حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

محمد ابن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور

محمد ابن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور ، الحافظ المفيد عز الدين أبو الفتح المقدسي الجمّاعيلي ثم الدمشقي . ولد بدير المقادسة في سنة ست وستين وخمسمائة ، في أحد الربيعين ، وارتحل إلى بغداد وله أربع عشرة سنة ، فسمع بها من أبي الفتح بن شاتيل ، وأبي السعادات القزّاز ، ويوسف العاقولي ، وطبقتهم . وتفقه على أبي الفتح ابن المَنّي ، وسمع بدمشق من أبي المعالي بن صابر ، ومحمد بن حمزة القُرشي ، والخَضِر بن طاوس ، والفضل بن الحُسين البانياسي ، وجماعة .

وأوّل شيخ سمع منه أبو الفَهْم عبد الرحمن بن أبي العجائز الأزدي . قال ابن النجار : سمعنا معه وبقراءته كثيرًا ، وكتب بخطه كثيرًا ، وحصّل كثيرًا من الأصول ، واستنسخ كثيرًا من الكُتب ، وكان في رحلتي الأولي يُعِيرُني الأصول ويفيدني عن الشيوخ ، ويتفضّل إذا زُرته . وكان من أئمة المسلمين ، حافظًا للحديث مَتْنًا وإسنادًا ، عارفًا بمعانيه وغريبه ، مُتقنًا لأسامي المحدِّثين وتراجمهم ، مع ثقة وعدالة وأمانة وديانة وتودّد وكَيْس ومروءة ظاهرة ، ومساعدة للغُرباء .

وذكره الحافظ الضياء ، فقال : كان ، رحمه الله ، حافظًا فقيهًا ذا فنون ، وكان أحسن الناس قراءة وأسرعها ، وكان غزير الدمعة عند القراءة ، وكان مُتقِنًا ثقة سَمْحًا جوادًا . قلت : وارتحل إلى أصبهان ومعه أخوه أبو موسى ، فسمعا الكثير من أصحاب أبي علي الحداد ، ومن بعده سَمعا من أبي الفضل عبد الرحيم بن محمد الكاغدي ، ومسعود بن أبي منصور الجمال الخياط ، وأبي المكارم أحمد بن محمد اللّبّان ، ومحمد بن أبي زيد الكرّاني ، وأبي جعفر الصيدلاني ، وجماعةٍ . قال الضياء : وسافر العز إلى بغداد مع عمّه الإمام عماد الدين إبراهيم ، وأقام ببغداد عشر سنين ، واشتغل بالفقه والنحْو والخِلاف ، ورجع وكان يتكلم في مسائل الخِلاف كلامًا حسنًا ، ثم سافر بعد مدة إلى أصبهان في طلب الحديث ، ولقوا شدة من الغَلاء والجوع .

ثم رجع إلى بغداد وأقام بها يقرأ شيئًا من الفقه واللغة على الشيخ أبي البقاء . ثم عاد إلى دمشق ، وكان يقرأ الحديث للناس كل ليلة جمعة في مسجد دار البِطِّيخ بدمشق ، يعني مسجد السلاّليّين ، وانتفع الناس بمُجالسته . ثم إنه انتقل إلى الجامع ، إلى موضع والده فكان يقرأ يوم الجُمُعة بعد الصلاة في حلقتنا ؛ وسبب حصول ذلك أنه لما جاء حنبل من بغداد ، أراد الملك المُعظَّم يسمع المُسند عليه ، فقرأ له بعض المحدّثين ، وكان المُسنَد يُقرأ عندنا وفي المدينة ، وكان العز ، رحمه الله ، يقرأ ويحضر عندنا جماعة من أهل المدينة ، منهم العَلَم الرقّي إمام الملك ، فمضى إليه وقال : إن كنتَ تريد قراءة مَليحة عاجِلة فما يقرأ أحد مثل هذا الذي في الجَبَل .

فقال : تجيء به . فجاء الإمام إلى العِزّ ، فقال له : ما لي في هذا رغبة وأنا رجل خامل الذكر ، وما بيني وبين أحد عداوة وأخاف من المخالفين . فقال : هذا لا نخاف منه ، ما يحضر إلا الملك والشيخ وأنت وأنا .

فاستشار المشايخ ، فقال له شيخنا موفّق الدين : إن كنت تمضي لله فامضِ ، وإن كنت تمضي لطمع الدنيا فلا تفعل . فاستخار الله ومضى . فلما سمع المَلِك قراءته أعجبته كثيراً ، وخلع عليه ، وأحبّه ، وسأله عن أشياء من الحديث فأجابه ، ورأى منه ما لم يرَ من غيره .

وكان بعد ذلك مهما طلب منه لا يكاد يردّه ، فطلب منه الجلوس مكان أبيه فأذِن له ، وطلب منه مكاناً في القُدس لأصحابنا يصلّون فيه فأعطاه مهد عيسى . وكنا نسمع المُسند ، فقال بعض الحضور من المدينة : ما رأيت مثل هذه القراءة ، مثل الماء ، أو قال : مثل السيف . ولما أراد الملك المُحسن سماع تاريخ بغداد من الكِندي ، قال : إن كان العِزّ ابن الحافظ يقرؤه فنَعَم ، فقرأه عليه .

وكان له هِمة عظيمة ؛ لما جاء حنبل أراد أهل المدينة أن يمنعوه من الصعود إلينا ، فما زال العز بهمّته حتى سهّل الله قراءة المسند في الجبل . وكان يُسارع إلى الخيرات وإلى مصالح الجماعة ؛ لما عزمت على التزويج قام في ذلك ، وحصّل لي ما تزوّجت به ، وما أحوجني إلى تكلف شيء . وكان بيته لا يكاد يخلو من الضيوف ، سمعته يقول ، أو سمعت من يحدّث عنه ، قال : كنا ببغداد ، فقلّ ما بأيدينا ، فجاء إلى عندنا إنسان فقال لي : لو مضيتم إلى بعض القرايا حصّلنا لكم شيئاً .

قال : فمضينا معه ، فاتفق أنا عبرنا على الشيخ حسن الفارسي ، رحمة الله عليه ، فزرناه ، فابتدأنا وقال : متى جرت عادة المقادسة أن يخرجوا إلى الكدّية ؟ قال : فرجعنا ولم نمضِ . سمعتُ إبراهيم بن أبي بكر بن باخل المُؤذّن ، وكان من أهل الخير والصلاح يقول : بعد موت العز بثلاثة أيام ، توضّأت بالليل ، وخرجت فرأيت على الموضع الذي فيه قبر العز عمود نور من السماء إلى الأرض أخضر مثل السلق . وسمعت الفقيه إسحاق بن خَضِر بن كامل يقول : رأيت العز في النوم ، فقلت له : بالله عليك ماذا لقيت من ربك ؟ فقال : كل خير جميل .

وسمعتُ أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد يقول : كنا نقرأ عند العز ليلة توفي ، فرأيت نوراً على بطنه مثل السِّراج ، فكنت أقول : ترى يراه أحد غيري أم لا . سألت أم أحمد آمنة بنت الشيخ أبي عُمر ، وهي ما علمتُ من أصلح أهل زمانها ، فقالت : رأيت يوم موت العز على الدنيا كلها على الأرض ، وعلى الناس خُضرة ما شبهته إلا بالشمس ؛ إذا خرجت من طاقة زجاج خضراء ، حتى كنت أقول : أيش هذا ؟ ما لبصري ! وأمسح عينيّ ، وما دريت أيش هذا حتى جاءت أم داود ، فقالت : قد رأيت الخُضرة على الجنازة . سمعت مسعود بن أبي بكر بن شُكر المقدسي ، قال : رأيت العز ابن الحافظ بعد موته في النوم ، وكأن وجهه البدر ، ما رأيت في الدنيا أحداً على صورته ، وله شَعر بائن من تحت عمامته ، لم أر شَعراً مثل سواده ، فقلت له : يا عز الدين ، كيف أنت ؟ فقال : أنا وأنت من أهل الجنة .

ثم انتبهت . سمعت الإمام أبا العباس أحمد بن محمد بن خَلَف يقول : رأيت العز في النوم فقال : جاء إليّ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضى لي كل حاجة . سمعت شيخ الإسلام موفق الدين يحدّث عن بنته صفية زوجة العز أنها رأته بعد موته قد جاء إليهم بقطف من عِنَب أبيض لم تر أحسن منه قطّ ، وقال : هذا من الجنة .

سمعتُ إسماعيل بن محمد الأصبهاني يقول : رأيت العز في النوم وعليه ثياب بيض وهو حيٌّ ، وهو يقول : ما متُّ قد بقي من عُمري وسألني عن نفسه هذا ، فقلت : إن شاء الله يكون شهيداً . فإنه مات بالبَطن . سمعت الفقيه بَدْران بن شِبل بن طَرخان ، قال : رأيت كأننا جماعة ، والعز أرفع منا فقلت له : بم ارتفعت ؟ قال : بهذا ؛ وأومأ بجزء حديث في يده .

قلت : وذكر له الضياء منامات أُخر مليحة . وقد رثاه الشيخ الموفّق ، وغيره . وحدّث عنه الضياء ، والشهاب القوصي ، وشمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر ، والفخر علي ، وجماعة .

أخبرنا عمر بن عبد المنعم ، قال : أنبأنا محمد بن عبد الغني الحافظ ، قال : أخبرنا ابن صابر ، قال : أخبرنا علي بن إبراهيم النسيب ، قال : أخبرنا سُليم بن أيوب ، قال : حدثنا أبو أحمد الفَرَضي ، قال : حدثنا الصُّوليّ ، قال : حدّثنا الغَلاّبي ، عن عُبيد الله بن عائشة ، قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له : اتقِ الله ، فإنّ التقوى هي التي لا يُقبل غيرها ، ولا يُرحَم إلا أهلها ، ولا يُثاب إلا عليها ، فإن الواعظين بها كثير ، والعاملين بها قليل . وقال لنا رشيد بن كامل : أخبرنا أبو العرب القُوصي ، قال : أخبرنا العز ابن الحافظ بجامع خَيْبر سنة عشر وستمائة . فذكر حديثاً .

توفي العز في تاسع عشر شوّال ، وشيّعه الخَلْق .

موقع حَـدِيث