محمد أبو نصر ابن أمير المؤمنين النّاصر لدين الله أحمد ابن المستضيء
محمد ، أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله أبو نصر ابن أمير المؤمنين النّاصر لدين الله أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحسن بن يوسف الهاشميّ العباسيّ البغداديّ . ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ، وبايع له أبوه بولاية العهد في سنة خمس وثمانين ، وخطب له على المنابر ، ونثر عند ذكره الدّنانير وعليها اسمه . ولم يزل الأمر على ذلك حتى قطع ذلك أبوه في سنة إحدى وستمائة وخلعه وأكرهه ، وزوى الأمر عنه إلى ولده الآخر .
فلمّا مات ذلك الولد ، اضطرّ أبوه إلى إعادته ، فبايع له وخطب له في شوّال سنة ثمان عشرة . واستخلف عند موت والده ، فكانت خلافته تسعة أشهر ونصفاً . وقد روى عن والده بالإجازة قبل أن يستخلف .
قال ابن النّجّار : تقدّم أبوه بجلوسه بالتّاج الشريف في كلّ جمعة ، ويقعد في خدمته أستاذ الدّار ، ليقرأ عليه مسند أحمد بن حنبل بإجازته من والده . ثمّ قال : أخبرنا أبو صالح الجيليّ ، قال : أخبرنا الظّاهر بأمر الله أبو نصر بقراءتي ، قال : أنبأنا أبي ، قال : أنبأنا عبد المغيث بن زهير وغيره ، قالوا : أخبرنا ابن الحصين ، فذكر حديثاً بهذا السّند النّازل - كما ترى - . قال ابن الأثير في كامله : ولمّا ولي الظّاهر أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنّة العمرين ؛ فإنّه لو قيل : ما ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقاً ، فإنّه أعاد من الأموال المغصوبة ، والأملاك الموخوذة في أيام أبيه وقبلها شيئاً كثيراً ، وأطلق المكوس في البلاد جميعها ، وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق ، وبإسقاط جميع ما جدّده أبوه ، وكان ذلك كثيراً لا يحصى ؛ فمن ذلك : بعقوبا ، كان يحصل منها قديماً عشرة آلاف دينار ، فلمّا استخلف النّاصر كان يؤخذ منها في السنة ثمانون ألف دينار ، فاستغاث أهلها ، وذكروا أنّ أملاكهم أخذت ، فأعادها الظّاهر إلى الخراج الأوّل ، ولمّا أعاد الخراج الأصليّ على البلاد حضر خلقٌ ، وذكروا أنّ أملاكهم قد يبست أكثر أشجارها وخربت ؛ فأمر أن لا يؤخذ إلاّ من كلّ شجرةٍ سالمةٍ ، وهذا عظيمٌ جداً .
ومن عدله أنّ سنجة المخزن كانت راجحةً نصف قيراط في المثقال يقبضون بها ، ويعطون بسنجة البلد ، فخرج خطّه إلى الوزير وأوّله : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الآيات ، وفيه : قد بلغنا كذا وكذا فتعاد سنجة الخزانة إلى ما يتعامل به النّاس . فكتبوا إليه ؛ إنّ هذا فيه تفاوت كثير ، وقد حسبناه في العام الماضي ، فكان خمسةً وثلاثين ألف دينار . فأعاد الجواب ينكر على القائل ويقول : يبطل ولو أنّه ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار .
ومن عدله : أنّ صاحب الدّيوان قدم من واسط ومعه أزيد من مائة ألف دينار من ظلمٍ ، فردّها على أربابها ، وأخرج المحبّسين ، وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليوفيها عمّن أعسر . وقيل له : في هذا الّذي تخرجه من الأموال لا تسمح نفسٌ ببعضها ، فقال : أنا فتحت الدّكّان بعد العصر ، فاتركوني أفعل الخير ، فكم بقيت أعيش ؟ قال : وتصدّق ليلة النّحر بشيءٍ كثير . قلت : ولم يأت عليه عيدٌ سواه ، فإنّ عيد الفطر كان يوم مبايعته .
قال : تصدّق وفرّق في العلماء والصلحاء مائة ألف دينار . وكان نعم الخليفة ، جمع الخشوع مع الخضوع لربّه والعدل والإحسان إلى رعيّته ، ولم يزل كلّ يوم يزداد من الخير والإحسان . وكان قبل موته قد أخرج توقيعاً بخطّه إلى الوزير ليقرأه على الأكابر ، فقال رسوله : أمير المؤمنين يقول : ليس غرضنا أن يقال : برز مرسومٌ أو نفذ مثال ، ثمّ لا يبين له أثرٌ ، بل أنتم إلى إمام فعّالٍ أحوج منكم إلى إمام قوّال ، فقرأه الوزير ، فإذا في أوّله : اعلموا أنّه ليس إمهالنا إهمالاً ، ولا إغضاءنا إغفالاً ، ولكن لنبلوكم أيّكم أحسن أعمالاً ، وقد عفونا لكم عمّا سلف من إخراب البلاد ، وتشريد الرّعايا ، وتقبيح السّمعة ، وإظهار الباطل الجليّ في صورة الحقّ الخفيّ حيلةً ومكيدةً ، وتسمية الاستئصال والاجتياح استيفاءً واستدراكاً لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من براثن ليث باسلٍ وأنياب أسدٍ مهيب ، تتّفقون بألفاظٍ مختلفة على معنىً واحدٍ وأنتم أمناؤه وثقاته ، فتميلون رأيه إلى هواكم ، فيطيعكم وأنتم له عاصون .
والآن فقد بدّل الله بخوفكم أمناً ، وبفقركم غنىً ، وبباطلكم حقّاً ، ورزقكم سلطاناً يقيل العثرة ، ولا يؤاخذ إلاّ من أصرّ ، ولا ينتقم إلاّ ممّن استمرّ ، يأمركم بالعدل وهو يريده منكم ، وينهاكم عن الجور ويكرهه لكم ، يخاف الله ويخوّفكم مكره ، ويرجو الله ويرغّبكم في طاعته . فإن سلكتم مسالك نواب خلفاء الله في أرضه وأمنائه على خلقه ، وإلاّ هلكتم ، والسلام . قال : ولمّا توفّي وجد في بيتٍ من داره ألوف رقاعٍ كلّها مختومة لم [ يفتحها ] فقيل له : لم لا تفتحها ؟ قال : لا حاجة لنا فيها ، كلّها سعايات .
وقال أبو شامة في تاريخه : وكان أمير المؤمنين أبو نصر ، جميل الصورة ، أبيض مشرباً حمرة ، حلو الشّمائل ، شديد القوى ، بويع وهو ابن اثنتين وخمسين سنة . فقيل له : ألا تتفسّح ؟ قال : قد لقس الزّرع ، فقيل : يبارك الله في عمرك ، قال : من فتح دكّاناً بعد العصر أيشٍ يكسب ؟ ثمّ إنّه أحسن إلى النّاس ، وفرّق الأموال ، وأبطل المكوس ، وأزال المظالم . وقال أبو المظفّر الجوزيّ : حكيّ لي عنه : أنه دخل إلى الخزائن ، فقال له خادم : في أيامك تمتلئ ، فقال : ما فعلت الخزائن لتملأ ، بل لتفرغ ، وتنفق في سبيل الله تعالى ، فإنّ الجمع شغل التّجّار ! وقال ابن واصل : أظهر العدل ، وأزال المكس ، وظهر للنّاس ، وكان أبوه لا يظهر إلاّ نادراً .
قلت : توفّي في ثالث عشر رجب ، وبويع بعده ولده المستنصر بالله .