلى خدمته بغير خف ، وركب معه ، فسير معه ، فأبعد به ، وقال : أخي الأشرف قد طلبك فسر إليه مسرعاً .

فقال : ما معي غلماني ولا قماشي ، فوكل به جماعة ، وقال : هؤلاء في خدمتك . وأعطاه نفقة خمسمائة دينار ، وقال : كل شيء تريد يلحقك في الحال . فسار ، وجهز المعظم جميع أحواله خلفه ، ثم رجع إلى مخيمه ، فجاء الكامل إليه وقبل الأرض بين يديه .

وأما الفائز فخاف خوفاً عظيماً ، واجتاز ابن المشطوب على دمشق وحماة ، وعدى الفرات إلى الأشرف فتلقاه وأكرمه ، فصار يركب بالشبابة ، ويعمل له موكباً كالأشراف ، فأعطاه أرجيش ، فتجبر ، وخامر على الأشرف ، وطلع إلى ماردين ، ثم قصد سنجار في هذه السنة ، وساعدهُ صاحبُ ماردين ، فسار لحربه الملكُ الأشرف ، فدخل ابن المشطوب إلى تلعفر ، فأنزله بدرُ الدين لؤلؤ صاحبُ الموصل بالأمان ، وحملهُ معه إلى الموصل ، ثم قيده وبعث به إلى الأشرف ، فألقاه في الجُبِّ ، فمات بالقملِ والجوع . وكان عماد الدين ابن نور الدين صاحب قرقيسيا مع الأشرف ، فكاتب ابن المشطوب ، فعلم الأشرفُ فحبسه وبعث به مع العلم قيصر المعروف بتعاسيف إلى قرقيسيا وعانة ، فعلقه تحت القلعتين وعذبه ، وتسلم تعاسيفُ جميع بلاده ، وأراد الأشرف أن يرميه في الجب ، فشفع فيه الملك المُعظم ، فأطلقه ، فسار إلى دمشق فأحسن إليه المعظم ، واشترى بُستان ابن حيوس بنواحي العُقيبة ، وبنى فيه قبة ، وأقام به إلى أن مات ، ودُفن بالقُبة ، وهي على الطريق في آخر عمارة العُقيبة من شماليها بغربٍ . وفيها تزوج الأخوان المنصور إبراهيم ، والمسعود أحمد ، ابنا أسد الدّين بابنتي الملك العادل ، أختي الصالح إسماعيل لأبويه ، وتزوج أخوهُما يعقوب بابنة المُعظم ، وتزوج عُمر ابن المُعظم بابنة أسد الدِّين ، ومهر كل منهن ثلاثون ألف دينار .

ودرس بالعزيزية القاضي ابن الشيرازي . وفيها عمل عزاء شيخ الشيوخ ابن حمويه بجامع دمشق ، فتكلم واعظ وأنشد أبيات ابن سينا : هبطت إليك من المحل الأرفع . فأنكر القاضي الجمال المصري وقال : هذه الأبيات قول زنديق ، وأمره بالنزول فتعصب له جماعة فتمم ونزل ، وسكن المُعتمد العصبية بعد أن جذبت سكاكين .

ثم عزل ابن الشيرازي من العزيزية بالآمدي . وفيها قتل صاحب سنجار أخاه ، فسار الملك الأشرف إليها فأخذها ، وعوض صاحبها الرقة ، فنزل من سنجار بأهله ، وهو آخر ملوك البيت الأتابكي ، ومدة ملكهم أربعٌ وتسعون سنة ، ومات بعد أن تسلم الرقة بقليلٍ ، وانقصف شبابهُ ولم يُمتع بعد قتل أخيه . وفي رجب كانت وقعة البرلس ، وكانت وقعة هائلة بين الفرنج والكامل ، قتل الكامل منهم عشرة آلاف ، وأخذ غنائمهم وخيلهم ، وانهزموا إلى دمياط .

وفيها عزل المعتمد عن ولاية دمشق ، وولي الغرس خليل . وحج فيها المعتمد بالركب ، وحج بركب بغداد آقباش الناصري ، فقُتل بمكة ، وعاد ركبُ العراق مع الشاميين ، وكان مع آقباش تقليدٌ بإمرة مكة لحسن بن قتادة بن إدريس ، لأن أباه مات في وسط العام ، فجاءهُ بعرفات راجحٌ أخو حسن وقال : أنا أكبر ولد قتادة فولني ، وظن حسنٌ أن آقباش قد ولى راجحاً ، فغلق مكة ، ثم نزل آقباش بشبيكة ، وركب ليسكن الفتنة ويصلح بين الأخوين ، فبرز عبيدُ حسن يقاتلونه ، فقال : ما قصدي القتال . فلم يلتفتوا إليه ، وثاروا به ، فانهزم أصحابه وبقي وحده ، فجاء عبدٌ فَعرقَبَ فرسهُ ، فوقع ، فقتلوه ، وحملوا رأسه على رُمحَ فنصب بالمسعى .

وأرادوا نهب العراقيين ، فقام المُعتمد في الأمر ، وخوف الحسن من الكامل والمُعظم . وكان آقباش قد اشتراه الناصر لدين الله وهو أمرد بخمسة آلاف دينار ، ولم يكن بالعراق أحسنُ منه صورةً ، وكان عاقلاً متواضعاً ، وحزن عليه الخليفة . خروجُ التتار قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي : كان أول ظهورهم بما وراء النهر سنة خمس عشرة ، فأخذوا بُخارى وسمرقند وقتلوا أهلها ، وحاصروا خوارزم شاه ، ثم بعد ذلك عبروا النهر ، فوجدوا الخطا قد كسروا خوارزم شاه ، فانضم إليهم الخطا وصاروا تبعاً لهم .

وكان خوارزم شاه قد أباد المُلوك من مدن خُراسان ، فلم يجد التتار أحداً في وجههم ، فطووا البلاد قتلاً وسبياً ، وساقوا إلى أن وصلوا إلى همذان وقزوين في هذه السنة ، وتوجهوا إلى أذربيجان . وقال ابن الأثير في كامله : لقد بقيتُ مدة معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها ، كارهاً لذكرها ، أقدمُ رجلاً وأؤخر أخرى ، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام ، فيا ليت أمي لم تلدني ، ويا ليتني مُتُ قبل حدوثها . ثم حثني جماعةٌ على تسطيرها ، فنقول : هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها ، عمت الخلائق ، وخصت المُسلمين ، فلو قال قائل : إنَّ العالم منذ خلقهُ الله إلى الآن لم يبتلوا بمثلها ، لكان صادقاً ، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها .

ومن أعظم ما يذكرون فعل بختُ نصر ببني إسرائيل بالبيت المُقدس ، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين ؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا ؟! فهذه الحادثة التي استطار شررها وعم ضررها ، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريحُ ، فإن قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تُركستان ، مثل كاشغر ، وبلاشغون ، ثم منها إلى بخارى ، وسمرقند فيملكونها ، ويفعلون بأهلها ما نذكره ، ثم تعبُرُ طائفةٌ منهم إلى خُراسان فيفرغون منها ملكاً وتخريباً وقتلاً وإبادة إلى الري وهمذان إلى حد العراق ، ثم يقصدون أذربيجان ونواحيها ويخربونها ويستبيحونها في أقل من سنة ، أمر لم يسمع بمثله . ثم ساروا من أذربيجان إلى دربند شروان فملكوا مدنهُ ، ولم يسلم غير القلعة التي فيها ملكهم ، وعبروا من عندها إلى بلد اللان واللكز فقتلوا وأسروا ، ثم قصدوا بلاد قفجاق ، وهم من أكثر الترك عدداً ، فقتلوا من وقف ، وهرب الباقون إلى الشعراء والغياض ورؤوس الجبال ، وفارقوا بلادهم ، واستولى التتر عليها . ومضى طائفة أخرى غير هؤلاء إلى غزنة وأعمالها ، وسجستان وكرمان ، ففعلوا مثل هؤلاء بل أشد ، هذا ما لم يطرق الأسماع مثله ؛ فإن الإسكندر الذي ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة ، وإنما ملكها في نحو عشر سنين ، ولم يقتل أحداً ، إنما رضي بالطاعة .

وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأعمرهُ في نحو سنة ، ولم يبقَ أحدٌ في البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائفٌ يترقب وصولهم إليه . ثم إنهم لم يحتاجوا إلى ميرة ، ومددهم يأتيهم ، فإنهم معهم الأغنام والبقرُ والخيل يأكلون لحومها لا غير . وأما خيلهم فإنها تحفر الأرض بحوافرها ، وتأكل عُروق النبات ، ولا تعرف الشعير .

وأما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها ولا يحرمون شيئاً ، ويأكلون جميع الدواب وبني آدم . ولا يعرفون نكاحاً ، بل المرأة يأتيها غيرُ واحد ، فإذا جاء الولدُ لا يعرف أبوه . وتهيأ لهم أخذ الممالك ، لأن خُوارزم شاه محمداً كان قد استولى على البلاد ، وقهر ملوكها وقتلهم ، فلما انهزم من التتار لم يبق في البلاد من يمنعهم ولا من يحميها ، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً .

وهم نوع من التُرك ، مساكنهم جبال طمغاج ، بينها وبين بلاد الشرق أكثر من ستة أشهر ، وكان ملكهم جنكزخان قد فارق بلاده ، وسار إلى نواحي تُركستان ، وسير معه جماعة من الأتراك التجار ، ومعهم شيء كثير من النقرة والقندز وغير ذلك ، إلى بلاد ما وراء النهر ليشتروا له ثياباً وكسوةً ، فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك تسمى أوترار ، وهي آخر ولاية خُوارزم شاه ، وله بها نائبٌ . فلما ورد عليه هذه الطائفة ، أرسل عرف السلطان ، فبعث يأمره بقتلهم وأخذ ما معهم ، وكان شيئاً كثيراً . وكان بعد مملكته مملكة الخطا ، وقد سد الطرق من بلاد تُركستان وما بعدها من البلاد ، لأن طائفةً من التتار أيضاً كانوا قد خرجوا من قديم الزمان والبلاد للخطا .

فلما ملك خُوارزم شاه ، وكسر الخطا ، واستولى على بلادهم ، استولى هؤلاء التتار على تُركستان ، وصاروا يحاربون نواب خُوارزم شاه ، فلذلك منع الميرة عنهم من الكسوة وغيرها . وقيل غير ذلك . فلما قتل أولئك التجار ، بعث جواسيس يكشفون له جيش جنكزخان ، فمضوا وسلكوا المفاوز والجبال ، وعادوا بعد مدة ، وأخبروا بأنهم يفوقون الإحصاء ، وأنهم من أصبر خلق الله على القتال ، لا يعرفون هزيمة ، ويعملون سلاحهم بأيديهم ، فندم خوارزم شاه على قتل تجارهم ، وحصل عنده فكر زائدٌ ، فأحضر الفقيه شهاب الدين الخيوقي فاستشاره ، فقال : اجمع عساكرك ويكون التغير عاماً ، فإنه يجب على الإسلام ذلك ، ثم تسير بالجيوش إلى جانب سيحون ، وهو نهر كبير يفصل بين الترك وبلاد ما وراء النهر ، فتكون هناك ، فإذا وصل إليه العدو وقد سار مسافة بعيدة ، لقيناه ، ونحن مستريحون ، وهم في غاية التعب .

فجمع الأمراء واستشارهم ، فلم يوافقوه على هذا ، بل قالوا : الرأي أن نتركهم يعبرون سيحون إلينا ، ويسلكون هذه الجبال والوعر ، فإنهم جاهلون بطُرقٌها ، ونحن عارفون بها ، فنقوى حينئذٍ عليهم ويهلكون . فبينما هم كذلك إذ قدم رسول جنكزخان يتهدّد خُوارزم شاه ويقول : تقتلون تُجاري وتأخذون أموالهم ، استعدوا للحرب ، فها أنا واصلٌ إليكم بجمع لا قبل لكم به . وكان قد سار وملك كاشغر وبلا ساغون وأزال عنها التتار الأولين ، فلم يظهر لهم أثر ، ولا بقي لهم خبر ، بل أبادهم ، فقتل خُوارزم شاه الرسول ، وأما أصحابه فحلق لحاهم ، وردهم إلى جنكزخان يقولون له : إنه سائر إليك .

وبادر خُوارزم شاه ليسبقَ خبرهٌ ويكبس التتار ، فقطع مسيرة أربعة أشهر ، فوصل إلى بيوت التتار ، فما وجد فيها إلى الحريم فاستباحها ، وكان التتار قد ساروا إلى محاربة ملك من ملوك التُرك يقال له كشلوخان فهزموه ، وغنموا أمواله ، وعادوا فجاءهم الصريخ بما جرى ، فجدوا في السير فأدركوا خوارزم شاه ، وعملوا معه مصافاً لم يسمع بمثله ، واقتتلوا أشد قتال ، وبقوا في الحرب ثلاثة أيام ولياليها ، وقتل من الطائفتين خلق لا يحصون ، وثبت المسلمون وأبلوا بلاء حسناً ، وعلموا أنهم إن انهزموا لم يبقَ للمسلمين باقية ، وأنهم يؤخذون لبُعدهم عن الديار . وأما الكفار التتار فصبروا لاستنقاذ أموالهم وحريمهم ، واشتد بهم الأمر حتى كان أحدهم ينزل عن فرسه وقرنه راجل ، فيقتتلان بالسكاكين . وجرى الدم حتى زلقت الخيل فيه من كثرته ، واستفرغ الفريقان وسعهم في الصبر .

وهذا القتال كله مع ابن جنكزخان ، فإن أباه لم يحضر الوقعة ، ولم يشعر بها ، وقتل من المسلمين عشرون ألفاً ، ومن الكفار ما لا يُحصى . فلما كانت الليلة الرابعة نزل بعضهم مقابل بعضهم ، فلما كان الليل أوقد التتار نيرانهُم ، وتركوها بحالها وساروا ، وكذلك فعل المسلمون أيضاً ، كل منهم قد سئم القتال . ورجع المسلمون إلى بخارى ، فاستعدوا للحصار لعلم خُوارزم شاه بعجزه ، لأن طائفة من التتار لم يقدر أن يظفر بهم ، فكيف إذا جاؤوا بأجمعهم مع ملكهم جنكزخان ؟ فأمر أهل بخارى وسمرقند يستعدون للحصار ، وجعل ببخارى عشرين ألف فارس ، وفي سمرقند خمسين ألف فارس ، وقال : احفظوا البلاد حتى أعود إلى خُوارزم وأجمع العساكر وأعود .

ثم عبر النهر ونزل على بلخ ، فعسكر هناك . وأما التتار فإنهم أقبلوا ، فنازلوا بخارى وحاصروها ثلاثة أيام وزحفوا ، ففر من بها من العساكر ، وطلبوا خُراسان في الليل ، فأصبح البلدُ خالياً من العسكر ، فأخرجوا القاضي بدر الدين ابن قاضي خان ليطلب لهم الأمان ، فأعطوهم الأمان ، واعتصم طائفة من العسكر بالقلعة ، ففتحت أبواب بُخارى للتتار في رابع ذي الحجّة سنة ست عشرة ، فدخلت التتار ولم يتعرضوا إلى أحد ، بل طلبوا الحواصل السلطانية ، وطلبوا منهم المساعدة على قتال من بالقلعة ، وأظهروا العدل . ودخل جنكزخان ؛ لعنه الله ، وأحاط بالقلعة ، ونادى في البلد أن لا يتخلف أحدٌ ، من تخلف قتل ، فحضروا كلهم لطم الخندق ، وطموه بالتراب والأخشاب ، حتى إن التتار كانوا يأخذون المنابر وربعات الكتاب العزيز فيلقونها في الخندق ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

ثم زحفوا على القلعة وبها أربعمائة فارس ، فمنعوها اثني عشر يوماً ، فوصلت النقوب إلى سورها . واشتد القتال ، فغضب جنكزخان ورد أصحابهُ ذلك اليوم ، وباكرهم من الغد ، وجدوا في القتال ، فدخلوا القلعة ، وصدقهم أهلها حتى قتلوا عن آخرهم . ثم أمر جنكزخان أن يُكتب له رؤوس البلد ، ففعلوا ، ثم أحضرهم فقال : أريد منكم النقرة التي باعكم خُوارزم شاه فإنها لي .

فأحضر كل من عند شيء منها ، ثم أمرهم بالخروج من البلد ، فخرجوا مجردين ، فأمر التتار أن ينهبوا البلد ، فنهبوه ، وقتلوا من وجدوا به ، وأمر التتار أن يقتسموا المُسلمين ، فتمزقوا كل مُمُزق ، وأصبحت بخارى خاوية على عروشها ، وسبوا النساء . ومن الناس من قاتل حتى قُتل ، وكذا فعل الإمام ركن الدين إمام زادة ، والقاضي صدر الدين وأولادهم . ثم ألقت التتار النار في البلد والمدارس والمساجد .

وعذبوا الرؤساء في طلب المال . ثم رحلوا نحو سمرقند وقد تحققوا عجز خُوارزم شاه عنهم واستصحبوا أسارى بُخارى معهم مشاةً في أقبح حالٍ ، ومن عجز قتلوهُ ، فأحاطوا أيضاً بسمرقند ، وبها خمسون ألف مقاتل ، فخرج إليهم الشجعان من الرّجالة وغيرهم ، فانهزموا لهم وأطمعوهم ، ولم يخرج من الخمسين ألف أحدٌ لما قد وقر في قلوبهم من الرعب ، وكان التتار قد أكمنوا لهم ، فلما جازت الرجالُ ذلك الكمين ، خرجوا عليهم وحالوا بينهم وبين البلد ، فلم يسلم منهم أحدٌ . قال : وكانوا على ما قيل سبعين ألفاً رحمهم الله ، فضعفت نفوسُ الجُند والعامة ، وأيقنوا بالهلاك ، وطلب الجند الأمان ، فأجابوهم ، وفتحوا البلد ، وخرجوا إلى التتار بأهاليهم وأموالهم ، فقال لهم التتار : ادفعوا إلينا سلاحكم وخيلكم وأموالكم ، ونحن نسيركم إلى مأمنكم .

ففعلوا ذلك ، فلما كان رابع يوم نادوا في العوام : ليخرجوا كلهم ، ومن تأخر قتل ، فخرج الجميعُ ، ففعلوا بهم كما فعلوا بأهل بُخارى ، نهبوا وسبوا وأحرقوا الجامع ، وذلك في المُحرم من هذه السنة . ثم سير جنكزخان عشرين ألف فارس خلف خُوارزم شاه ، فأتوا جيحون ، فعملوا من الخشب مثل الأحواض ، وألبسوها جلود البقر لئلا يدخلها الماءُ ، ووضعوا فيها سلاحهم وأمتعتهم ، وألقوا الخيل في الماء ، وأمسكوا بأذنابها ، وتلك الحياض مشدودة إليهم ، فكان الفرسُ يجذب الرجل ، والرجل يجذب الحوض ، فعبروا كلهم ، فلم يشعر خُوارزم شاه إلا وقد خالطوه . واختلفت الخطا عليه ، كما ذكرنا ، وانهزم ، وساقوا وراءه إلى أن ركب البحر إلى قلعة له فأيسوا منه ، وقصدوا الري وبلاد مازندران فملكوها في أسرع وقت ، وصادفوا في الطريق والدة خُوارزم شاه ونساءهٌ وخزائنه ، وكان قصدها أصبهان ، فأخذوها وسيروها برمتها إلى جنكزخان وهو بسمرقند .

ثم دخلوا الري وقتلوا وسبوا ، ووصلوا إلى زنجان فبدعوا ، ثم عطفوا إلى قزوين فحاصروها وأخذوها بالسيف ، وقتل من الفريقين ما لا يحصى ، قيل : بلغوا أربعين ألفاً . ثم ساروا إلى أذربيجان فاستباحوها . ثم نازلوا تبريز وبها ابن البهلوان ، فصالحهم على مالٍ وتحفٍ ، فساروا عنه ليشتوا على ساحل البحر ، لأنه قليل البرد وبه المرعى ، فوصلوا إلى مُوقان ، وتطرقوا إلى بلاد الكُرج ، فبرز لهم من الكرج عشرةٌ آلاف مقاتل ، فحاربوهم ثم انهزموا ، فتبعهم التتار إلى قرب تفليس وذلك في ذي القعدة من سنة سبع عشرة .

ثم ساروا إلى مراغة ، وكانت لامرأة ، فحاصروها ، ثم ملكوها بالسيف ، وقتلوا ما لا يحصى ، واختفى خلق ، فكان التتار يأخذون الأسرى ويقولون : نادوا في الدروب : إن التتار قد رحلوا . فإذا نادى أولئك خرج من اختفى فيقتلونه حتى قيل إن رجلاً من التتار دخل درباً فيه ما يزيد على مائة رجل ، فما زال يقتل واحداً واحداً حتى أفناهم ، ولا يمد أحد منهم يدهُ إليه بسوء ، نعوذ بالله من الخذلان . ثم رحلوا إلى نحو إربل فاجتمع بعض عسكر العراق وعسكر الموصل مع مظفر الدين ، فلما سمعوا باجتماع العساكر تقهقروا ظناً منهم أن العسكر يتبعهم ، فلما لم يروا أحداً تبعهم أقاموا .

وأقام العسكر عند دقوقاً ، ثم عادوا إلى بلادهم إلى همذان وغيرها ، وجعلوا لهم بها شحنة ، وأرسلوا إليه يأمرونه ليطلب لهم من أهلها أموالاً وقماشاً ، ولم يكن خلوا لهم شيئاً ، فاجتمع العامة عند الرئيس بهمذان ، ومعهم رجل فقيه قد قام في اجتماع الكلمة على الكفار ، فقال لهم الرئيس العلوي : كيف الحيلة ونحن نعجز عنهم ؟ فما لنا إلا مصانعتهم بالأموال . فقالوا له : أنت أشد علينا من الكفار ، وأغلظوا له ، فقال : أنا واحدٌ منكم فاصنعوا ما شئتم ، فوثبوا على الشحنة فقتلوه ، وتحصنوا ، فتقدم التتار وحاصروهم ، فخرج لحربهم العامة والرئيس والفقيه في أوائلهم ، فقتلوا من التتار خلقاً ، وجُرح الفقيهُ عدة جراحاتٍ ، وافترقوا ، ثم خرجوا من الغد ، فاقتتلوا أشد قتال ، وقُتل من التتر أكثر من اليوم الأول . وأرادوا الخروج في اليوم الثالث فعجز الفقيه عن الركوب من الجراحات ، وطلب الناسُ الرئيس ، فإذا به قد هرب في سرب صنعه إلى ظاهر البلد هو وأهله إلى قلعة هناك ، فتحصن بها .

وبقي الناس حيارى ، إلا أنهم اجتمعت كلمتهم على الجهاد إلى أن يموتوا . وكان التتار قد عزموا على الرحيل لكثرة من قتل منهم ، فلما لم يروا أحداً خرج لقتالهم طمعوا ، واستدلوا على ضعفهم ، فقصدوهم وقاتلوهم وذلك في رجب من سنة ثمان عشرة وستمائة . ودخلوا البلد بالسيف ، وقاتلهم الناس في الدروب ، وبطل السلاح للزحمة ، واقتتلوا بالسكاكين ، فقتل ما لا يحصى .

ثم ألقي في همذان النار فأحرقوها ، ورحلوا إلى تبريز وقد فارقها صاحبها أوزبك بن البهلوان ، وكان لا يزال منهمكاً على الخمور ، يبقى الشهر والشهرين لا يظهر ، وإذا سمع هيعة طار ، وله جميع بلاد أذربيجان وأران ، ثم قصد نقجوان ، وسير نساءه وأهله إلى خوي ، فقام بأمر تبريز شمس الدين الطغرائي ، وجمع كلمة أهلها ، وحصن البلد ، فلما سمع التتار بقوتهم أرسلوا يطلبون منهم مالاً وثياباً ، فسيروا لهم ذلك . ثم رحلوا إلى بيلقان فحصروها ، فطلب أهلها رسولاً يقررون معه الصلح ، فأرسل إليهم مقدماً كبيراً فقتلوه ، فزحفت التتارُ على البلد وافتتحوه عنوة في رمضان من سنة ثمان عشرة ، ولم يبقوا على صغير ولا كبير ، وكانوا يفجرون بالمرأة ، ثم يقتلونها . ثم ساروا إلى كنجة وهي أم بلاد أران ، فعلموا كثرة أهلها وشجاعتهم ، فلم يقدموا عليها وطلبوا منها حملاً ، فأعطوا ما طلبوا .

وساروا عنهم إلى الكرج ، والكرج قد استعدوا لهم ، فالتقوا ، فانهزم الكرج وأخذهم السيف ، فلم يُفلت منهم إلى الشريد ، فقتل منهم نحو ثلاثين ألفاً ، وعاث التتار في بلاد الكرج وأفسدوا . ثم قصد دربند شروان ، فحاصروا مدينة شماخي ثم افتتحوها عنوة . ثم أرادوا عبور الدربند فلم يقدروا على ذلك ، فأرسلوا رسولاً إلى شروان شاه ، يقولون : أرسل إلينا رسولاً .

فأرسل عشرة من كبار أصحابه ، فأخذوا أحدهم ، فقتلوه ، ثم قالوا للباقين : إن أنتم عرفتمونا طريقاً نعبر فيه فلكم الأمان وإلا قتلناكم . فقالوا : إن هذا الدربند ليس فيه طريق البتة ، ولكن فيه موضع هو أسهل ما فيه من الطرق . فساروا معهم في تلك البلاد إلى ذلك الطريق فعبروا فيه .

فلما عبروا دربند شروان ساروا في تلك الأراضي وفيها أمم كثيرة منهم اللان واللكز وطوائف من الترك ، فنهبوا وقتلوا كثيراً من اللكز وهم كفار ومسلمون . ثم وصلوا إلى اللان وهم أمم كثيرةٌ ، فجمعوا جمعاً من القفجاق فقاتلوهم فلم يظفروا بهم . فأرسلت التتارُ إلى القفجاق يقولون : نحنُ وأنتم جنسٌ واحد ، وهؤلاء اللان ليسوا منكم حتى تنصروهم ، ولا دينهم مثل دينكم ، ونحن نعاهدكم أننا لا نتعرض إليكم ، ونحمل إليكم من الأموال والمتاع ما شئتم .

فوافقوهم على ذلك ، وانعزلوا عن اللان ، فأوقع التتار باللان وقتلوا منهم خلقاً ، وسبوا ، وساروا بعد ذلك إلى القفجاق وهم آمنون متفرقون فبيتوهم وأوقعوا بهم ، كعادتهم ومكرهم ؛ لعنهم الله ، ففر من سلم واعتصم بالغياض ، وبعضهم التحق ببلاد الروس . وأقام هؤلاء التتار في بلاد القفجاق ، وهي كثيرة المرعى في الشتاء ، ووصلوا إلى مدينة سوداق وهي مدينة القفجاق وهي على بحر خزرية ، وإليها تصل التجار والمراكب يشترون الرقيق والبرطاسي وغير ذلك . وبحر خزرية هذا متصل بخليج قسطنطينية .

ولما وصلت هذه الطائفة من التتار إلى سوداق ملكوها ، وتفرق أهلها ، فبعضهم هرب إلى الجبال ، وبعضهم ركب البحر ، ثم أقام التتار ببلاد القفجاق إلى سنة عشرين وستمائة . وأما الطاغية جنكزخان فإنه - بعدما سير هذه الطائفة المذكورة ، فهزمت خوارزم شاه - قسم أصحابه عدة أقسام ، فسير كل قسم إلى ناحية ؛ فسير طائفة إلى ترمذ ، وطائفة إلى كلاثى وهي حصينة على جانب جيحون . وسارت كل طائفة إلى الجهة التي أمرت بقصدها واستولت عليها قتلاً وسبياً وتخريباً ، فلما فرغوا من ذلك عادوا إلى الملك جنكزخان وهو بسمرقند ، فجهز جيشاً عظيماً مع أحد أولاده لحرب جلال الدين ابن علاء الدين خُوارزم شاه ، وسير جيشاً آخر فعبروا جيحون .

آخر كلام عز الدين ابن الأثير رحمه الله . قلت : ونازلت التتارُ خُوارزم ، فحاصروها ثلاثة أشهر ، واستولوا عليها في صفر سنة ثماني عشرة ، ونزل عليها أوكتاي الذي ولي الأمر بعد أبيه جنكزخان ، ومعه باجي ملك في جيش عرمرم مائة ألف أو يزيدون . ولما لم يجدوا بها حجارة عمدوا إلى أصول التوت فقطعوها ودوروها ، ورموا بها بدلاً عن حجارة المنجنيق ، وحرص أوكتاي كل الحرص أن يتسلمها بالأمان ولا يؤذي فيها ، فأجابه الأكابر ، غير أن السفهة غلبوهم على رأيهم بإغرائهم ، وجرى عليها حربٌ لم يُسمع بمثله ؛ بحيث إنه كانت تؤخذ المحلة منها فيقاتل أهلها ، ثم ينضمون إلى المحلة التي تليها فيقاتلون ، إلى أن أخذت محلةٌ بعد محلة ، حتى لم يبق معهم إلا ثلاث محال ، فتزاحم بها الخلائق ، فطلبوا الأمان حينئذ ، فلم يؤمنوا وقتلوهم صبراً .

هذا معنى ما ذكره أبو سعد شهاب الدين النسوي . قلت : ومما أخذت التتار : نيسابور ، ومرو ، وهراة ، وبلخ ، وترمذ ، وسرخس ، وطوس ، وخوارزم ، وسائر مدن خُراسان . وذهب تحت السيف أمم لا يحصيها إلا الله تعالى .

وقال الموفق عبد اللطيف : انشعب من التتار فرقتان كما ينشعب من جهنم لسانان ، فرقة قصدت أذربيجان وأران ثم بلاد الكرج ، وفرقة أتت على همذان وأصبهان ، وخالطت حُلوان تقصد بغداد . أما الأولى فأفسدت البلاد التي مرت عليها ، فلما وصلوا إلى بلاد الخزر جمع الكرج جموعهم ولقوهم ، فانهزموا ، يعني الكرج ، وقتل من صميمهم ثمانية آلاف ، ومن الأتباع والفلاحين عددٌ كثير . وتقنطر ملكُ الكرج فتداركه الأمراء فاستنقذوه من أنيابهم العُضل ، واعتصم ببعض القلاع ، والتتر يموجون في البلاد بالإفساد ، ويعضون على من سلم الأنامل من الغيظ ، انفرد منهم فارس ، فقال ملك الخزر : أما عندنا من يخرج إليه ؟ فانتخى بطل من الكرج وخرج إليه ، فما عتم أن قتله التتري واقتاد فرسهٌ ورجع رويداً ، وأخذ يفسر الفرس ليعلم سنه ، فعجب ملك الخزر وقال : انظروا كأنه قد وزن فيه الثمن .

ثم حشد الكرج نوبة أخرى ، واستنجدوا بعسكر أرزن الروم ، وقال الناس : إنهم لا يرجعون . فلما اشتدت شوكة الكرج رجع التتر بغير أمر معروف ، ولا سبب مخوفٍ ، بل لسعادة لحقت ، وأيام بقيت ، وكان هذا سنة ثمان عشرة ، وأنا بأرزن . ورجع التتر إلى شروان فأخذوها بالسيف وقتلوا أهلها ، وتجاوزوا الدربند قسراً بالسيف ، وعبروا إلى أمم القفجق واللان فغسلوهم بالسيف .

ثم مات ملكُ الخزر وكان شاباً ، وتولت أختُه ، وسيرت إلى الملك المُغيث صاحب أرزن تخطب أحد ولديه ، الصغير ، وهو ابن بنت بكتمر صاحب خلاط ، وهو مليح عمره سبع عشرة سنة فزوجها به ، وشاع الخبرُ أنه تنصر . وخرج في هذه السنة من رقيق الترك ما لم تجر به العادة ، حتى فاضوا على البلاد ، وكلهم وصلوا من ناحية تفليس ، وهم من فضلات سيوف التتر ، وكل واحد يحكي هول ما عاين ؛ حكت جارية منهم قالت : عوت كلاب بلادنا عوياً شديداً وقامت على أذنابها ، وأهلها يضربونها فلا ترتد ، فبعد ثلاث ساعات أو أربع فاض الجبل بعساكر التتر ، فابتدؤوا بالكلاب ثم بالناس . وأرض القفجاق واسعة ، معتدلة الهواء ، عذبة المياه ، تتفجر ينابيعها ، وتتخرق عيونها ، وهي أرض حرة طيبة التربة ، وغنمهم كثيرةٌ النتاج ، تلدُ النعجة الأربعة في البطن والخمسة ، وقلما تلد واحداً ، وغنمهم عالي الهضبة ، يكاد الكبش يركب .

وأما الفرقة التي قصدت بغداد ، فردهم الله بقوة العقل وحسن التدبير ، أما أولاً ، فإن صاحب إربل شحن الدربندات بالأكراد ، وإليهم ينتهي العلم باللصوصية ، فسلطهم عليهم يسرقونهم ويقتلونهم صبراً في نومهم ، فيصبحون وقد نكبوا نكبات في جهات لا يدرون من أين ولا كيف . ثم إن الخليفة جمع الجموع وعسكر العساكر وحشر ، فنادى ، وأقبلت إليه البُعوث من كل حدبٍ ينسلون ، فلما سمعوا بوصول رسول التتر تقدموا إلى صاحب إربل بأن يحتفل ويظهر جميع عسكره ، ويدخل بينهم من العوام والفلاحين من يشتبه بهم . فلما وصل الرسول إربل تلقاه عساكر قطعت قلبه ، وصاروا يتكررون عليه ، كلما مر بقوم سبقوه وعادوا وقفوا بين يديه ، فلما دخل في ولاية دقوقا عبئ له من العساكر أضعاف ذلك وصاحبها من مماليك الخليفة ، فأمر أن تضرب خيم عظيمة ، وبسط بين يديها بسطاً قدر نصف فرسخ ، ونُصبت سدة عالية فوق تخت يُصعد إليه بدرج ، وأظهر زينة عظيمة ، ووقف عشرون ألفاً بسيوف مجردة .

فلما وصل الرسول يشق تلك العساكر أتى حد البسط ، فأمر أن يترجل فتمنع من ذلك ، فهموا به ، فلما وصل إلى بين يدي التخت ، أمر بالسجود كرهاً والصيحات تأخذهُ ، وروعات السيوف تذهله . ثم أخرج إلى بغداد فلقيته عساكر بغداد ، صغرت في عينه ما رأى ، لم يتركوا ببغداد فرساً ولا جملاً ولا حماراً حتى أركبوه رجلاً ومعه شيء من السلاح ، وأكثرهم بالأعلام والبرك أسطوانات ، وخلق يلعبون بالنفط ويرمون بالبندق الزجاج فيه النفط ، فامتلأت البرية بالنيران . فلما وصل إلى بغداد خرج إليه صميم العسكر بأصناف العدد الفاخرة المُسجفة بالأطلس المكلل بالجواهر على الخيل المسومة .

فلما وصل إلى باب النوبي إلى الصخرة التي يقبلها الملوك قيل لهم : مرتبتكم دون ذلك ، فأمر أن يقبل أسفل منها ، ثم حمل إلى دار ، ثم أخرجوا بالليل خفية على طريق غير مسلوكة ، وردوا إلى إربل ، وقيل للرسول : إنما هربناك في الخفية خوفاً عليك من العامة ، ففصل وقد امتلأ قلبه رعباً ودماغه خبالاً ، وأبث قومه ما أثبته عيانه ، فعلموا أنهم لا قبل لهم ببغداد ، فرجعوا خائبين . وأما أهل أصبهان ففتحوا أبواب المدينة ، وقالوا لهم : ادخلوا ، فدخل منهم قوم ، فما شربوا أنفاسهم حتى أهريقت دماؤهم ، فكروا راجعين . وكذلك فعل أهل رستاقاتهم .

قال : وسئل الملك الأشرف عنهم ، فقال : ما أقول في قوم لم يؤخذ منهم أسير قط ، لكن يقاتل إلى أن يقتل أو يخلص . ولما وصلت إلى أرزن الروم وجدتُ هذه الكلمة قد سيرها ملك الكرج فيما وصف من حروبهم ، وأما قتلاهم فلا ينتهي العاد إلى حد إلا والحال توجب أضعافه ، ولا يقال : كم قتل من بلد كذا ؟ وإنما يقال : كم بقي ؟! واجتمعت بتاجر سروج كان يترجم لهم ، قال : اجتمع التجار من جميع البلاد إلى نيسابور يتحصنون بها ، فنزل عليها التتر فأخذوها في أربعة وعشرين يوماً ، وأتوا على أهلها بالقتل ، وعليها بالإحراق والخراب حتى غادروها كأن لم تغن بالأمس . وهربت منهم مرات وأقع في الأسر .

ثم هرب في المرة الأخيرة وتعلق بجبل ، فلما رحلوا طالبين هراة ، قال : نزلنا وكنا سبعة ، فأحصينا القتلى خمسمائة ألف وخمسين ألفاً ، ووجدنا الأموال مُلقاة ، وجزنا ببلاد الملاحدة وهي على عمارتها لم يتشعث منها شيء . وحكى لنا تاجر آخر واسطي قال : إنه اختفى بجبل وخرج بعد أيام ، فرأى الأرض مسطوحة بالقتلى والأموال والمواشي ، وكنتُ أنا وعشرة سلمنا ، ولو كانت معنا عقولنا لأخذنا من الأموال ما يفوت الآمال ، وإنما أخذنا حمل دقيق على جمل . قال الموفق : ومما أهلكوه بلاد فرغانة وهي سبع ممالك ، مسيرة أربعة أشهر ، وكل من هرب منهم تحيلوا في قتله بكل ممكن ، وإذا اجتمعوا في مجالس أنسهم ونزهة قلوبهم أحضروا قوماً من الأسارى ، وأخذوا يمثلون بواحدٍ ، واحدٍ ، بأن يقطعوا منه عضواً بعد عضو ، وكلما اضطرب وصاح تضاحكوا وأعجبوا ، وربما حطوا السيف في جوفه أو ليته قليلاً ، ومتى التمس الشخص رحمتهم ازدادوا قساوة .

وإذا وقع لهم نساءً فائقات في الحسن تمتعوا بهن أياماً ثم قتلوهن . وحكت لي امرأة بحلب أنهم ذبحوا ولدها وشربوا الدم ، ثم نام الذابحُ فقامت فذبحته ، وهربت هي وزوجها . وقد كان السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش سارقاً هجاماً ، وكان عسكره أوشاباً ، ليس لهم ديوان ولا إقطاع ، وأكثرهم أتراك كفار أو مسلمون جُهال ، لا يعرف تعبئة العسكر في المصاف ، ولم يتعود أصحابهُ إلا المهاجمة ، وليس لهم زرد ولا دروع ، وقتالهم بالنشاب .

وكان يقتل بعض القبيلة ، ويستخدم باقيها ، وفي قلوبهم الضغائن . ولم يكن فيه شيءٌ من المداراة لا لأصحابه ولا لأعدائه ، فخرج عليه هؤلاء التتار وهم بنو أب ، بكلمة واحدة ، وقلب واحدٍ ، ورئيس واحد مطاع ، فلم يمكن أن يقف مثل خُوارزم شاه بين أيديهم ، وورد إلى البلاد منهم ما لم يعهد ، والبلاد خالية عن ملكٍ ، فلم يبق عند أحد منهم دفاع ، وصاروا كالغنم لا تدفع عنها ذابحاً . فلما وصل التتر إلى أصبهان لم يرتع أهلها لأنهم معودون بحمل السلاح ، فلم يكن عندهم أحقر من هذا العدو .

إلى أن قال : والله سُبحانه يحب العدل والعمارة ويأمر بهما ، وهؤلاء الملاعين يبغضونهما ، إذ لا دين لهم ولا عقل ، وكل حيوان رديء الخلق ففيه خلق آخر حميد كالكلب والخنزير والذئب والنمر ، وهؤلاء فقد جمعوا من كل حيوان رديء خُلقه ، فاجتمعت فيهم الرداءات محضة . قال ابن واصل : بعث جنكزخان جيشاً فعبروا جيحون ، وتسلموا بلخ بالأمان ، وقرروا بها شحنة ولم ينهبوها ، ثم قصدوا قلعة الطالقان وهي لا ترام حصانة وارتفاعاً ، وبها الشجعان فحصروها ستة أشهر وعجزوا عنها ، فسار إليها جنكزخان بنفسه ، وحصرها ومعه خلائق من المسلمين أسرى ، فنازلها أربعة أشهر وقتل عليها خلائق ، ثم أمر فجمع له من الأخشاب ما أمكن ، وصاروا يعملون صفاً من خشب وصفاً من تُراب ، وما زالوا حتى صار تلاً يوازي القلعة ، وصعدت الرجال فيه ، ونصبوا عليه المجانيق فرمت إلى وسط القلعة ، فخرج من بها على حمية وحملوا على التتر ، فنجت الخيالة وسلكوا الجبال ، وقتلت الرجالة ، واستباحت التتر القلعة . ثم جهز جنكزخان الجيش إلى مرو وبها من المقاتلة نحو مائتي ألف من جند وعرب وتجار ، فعسكروا بظاهرها عازمين على لقاء العدو ، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً ، ثم انهزم المسلمون وقتل أكثرهم .

ثم نازلت التتر مرو وجدوا في حصارها أربعة أيام فتسلموها بالأمان ، وخرج إليهم أميرها ، فخلع عليه ابنُ جنكزخان ووعده بولاية مرو ، وقال : أريد أن تعرض علي أصحابك لننظر من يصلح لخدمتنا حتى نعطيه إقطاعاً . فلما حضروا قبض عليهم ، وأمرهم أن يكتبوا له تجار البلد وأعيانه في جريدة ( وأرباب ) الصنائع ( في جريدة ) ، ففعلوا . ثم ضربت أعناق الجند والأمير ، ثم صادر الأعيان وعذبهم حتى استصفاهم ، وقسم نساء مرو وذراريها وأسراها ، ثم أمر بإحراق البلد فأحرق ثلاثة أيام ، ثم أمر بقتل العامة كافة ، فأحصيت القتلى بها فكانوا سبعمائة ألف .

ثم ساروا إلى نيسابور فحصروها خمسة أيام ، وبها عسكر عجزوا عن التتر ، فأخذ البلد ثم أخرجوا الناس فقتلوهم ، وسبوا الحريم ، وعاقبوا ذوي المال . وسارت فرقة إلى طوس فبدعوا بها . ثم ساروا إلى هراة فحصروها عشرة أيام وأخذوها بالأمان ، ثم قتلوا بعض أهلها ، وجعلوا بها شحنة .

ثم ساروا إلى غزنة فالتقاهم السلطان جلال الدين فكسرهم ، فوثب أهل هراة وقتلوا الشحنة ، فلما رجع المنهزمون قتلوا عامة أهل هراة ، وسبوا الذرية وأحرقوا البلد . ورجعوا إلى جنكزخان وهو بالطالقان يبث جيوشه ، وكان قد نفذ جيشاً عظيماً لحصار خوارزم ، فنازلوها خمسة أشهر ، وبها عسكر وشجعان ، فقتل خلائق من الفريقين ، ثم أخذت عنوة ، وقتل أهلها ، ثم سلطوا عليها نهر جيحون فغرقت وتهدمت .

موقع حَـدِيث