حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ثمان وعشرين وستمائة

سنة ثمان وعشرين وستمائة في رجب وصل رجل من المغرب وأخبر أنّ بعض بني عبد المؤمن صعد الجبل ، وجمع من أمم البربر نحو مائتي ألف ، ونزل بهم ، وهاجم مرّاكش وقتل عمّه ، وكان قد ولي الأمر دونه ، وقتل من أصحابه نحواً من خمسة عشر ألفاً . وسيّر إلى الأندلس يهدّد ابن هود ، فأطاعه بشرط أن لا يكون عنده أحد من الموحّدين إلاّ إذا احتاج إليهم للغزاة . وفي رجب وصل قزوينيّ إلى الشّام فأخبر أنّ التّتر خرجوا إلى الخوارزميّ ، وأنّهم كسروه أقبح كسرة .

وأنّ الكفّار الّذين كانوا في جملة عسكره غدروا به ، وعادوا إلى أصحابهم ، وأنّ المجمّعة كلّهم تفرّقوا عنه ، وبقي في ضعفةٍ من أصحابه وهم قليلون لا سبدٌ لهم ولا لبد ، وهكذا كلّ ملك يؤسّس على الظّلم يكون سريع الهدم . وقال ابن الأثير - وهذه السّنة هي آخر كتابه - قال : في أوّلها وصل التّتار من بلاد ما وراء النّهر ، وقد كانوا يعبرون كلّ قليل ، ينهبون ما يرونه ، فالبلاد خاوية على عروشها . فلمّا انهزم جلال الدّين خوارزم شاه في العام الماضي أرسل مقدّم الإسماعليّة يعرّف التّتار ضعف جلال الدّين ، فبادرت طائفة وقصدوا أذربيجان ، فلم يقدم جلال الدّين على لقائهم ، فملكوا مراغة فعاثوا بأذربيجان ، فسار هو إلى آمد ، وتفرّق جنده ، فبيّته التّتار ليلةً ، فنجا وتفرّق أصحابه في كلّ وجه .

فقصد طائفةٌ منهم حرّان ، فأوقع بهم الأمير صواب مقدّم الملك الكامل بحرّان ، فقصد طائفة منهم سنجار والموصل وغير ذلك . وتخطّفتهم الملوك والرّعيّة ، وطمع فيهم كلّ أحدٍ حتّى الفلاّحون والأكراد ، وانتقم الله منهم . ودخل التّتار ديار بكر في طلب جلال الدّين ، لا يعلمون أين سلك ؟ فسبحان من بدّل عزّهم ذلاًّ ، وكثرتهم قلّة ، وأخذت التّتار إسعرد بالأمان ، ثمّ غدروا بهم ، وبذلوا فيهم السّيف .

ثمّ ساروا منها إلى مدينة طنزة ، ففعلوا فيها كذلك . ثمّ ساروا في البلاد يخرّبونها إلى أن وصلوا ماردين ، وإلى نصيبين ، إلى أن قال : وخرجت هذه السّنة ولم يتحقّق لجلال الدّين خبر ، ولا يعلم هل قتل ؟ أو اختفى ؟ والله أعلم . قلت : وفي المحرّم وصل الملك مظفّر الدّين صاحب إربل إلى بغداد ، واحتفل بقدومه ، وجلس المستنصر بالله له ، وحضر أرباب الدولة كلّهم ، ورفع السّتر عن الشّبّاك ، فإذا المستنصر جالس ، فقبّل الجميع الأرض .

ورقي نائب الوزارة مؤيّد الدّين ، وأستاذ الدّار مراقي من الكرسيّ المنصوب بين يدي الشّبّاك . واستدعي مظفّر الدّين ، فطلع ، وأشار بيده بالسّلام على المستنصر ، ثمّ قرأ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الآية ، فردّ المستنصر عليه السّلام ، فقبّل الأرض عدّة مرار ، فقال له : إنّك اليوم لدينا مكينٌ أمين في كلام مضمونه : ثبت عندنا إخلاصك في العبوديّة . فقبّل الأرض ، وأذن له في الانكفاء ، وأسبلت الأستار ، وأدخل حجرة ، فخلع عليه فرجيّة ممزج ، ومن تحتها قباء أطلس أسود ، وعمامة قصب كحليّة بطرز ذهب ، وقلّد سيفين محلاّيين بالذّهب ، وأمطي فرساً بسرج ذهبٍ ، وكنبوش ومشدّة حرير ، ورفع وراءه سنجقان مذهّبان .

ثمّ اجتمع بالخليفة يوماً آخر ، وخلع عليه أيضاً ، وأعطي رايات وكوسات وستّين ألف دينار ، وخلع على جماعة من أصحابه . وفيها جدّد لمشهد أبي بكر من جامع دمشق إمامٌ راتب . وفيها كان الغلاء بمصر لنقص النّيل .

وفيها قدم الملك الأشرف دمشق ، وحبس الحريريّ بقلعة عزّتا ، وأفتى جماعةٌ بقتله وزندقته ، فأحجم السّلطان عن القتل . وأمر السّلطان بشراء دار الأمير قيماز النّجميّ ، لتعمل دار حديث ، فهي الدّار الأشرفية ، وأن يكون للشيخ سبعون درهماً ، وهو الجمال أبو موسى ابن الحافظ ، فمات أبو موسى قبل أن يكمل بناؤها . وفيها درّس بالتّقويّة العماد الحرستانيّ ، وبالشّاميّة الجوّانيّة ابن الصّلاح .

وحضر الملك الصّالح الدّرس ؛ وتكلّموا في هذه المدرسة ، وأرادوا إبطالها ، وقالوا : وهي وقف على الحنفيّة ، وعملوا محضراً أن سودكين المعروفة به أوّلاً وقفها على الحنفيّة ، وشهد ثلاثة بذلك بالاستفاضة ، فلم ينهض بذلك . وفيها صلب التّاج التّكريتيّ الكحّال ؛ لأنّه قتل جماعةً ختلاً في بيته ، ودفنهم ، ففاحت الرائحة ، وعدمت امرأةٌ عنده ، فصلب ، وسمّروه . ودرّس بالصّاحبيّة - مدرسة ربيعة خاتون - النّاصح ابن الحنبليّ ، وكان يوماً مشهوداً ، حضرت الواقفة وراء الستر .

موقع حَـدِيث