سنة ثلاث وعشرين وستمائة
سنة ثلاث وعشرين وستمائة فيها قدم محيي الدّين يوسف ابن الجوزيّ بالخلع والتقاليد من الظّاهر بأمر الله إلى المعظّم والكامل والأشرف . قال أبو المظفّر سبط الجوزيّ : قال لي المعظّم : قال لي خالك : المصلحة رجوعك من هذا الخارجيّ - يعني : جلال الدّين - إلى إخوتك ، ونصلح بينكم ، وكان المعظّم قد بعث مملوكه أيدكين إلى السّلطان جلال الدّين ، فرحّله من تفليس وأنزله على خلاط ، والأشرف حينئذٍ بحرّان ، قال : فقلت لخالك : إذا رجعت عن جلال الدّين ، وقصدني إخوتي تنجدوني ؟ قال : نعم ، قلت : ما لكم عادة تنجدون أحداً هذه كتب الخليفة عندنا ونحن على دمياط ، ونحن نكتب إليه نستصرخ به ونقول : أنجدونا ، فيجيء الجواب بأن قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة ، ولم يفعلوا ، وقد اتّفق إخوتي عليّ ، وقد أنزلت الخوارزميّ على خلاط ، إن قصدني الأشرف منعه الخوارزميّ ، وإن قصدني الكامل كان فيّ له . وفيها قدم الأشرف دمشق ، وأطاع المعظّم ، وسأله أن يسأل جلال الدّين أن يرحل عن خلاط ، وكان قد أقام عليها أربعين يوماً ، فبعث المعظّم ، فرحل الخوارزميّ عن خلاط ، وكان المعظّم يلبس خلعة الخوارزميّ ، ويركب فرسه ، وإذا حادث الأشرف ، حلف برأس خوارزم شاه جلال الدّين ، فيتألّم الأشرف ، وتوجّه خالي إلى الملك الكامل .
وقال ابن الأثير : في جمادى الآخرة جاء جلال الدّين الخبر أن نائبه بكرمان قد عصى عليه ، وطمع في تملّك ناحيته ؛ لاشتغال السّلطان بحرب الكرج وبعده ، فسار السّلطان جلال الدّين يطوي الأرض إلى كرمان ، وقدّم بين يديه رسولاً إلى متولّي كرمان بالخلع ليطمّنه ، فلمّا جاءه الرسول ، علم أنّ ذلك مكيدةٌ لخبرته بجلال الدّين ، فتحوّل إلى قلعةٍ منيعةٍ ، وتحصّن ، وأرسل يقول : أنا العبد المملوك ، ولمّا سمعت بمسيرك إلى البلاد أخليتها لك ، ولو علمت أنّك تبقي عليّ ؛ لحضرت إلى الخدمة ، فلمّا عرف جلال الدّين ، علم أنّه لا يمكنه أخذ ما بيده من الحصون ؛ لأنّه يحتاج إلى تعبٍ وحصار ، فنزل بقرب أصبهان ، وأرسل إليه الخلع ، وأقرّه على ولايته ، فبينما هو كذلك ، إذ وصل الخبر من تفليس بأنّ عسكر الأشرف الّذي بخلاط قد هزموا بعض عسكره ، فساق كعادته يطوي المراحل حتّى نازل مدينة منازكرد في آخر السّنة ، ثمّ رحل من جمعته ، فنازل خلاط ، فقاتل أهلها قتالاً شديداً ، ووصل عسكره إلى السور ، وقتل خلق من الفريقين ، ثمّ زحف ثانياً وثالثاً ، وعظمت نكاية عسكره في أهل خلاط ، ودخلوا الرّبض ، وشرعوا في السّبي والنّهب ، فلمّا رأى ذلك أهل خلاط تناخوا ، وأخرجوهم ، ثمّ أقام يحاصرها ، حتّى كثر البرد والثّلج ، فرحل عندما بلغه إفساد التّركمان في بلاد أذربيجان ، وجدّ في السّير ، فلم يرعهم إلاّ والجيوش قد أحاطت بهم ، فأخذتهم السّيوف ، وكثر فيهم النّهب ، والسّبي . وفي شعبان سار علاء الدّين كيقباذ ملك الرّوم ، فأخذ عدّة حصون للملك المسعود صاحب آمد . وفيها جمع البرنس صاحب أنطاكية جموعه ، وقصد الأرمن ، فمات ملك الأرمن قبل وصوله ، ولم يخلف ولداً ذكراً ، فملّك الأرمن بنته عليهم ، وزوّجوها بابن البرنس ، وسكن عندهم ، ثمّ ندمت الأرمن ، وخافوا أن تستولي الفرنج على قلاعهم وبلادهم ، فقبضوا على ابن البرنس وسجنوه ، فسار أبوه لحربهم ، فلم يحصل له غرضٌ فرجع .
قال ابن الأثير : وفيها اصطاد صديقٌ لنا أرنباً ولها أنثيان وذكر ، وله فرج أنثى ، فلما شقّوا بطنه رأوا فيه جروين ، سمعت هذا منه ومن جماعة كانوا معه ، وقالوا : ما زلنا نسمع أن الأرنب تكون سنةً ذكراً ، وسنّة أنثى ، ولا نصدق ، فلمّا رأينا هذا ، علمنا أنّه قد حمل وهو أنثى ، وانقضت السنة فصار ذكراً ، ويحتمل أن يكون خنثى . قال ابن الأثير : وكنت بالجزيرة ولنا جارٌ له بنت ، اسمها صفيّة ، فبقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة ، وإذا قد طلع لها ذكر رجلٍ ، ونبتت لحيته ، فكان له فرج امرأة وذكر رجل ، ونبتت لحيته ، فكان له فرج امرأة وذكر رجل . قال : وفيها ذبح إنسانٌ بالموصل رأس غنم ، فإذا لحمه ورأسه ومعلاقه مرّ شديد المرارة ، وهذا شيء لم يسمع بمثله .
وفي ذي الحجّة زلزلت الموصل ، وغيرها ، وخرب أكثر شهرزور ، لا سيما القلعة ، فإنّها أجحفت بها ، وبقيت الزلزلة تتردّد عليهم نيفاً وثلاثين يوماً ، وخرب أكثر قرى تلك الناحية . وفي هذه السّنة انخسف القمر مرّتين . وفيها برد ماء عين القيّارة حتّى كان السّابح يجد البرد ، فتركوها ، وهي معروفةٌ بحرارة الماء ، بحيث إنّ السّابح فيها يجد الكرب ، وكان بردها في هذه السّنة من العجائب .
وفيها كثرت الذّئاب ، والخنازير ، والحيّات ، وقتل كثير منها . وفيها كان قحطٌ وجراد كثير بالموصل ، وجاء بردٌ كبار أفسد الزّرع والمواشي ، قيل : كان وزن البردة مائتي درهم ، وقيل : رطلاً بالموصلي . وفي رجب توفي أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله ، وكانت خلافته تسعة أشهر ونصفاً .
وبويع ابنه الأكبر أبو جعفر المستنصر بالله ، فبايعه جميع إخوته وبنو عمّه . قال ابن السّاعي : حضرت بيعته العامّة ، فلمّا رفعت السّتارة ، شاهدته وقد كمّل الله صورته ومعناه ، وعمره إذ ذاك خمسٌ وثلاثون سنة ، وكان أبيض مشرباً حمرة ، أزج الحاجبين ، أدعج العينين ، سهل الخدّين ، أقنى ، رحب الصدر ، عليه قميص أبيض ، وبقيار أبيض مسكّن ، عليه طرحة قصب بيضاء ، ولم يزل جالساً إلى أن أذن الظهر ثم جلس أن أذن الظّهر ، ثمّ جلس كذلك يوم الأحد ويوم الاثنين ، وأحضر بين يدي الشبّاك شمس الدّين أحمد ابن النّاقد ، وقاضي القضاة أبو صالح الجيليّ ، فرقيا المنبر ، فقال الوزير مؤيّد الدّين القمّيّ لقاضي القضاة : أمير المؤمنين قد وكّل أبا الأزهر أحمد هذا وكالةً جامعة في كلّ ما يتجدّد من بيعٍ وإقرار وعتق وابتياع . فقال القاضي : أهكذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : نعم ، فقال القاضي : ولّيتني يا أمير المؤمنين ما ولاّني والدك رحمة الله عليه ؟ فقال : نعم ، وليتك ما ولاّك والدي ، فنزلا ، وأثبت القاضي الوكالة بعلمه .
وفي شعبان قدم الصّاحب ضياء الدّين نصر الله ابن الأثير رسولاً عن صاحب الموصل بدر الدّين ، فأورد الرسالة وهذه نسختها : ما لّيل والنهار لا يعتذران وقد عظم حادثهما ، وما للشمّس والقمر لا ينكسفان وقد فقد ثالثهما . فيا وحشة الدّنيا وكانت أنيسةً ووحدة من فيها لمصرع واحد وهو سيّدنا ، ومولانا ، الإمام الظّاهر أمير المؤمنين ، الّذي جعلت ولايته رحمةً للعالمين ، واختير من أرومة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ؛ الّذي هو سيّد ولد آدم ، ثمّ ذكر فصلاً . قال ابن السّاعي : وخلعت الخلع ، فبلغني أنّ عدّتها ثلاثة آلاف خلعة وخمسمائة ونيّف وسبعون خلعة ، وركب الخليفة ظاهراً لصلاة الجمعة بجامع القصر ، وركب ظاهراً يوم الاثنين الآتي في دجلة بأبّهة الخلافة ، ثمّ ركب والنّاس كافّةً مشاة ، ووراءه الشّمسة ، والألوية المذهّبة ، والقصع تضرب وراء السّلاحيّة ، فقصد السرادق الّذي ضرب له ، ونزل به ساعة ، ثمّ ركب وعاد في طريقه .
وفيها التقى جلال الدّين ملك الخوارزميّة الكرج ، وكانوا في جمعٍ عظيم إلى الغاية ، فكسرهم ، وأمر عسكره ، أن لا يبقوا على أحدٍ ، فتتبّعوا المنهزمين ، ولم يزالوا يستقصون في طلب الكرج إلى أن كادوا يفنونهم . ثمّ نازل تفليس وأخذها عنوةً ؛ وكانت دار ملك الكرج ، وقد أخذوها من المسلمين من سنة خمس عشرة وخمسمائة ، وخرّبوا البلاد ، وقهروا العباد ، فاستأصلهم الله في هذا الوقت ، ولكلّ أجلٍ كتاب .