حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن علي بن عبد الواحد

عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن علي بن عبد الواحد ، قاضي القضاة أبو القاسم جمال الدين ابن الحرستاني الأنصاري الخزرجي العبادي السعدي الدمشقي الفقيه الشافعي . ولد سنة عشرين وخمسمائة في أحد الربيعين ، وسمع من عبد الكريم بن حمزة ، وطاهر بن سهل بن بشر الإسفراييني ، وجمال الإسلام أبي الحسن علي بن المسلم ، وعلي بن أحمد بن منصور بن قبيس ، ونصر الله المصِّيصي الفقيه ، وهبة الله بن أحمد بن طاوس ، ومعالي بن هبة الله ابن الحبوبي ، وأبي القاسم الحسين بن البن ، وأبي الحسن علي بن سليمان المرادي ، وجماعة . وتفرد بالرواية عن أكثر شيوخه ، وحدَّث بالإجازة عن أبي عبد الله الفراوي ، وهبة الله السَّيِّدي ، وزاهر الشَّحامي ، وعبد المنعم ابن القشيري ، وإسماعيل القارئ ، وغيرهم ؛ استجازهم له الحافظ أبو القاسم .

وحدَّث بـ صحيح مسلم ، وبـ دلائل النبوة للبيهقي ، وبأشياء كثيرة من الكتب والأجزاء . وأول سماعه في سنة خمس وعشرين . وتفقه في شبيبته ، وبرع في المذهب ، ودرَّس ، وأفتى ، وطال عمره ، وتفرَّد عن أقرانه .

سمع منه أبو المواهب بن صصرى ، والقدماء ؛ وروى عنه البرزالي ، وابن النجار ، والضياء ، وابن خليل ، والقوصي ، والزكي عبد العظيم ، وابن عبد الدائم ، والصاحب أبو القاسم ابن العديم ، والشرف عبد الواحد بن أبي بكر الحموي ؛ وأخوه أحمد ، والنجم إبراهيم بن محاسن التنوخي ، والنجيب نصر الله الشيباني ، ونصر بن تروس ، والجمال عبد الرحمن بن سالم الأنباري ، والزين خالد ، وأبو غالب مظفر بن عمر الجزري ، والزين علي بن أحمد القرطبي ، وأبو الغنائم بن علاّن ، وأبو حامد محمد ابن الصَّابوني ، وأبو بكر محمد ابن الأنماطي ، وأبوه ، ويوسف بن تمام السُّلمي ، ومحمد بن عبد المنعم ابن القواس ، وأخوه شيخنا عمر ، ومحمد بن أبي بكر العامري ، ونسيبه أحمد بن عبد القادر العامري ، وأبو بكر بن محمد بن طرخان ، والقاضيان ٍشمس الدين ابن أبي عمر وشمس الدين ابن العماد ، والفخر علي ابن البخاري ، والبرهان إبراهيم ابن الدَّرجي ، وعبد الرحمن بن أحمد الفاقوسي ، والشمس عبد الرحمن ابن الزين ، والشمس محمد ابن الكمال ، وأبو بكر بن عمر بن يونس المزّي ، وتقي الدين إبراهيم ابن الواسطي ، وخلقٌ سواهم . وروى عنه من القدماء الحافظان عبد الغني وعبد القادر الرُّهاوي ، وروى عنه بالإجازة شيخنا العماد عبد الحافظ ، وعائشة بنت المجد ، وجماعة . وكان إماماً فقيهاً ، عارفاً بالمذهب ، ورعاً ، صالحاً ، محمود الأحكام ، حسن السيرة ، كبير القدر .

رحل إلى حلب وتفقّه بها على المحدِّث الفقيه أبي الحسن المرادي . وولي القضاء بدمشق نيابة عن أبي سعد بن أبي عصرون ، ثم ولي قضاء الشام في آخر عمره في سنة اثنتي عشرة . قال ابن نقطة : هو أسند شيخ لقينا من أهل دمشق ، حسن الإنصات ، صحيح السماع .

وقال أبو شامة : دخل أبوه من حرستا فنزل بباب توما ، وأمَّ بمسجد الزَّينبي ، ثم أمَّ فيه جمال الدين ابنه ، ثم سكن جمال الدين بداره بالحويرة ، وكان يلازم الجماعة بمقصورة الخضر ، ويحدِّث هناك ، ويجتمع خلق ، مع حسن سمته وسكونه وهيبته . حدَّثني الفقيه عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام أنه لم ير أفقه منه ، وعليه كان ابتداء اشتغاله ، ثم صحب فخر الدين ابن عساكر ، فسألته عنهما ، فرجح ابن الحرستاني وقال : إنه كان يحفظ كتاب الوسيط للغزالي . قال أبو شامة : لما ولي القضاء محيي الدين ابن الزَّكي لم ينب عنه ، وبقي إلى ( أن ) ولاّه الملك العادل القضاء ، وعزل قاضي القضاة زكي الدين الطّاهر ، وأخذ منه مدرستيه العزيزية ، والتَّقوية .

فأعطى العزيزية مع القضاء لابن الحرستاني ، واعتنى به العادل وأقبل عليه ، وأعطى التقوية لفخر الدين ابن عساكر . وكان جمال الدين يجلس للحكم بالمجاهدية ، وناب عنه ولده عماد الدين ، ثم شمس الدين أبو نصر ابن الشيرازي ، وشمس الدين ابن سني الدّولة . وبقي في القضاء سنتين وسبعة أشهر ، وتوفي ، فكانت له جنازة عظيمة ، على أنه امتنع من الولاية لما طلب إليها حتى ألحوا عليه فيها .

وكان صارماً ، عادلاً على طريقة السَّلف في لباسه وعفَّته ؛ ولقد بلغني - يقول أبو شامة - أن ابن الحرستاني ثبت عنده حق لامرأة على بيت المال ، فأحضر وكيل بيت المال الجمال المصري ، فأمره أن يسلم إليها ما ثبت لها ، وكان بستاناً ، فاعتذر بالمساء ، وقال : في غد أسلمه إليها . فقال : ربما أموت أنا الليلة ويتعوق حقها ، فما برح حتى تسلمت حقها ، وكتب لها محضراً بذلك وحكم به . وقال أبو المظفَّر سبط ابن الجوزي : كان زاهداً ، عفيفاً عابداً ، ورعاً ، نزهاً ، لا تأخذه في الله لومة لائم .

اتفق أهل دمشق على أنه ما فاتته صلاة بجامع دمشق في جماعة إلا إذا كان مريضاً . ثم ذكر حكايات من مناقبه ، وقال : حكى لي ولده ، قال : كان أحد بني قوام يتجر للمعظَّم عيسى في السكر وغيره ، فمات ، فوضع ديوان المعظم يدهم على التركة ، وبعث المعظم إلى أبي يقول : هذا كان تاجراً لي ، والتركة لي ، وأريد تسليمها ، فأبى عليه إلا بثبوت شرعي أو يحلف ، فقال المعظم : والله ما أحقق ما لي عنده ، ولم يثبت شيئاً . قال أبو المظفر : وحكى لي جماعة أن الملك العادل كتب إليه يوصيه في حكومة ، فأحضر الخصم وفي يده الكتاب لم يفتحه وظهر الخصم على حامل الكتاب إلى القاضي ، فقضى عليه ، ثم قرأ الكتاب ، ورمى به إليه ، وقال : كتاب الله قد حكم على هذا الكتاب .

فبلغ العادل قوله فقال : صدق كتاب الله أولى من كتابي . وكان يقول للعادل : أنا ما أحكم إلا بالشرع وإلاّ فما سألتك القضاء ، فإن شئت ، وإلا فأبصر غيري . وحكى لي الشمس ابن خلدون قال : أحضر القاضي عماد الدين بين يدي أبيه صحن حلوى وقال : كل .

فاستراب ، وقال : من أين هذا ؟ تريد أن تدخلني النار ؟ ولم يذقه . قال أبو شامة : هو الذي ألح على أبيه حتى تولى القضاء . وحدّثني عماد الدين قال : جاء إليه شرف الدين ابن عُنين ، فقال : السلطان يسلّم عليك ويوصي بفلان فإن له محاكمة ، فغضب ، وقال : الشرع ما يكون فيه وصية ، لا فرق بين السلطان وغيره في الحق .

وقال المنذري : سمعت منه ، وكان مهيباً ، حسن السمت ، مجلسه مجلس وقار وسكينة ، يبالغ في الإنصات إلى من يقرأ عليه . توفي في رابع ذي الحجة ، وهو في خمس وتسعين سنة .

موقع حَـدِيث