حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

غازي بن يوسُف بن أيوب بن شاذي ابن الأمير يعقوب

غازي بن يوسُف بن أيوب بن شاذي ابن الأمير يعقوب ، السلطان الملك الظاهر غيّاث الدين أبو منصور ابن السلطان صلاح الدين التكريتي ثم المصري ، صاحب حلب . ولد بمصر في رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة ، وسمع بالإسكندرية من الفقيه أبي الطاهر بن عَوْف . وبمصر من عبد الله بن برّي النحوي .

وبدمشق من الفضل بن الحسين البانياسي ، وحدّث بحلب . وولي سلطنتها ثلاثين سنة . قال الموفق عبد اللطيف : كان جميل الصورة ، رائع الملاحة ، موصوفًا بالجَمال في صِغره وفي كِبَره ، وكان له غَورٌ ودهاءٌ ومكرٌ ؛ وأعظم دليل على دهائه مقاومته لعمّه الملك العادل ، وكان لا يُخْليه يومًا من خوفٍ ، وشغْل قلبٍ .

وكان يصادق ملوك الأطراف ويباطنهم ويلاطفهم ، ويوهمهم أنه لولا هو لقد كان العادل يَقصدهم ، ويُوهِم عمّه أنه لولا هو لم يُطعه أحدٌ من الملوك ولكاشفوه بالشِّقاق ، فكان بهذا التدبير يستولي على الجهتين ، ويستعبد الفريقين ، ويشغل بعضهم ببعض . وكان كريمًا مِعطاءً ، يَغْمر الملوك بالتُّحف ، والرسل بالنُّحْل ، والشعراء والقُصّاد بالصلات . وتزوّج بابنة العادل وماتت معه ، ثم تزوّج بأختها ، فكان له عَرسٌ مشهودٌ ، وجاءت منه بالملك العزيز في أول سنة عشرٍ ، وأظهر السرور بولادته ، وبقيت حلب مُزيَّنة شهرين ، والناس في أكلٍ وشُربٍ ، ولم يُبق صِنفًا من أصناف الناس إلا أفاض عليهم النعم ، ووصلهم بالإحسان ، وسيَّر إلى المدارس والخوانك الغَنَم والذهب ، وأمرهم أن يعملوا الولائم ، ثم فعل ذلك مع الأجناد والغِلمان والخدم ، وعمل للنساء دعوةً مشهودةً أُغلقت لها المدينة .

وأما داره بالقلعة فزيّنها بالجواهر وأواني الذهب الكثيرة ، وكان حين أمر بحفر الخراب حول القلعة وجد عشرين لَبِنة ذهب فيها قنطار بالحلبي ، فعمِل منها أربعين قَشْوةً بحُقاقِها ، وخَتَن ولده الأكبر أحمد ، وختنَ معه جماعة من أولاد المدينة ، وقُدِّم له تقادم جليلة فلم يقبل منها شيئًا رِفقًا بهم ، لكن قبِل قطعة سمندل طول ذراعين في ذراع ، فغمّسوها في الزيت وأوقدوها حتى نفد الزيت ، وهي ترجع بيضاء فالتهوا بها عن جميع ما حضر . وكان عنده من أولاد أبيه وأولاد أولادهم مائة وخمسة وعشرون نفْسًا ، وزوّج الذكور منهم بالإناث ، وعقد في يومٍ واحدٍ خمسة وعشرين عَقدًا بينهم ، ثم صار كل ليلة يعمل عُرسًا ويحتفل له ، وبقي على ذلك مدة رجب وشعبان ورمضان . وكان بينه وبين سُلطان الروم عز الدين كيكاوس بن كَيْخُسرو صداقةً مؤكّدة ومراسلات ، ومرض نيّفًا وعشرين يومًا ، وأوصى أن يكون الخادم طغريل دِزْدار القلعة ، وأن يكون شمس الدين ابن أبي يًعلى الموصلي وزيرًا كما كان ، ولا يخرج أحد عن أمره ، وسيف الدين ابن جَنْدر أتابَك الجيش .

وكان القاضي بهاء الدين ابن شدّاد مسافرًا إلى العادل بمصر ، فقدِم بعد ثلاثٍ ، فحلّ جميع ذلك بالتدريج والخِفْية ، وأعانه مرض الوزير ، فلما عُوفيَ وجد الأمور مختلفة ، فسافر إلى الروم ثم انتكس ومرض ، ومات في السنة . وأما ابن جَنْدَر فنزل عن الأتابكية ، وجعلوها للملك المنصور ؛ يعني الذي كان تسلطن بمصر بعد والده العزيز . قال : فبقي أيامًا وعزلوه ، ثم ولّوه ، ثم عزلوه غير مرة .

وتلاعبت بهم الآراء ، وكان قصدهم أن يكون الطّواشي شهاب الدين طغريل هو الأتابك ، فسعوا إلى أن تم ذلك ، ثم اتفقوا أن يحكم عليهم خادم ، فاختلفت نيّاتهم . ورأوا أن يملّكوا الملك الأفضل علي ابن صلاح الدين ، وعزم الأمراء على التوثّب بحلب ، ثم قوي أمر طُغريل وثبت ، وقد همّوا بقتله مرّات ووقاه الله ، ولو ساق الأفضل لمَلَكَ حلب ولما اختلف عليه اثنان ؛ لكنه كاتَبَ عز الدين صاحب الروم وحسّن له أن يقصد حلب ، فحشد وقصدها ، ونازل تلّ باشِر ، فأخذها ، وأخذ عَيْن تاب ، ورَعْبان ، ومنبج ، وكاتبه أكثر رؤساء حلب والأمراء . فلما رأى طُغريل والخواصّ ذلك ، طلبوا الملك الأشرف ، فجاء ونزل بظاهر حلب ، مع شدة خوف .

وجاءت طائفة من العرب ومعهم عسْكر يتولعون بعسكر الروم ، فسيَّر إليهم عز الدين كبراء دولته ، فساقوا بجَهْل ، وأمعنوا إلى بزاعة في تلك البرِّيّة ، فخارت قواهم وذبلت خيلهم ، واختطفتهم العرب سبايا كما تُؤخذ النساء ، فخار قلب عز الدين ، ورجع إلى تل باشِر ، ثم إلى بلاده ، ولحِقه غَبَنٌ وأسفٌ حتى مرض ومات . وأما الملك الأشرف فإنه تمكّن من أموال حلب ورجالها وقَوِي بذلك على المَوْصل وسِنجار ، وعظُم عند ملوك الشرق . قلت : قد ذكرت في الحوادث أن الظاهر قدم دمشق وحاصرها غير مرة مع أخيه الأفضل ، وحاصر مَنْبج وأخذها ، وكذلك قلعة نُعْم ، ثم حاصر حماة ، وغير ذلك .

وكان ذا شجاعة وإقدام . وكان سفّاكًا للدماء في أوائل أمره ، ثم قصر عن ذلك وأحسن إلى الرعية . وكان ذكيًا فطِنًا ، حسَن النادرة ؛ قال له الحِلِّيّ الشاعر مرة في المنادمة وهو يعبث به ورادٌّ عليه ، فقال : أنظم ؟! يتهدّده بالهَجْو ، فقال السلطان : أنثُر ؛ وأشار إلى السيف .

وقال أبو المظفّر سِبط ابن الجوزي : كان الظاهر مَهيبًا ، له سياسة وفِطنة ، ودولته معمورة بالعُلماء والفُضلاء ، مزيّنة بالملوك والأمراء . وكان مُحسنًا إلى الرعية وإلى الوافدين عليه ، حضر معظم غزوات أبيه ، وانضمّ إليه أخوته وأقاربه ، وكان يزور الصالحين ويفتقدهم . وكان يتوقّد ذكاء وفطنة .

توفي في العشرين من جمادى الآخرة بعلة الذّرب ، وقام بأمر ابنه طُغريل أتابك العسكر أحسن قيام . وقال أبو شامة : أوصى في مرضه بالسلطنة لابنه محمد ؛ لأنه كان من بنت عمّه الملك العادل ، وطلب بذلك استمرار الأمر له لأجل جده وأخواله ، وجعل الأمر من بعده لولده الأكبر أحمد ، ثم من بعده الملك المنصور محمد ابن الملك العزيز عثمان ، أخيه ، وفوّض القلعة إلى طُغريل خادم روميٍّ أبيض ، وكان مشتهرًا بالزهد ، فصار له عنده مكانة . وعاش الظاهر خمسًا وأربعين سنة ، ونُقل فدفن بمدرسته التي أنشأها بحلب .

قال ابن واصل : لما اشتدّ به المرض ، قيل : إنه كان يفيق ويتشَّهد ويقول : ﴿ما أغنى عنّي مالِيَه ٢٨ هلك عني سُلطانِيَه اللهم بك أستجير ، وبرحمتك أثق . ولما مات كُتم خبره حتى دُفن بالقلعة ، وسكن الناس . ثم أخرج الأتابك طُغريل ولديه من باب القلعة وعليهما السواد ، فلما رآهما الأمراء وقعوا عن خيولهم وكشفوا رؤوسهم ، وقُطعت الشعور ، وضجّوا ضجة واحدة ، وفعل ذلك مماليكه ، وكان منظرًا فظيعًا .

ثم ركب الأخوان الملك العزيز والملك الصالح بأُبّهة المُلْك ، وحمل الأمير ابن جَنْدر بين أيديهما الغاشية ، وأقبل الأمراء وأولاد الملوك يقبّلون أيديهما ، ثم ردا إلى القلعة ، وكثر النوح والبكاء .

موقع حَـدِيث