عيسى ابن المحدّث أبي محمد عبد العزيز بن عيسى
عيسى ابن المحدّث أبي محمد عبد العزيز بن عيسى بن عبد الواحد بن سليمان اللّخميّ الأندلسيّ الشّريشيّ ثم الإسكندرانيّ المقرئ ، أبو القاسم . سمّعه أبوه من السّلفيّ أجزاءً فيها كثرةً ، وكان له بها أصولٌ . وكان مقرئًا بصيرًا بالقراءات المشهورة والشواذ .
تصدّر للإقراء ببلده مدةً ، وقرأ عليه الشيخ زين الدّين عبد السلام الزّواوي ، ورشيد الدّين أبو بكر بن أبي الدّر ، والتّقيّ يعقوب بن بدران الجرائديّ . وحدّث عنه الحافظ عبد العظيم ، والكمال العبّاسيّ الضرير ، والحافظ محبّ الدّين بن النجار ، وإسحاق بن أسد ، وجماعة من المحدّثين والقرأة ، وحدّثنا عنه أبو محمد الحسن سبط زيادة . ولد سنة خمسين وخمسمائة ظنًا .
وأقرأ بمصر أيضًا . وكان غير ثقة ولا صادقٍ مع جلالته وفضائله . قرأت بخطّ عمر بن الحاجب ، قال : كان لو رأى ما رأى قال : هذا سماعي ، أو لي من هذا الشيخ إجازة .
قال : وكان يقول : جمعت كتابًا في القراءات فيه أربعة آلاف رواية . ولم يكن أهل بلده يثنون عليه . وكان فاضلًا ، مقرئًا ، كيّس الأخلاق ، مكرمًا لأهل العلم .
قلت : وكان قد قرأ القراءات السبع على أبي الطيّب عبد المنعم بن يحيى بن الخلوف الغرناطيّ نزيل الإسكندرية سنة بضعٍ وسبعين ، ومات سنة ستّ وثمانين . وكان قد أخذ القراءات عن والده ابن الخلوف وشريح . وأسند القراءات و التّيسير عنه في إجازته للزّواوي في سنة ستّ عشرة وستمائة .
ولم يذكر له شيخًا سوى أبي الطّيب ، وإنما ذكر وكثر في أواخر عمره ، نسأل الله السلامة ، ولو كان قرأ على أبي القاسم بن خلف الله صاحب ابن الفحّام لكان له إسنادٌ عالٍ كصاحبيه أبي الفضل الهمدانيّ ، وجمال الدّين الصّفراويّ ، وما جسر - مع وجودهما - أن يزعم أنه قرأ على شيخهما . لكنّي بأخرةٍ قرأت بخطّ ابن مسدي : سمع من عبد الرحمن بن خلف الله ، وقرأ عليه بالروايات ، وعلى ابن سعادة الدّاني . وابن سعادة - هذا - من أصحاب ابن هذيل وطبقته فأغرب عنه بـ التيسير عن عبد القدوس ، عن أبي عمرو الدّاني .
وكتب إليه مخبرًا أبو الفتوح ، وأبو الحسن الأرتاحيّ ، وأبو سعد السّمعانيّ . وقفت على أثباته ودستور إجازاته وما ذكرته فمن ذلك ، إلى أن قال : وله كتاب الجامع الأكبر والبحر الأزخر في اختلاف القرّاء ، يحتوي على سبعة آلاف رواية وطريق . ومن هذا الكتاب وقع الناس فيه ، والله أعلم بما يخفيه .
جمعت عليه ختمةً بالسبع من طريق التّجريد ، وسمعت منه كثيرًا . قال : وولد سنةً أربع وخمسين وخمسمائة . وفي أسانيده تخليطٌ كثير ، وأنواع من التّركيب والشّره .
في كلامٍ نحو هذا لابن مسدي . وقد سألت عنه العلاّمة أبا حيّان الأندلسي - أبقاه الله - فكتب إليّ فيما كتب : كان له اعتناءٌ كثير بالقراءات ، وتصانيف عدّة . وكان أبوه قد اعتنى به في صغره .
وكان فقيهًا ، مفتيًا . قرأ عليه النّاس وأخذوا عنه ، وتكلّم بعضهم فيه . وقفت على إجازته لأبي يوسف يعقوب بن بدران الجرائديّ وقد قرأ عليه بالسبع ، وقراءة يعقوب ، وابن القعقاع ، وابن محيصن ، وأشهد على نفسه له بها في صفر سنة سبعٍ وعشرين ، وأسند فيها عن أبي طاهر السّلفيّ .
وذكر أنه أجازه أبو الفتوح ناصر بن الحسن الخطيب . وأسند في هذه الإجازة عن رجلين ، أحدهما : أبو محمد عبد الله بن محمد بن خلف بن سعادة الأصبحيّ الدّاني - وسيأتي ذكره - وأنه قرأ عليه أربعةً وثلاثين كتابًا ، وتلا عليه بكلّهنّ ، منها كتاب التّيسير ثم ساق أسماءها جميعًا . ثمّ سمّى بعدها خمسة عشر كتابًا ذكر أنّه تلا بهنّ كلّهنّ على عبد الله هذا .
وذكر الشيوخ الّذين روى عنهم القرآن والكتب المذكورة ، وأسندها عنهم شيخه عبد الله بن محمد بن خلف ، فذكر منهم أبا مروان عبد الملك بن عبد القدّوس - وأنه قرأ على أبي عمرو الدّاني - وأبا الحسن شريح بن محمد ، وسليمان بن عبد الله بن سليمان الأنصاريّ ، عن أبي معشر الطّبريّ ، وذكر أبا سعيد رحمة بن موسى القرطبيّ ، عن مكيّ بن أبي طالب ، وأبي عليّ الأهوازي ، وغيرهما ، وأبا عبد الله محمد بن جامع الأندلسيّ ، عن يعقوب بن حامد ، عن أبي عبد الله بن سفيان مؤلّف الهادي ، وأبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن المقرئ ، وأبا الحجّاج يوسف بن علي بن حمدان ، وأبا عبد الله الخولاني ، وأبا محمد عبد الله بن محمد بن السّيد البطليوسيّ . وأما عبد الملك ، ورحمة ، وسليمان ، وابن جامع ، وابن حمدان ، فمجاهيل أو لم يكونوا موجودين في الدّنيا ، بل هي أسماء موضوعة لغير موجود ! وأما محمد بن عبد الرحمن ، فإنه توفّي بعد الخمسمائة . وذكر له شيخنا أبو حيّان ترجمة ، ثمّ قال : ثم الّذين أرّخوا في علماء أهل الأندلس ذكروا أبا محمد هذا شيخ ابن عيسى فلم يذكروا في شيوخه أحدًا من هؤلاء ، هذا مع علمهم ، واطّلاعهم على أحوال أهل بلادهم .
ثم قال : أخبرنا الخطيب أبو عبد الله محمد بن صالح الكنانيّ الشاطبيّ إجازةً ، وغيره عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعيّ عرف بالأبّار صاحب كتاب التكملة ، قال : عبد الله بن محمد بن خلف بن سعادة الأصبحي من أهل دانية ، يكنى أبا محمد ، سمع أبا بكر بن نمارة ، ولازم ببلنسية أبا الحسن بن سعد الخير ، ثمّ رحل إلى المشرق ، فسمع بالإسكندرية من أبوي الطّاهر السّلفيّ وابن عوف ، وغيرهما . حدّث عنه أبو القاسم عيسى بن الوجيه أبي محمد عبد العزيز الشّريشيّ وحمّله الرواية عن قومٍ لم يرهم ولا أدركهم وبعضهم لا يعرف ، وذلك من أوهام هذا الشيخ عيسى واضطّرابه في روايته ، وسمع أيضًا من أبي عبد الله الحضرميّ ، وأبي القاسم عليّ بن مهديّ الإسكندرانيّ ، وأكثر عنهم . إلى أن قال شيخنا أبو حيّان : وأبو عبد الله الأبّار متى عرض له في تاريخه ذكر أبي القاسم بن عيسى يحذّر منه حتى إنّه يذكره في موضع وقال : إنما أكرّر الكلام عليه ليحذر منه ، أو قريبًا من هذا المعنى أو نحوه .
وذكر أيضًا أنه نسب دواوين شعر لناسٍ ما نظموا حرفًا قطّ ولا علم ذلك منهم . ثمّ قال أبو حيّان : فانظر إلى ابن عيسى كيف ادّعى أنه قرأ على ابن سعادة القرآن بنحوٍ من خمسين كتابًا ! ! وأنه قرأ منها أربعة وثلاثين كتابًا ؟! ونسبته إلى الرواية عن هؤلاء المشايخ الذين ما ذكر أحدٌ أنه روى عن واحدٍ منهم ، بل أكثر ما ذكر له الأبّار رجلان من أهل الأندلس ابن نمارة ، وابن سعد الخير ، نعوذ بالله من الكذب والخذلان ، وآخر من روى القراءات تلاوةً عن واحد عن أبي عمرو الدّاني فيما علمنا أبو الحسن بن هذيل ، وتوفّي سنة أربعٍ وستين وخمسمائة ، فكيف يكون ابن سعادة يحدّث بالتّلاوة عن واحدٍ عن أبي عمرو وكان حيًّا في سنة ثلاثٍ وسبعين ؟ وربما عاش بعد ذلك سنين . قال : وأما الرجل الآخر الذي روى عنه أبو القاسم بن عيسى القراءات ، فهو أبو الحسن مقاتل بن عبد العزيز بن يعقوب ، قال : قرأت عليه التّجريد لابن الفحّام وبما تضمّنه ، حدّثني به عن مؤلّفه .
وبهذا السند قرأت عليه مفرداته العشر ، وقرأت عليه كتاب تلخيص العبارات لابن بلّيمة ، وتلوت عليه بما تضمّنه ، حدّثني به عن مؤلّفه ، وتلوت عليه بكتاب العنوان ، حدّثني به عن الحسن بن خلف ، عن مؤلّفه ، وعن ابن مؤلّفه ، عن أبيه . قال ابن عيسى : وتلوت عليه وعلى غيره من المقرئين بكتبٍ كثيرة لا تسع هذه الإجازة ، وهي مذكورة في كتاب التّبيين في ذكر من قرأ عليه ابن عيسى من المقرئين . ومن هذه الكتب والكتب التي بقيت ولم نذكرها التي تلوت بها على بقية شيوخي هي التي خرّجت منها سبعة آلاف رواية التي تلوت بها .
قال أبو حيّان : ومقاتل بن عبد العزيز هذا الذي ذكره أنه روى عن ابن الفحّام ، وابن بلّيمة لا نعلمه إلاّ من جهة ابن عيسى فينبغي أن يبحث عن مقاتل أكان موجودًا ؟ وليس ذلك ؛ لأن يصحّ إسناد ابن عيسى عنه ، فإنّ إسنادًا فيه ابن عيسى لن يصحّ أبدًا . قلت : أقطع بأنّ رجلًا اسمه مقاتل منعوتٌ بأخذ القراءات عن الأربعة المذكورين والحالة هذه لم يوجد أبدًا ولا خلق قطّ . وقد طال الخطاب في كشف حال الرّجل .
وبدون ما ذكرنا يترك الشخص ، أما خاف من الله إذ زعم أنه صنّف كتابًا فيه سبعة آلاف رواية ؟ فوالله إنّ القرّاء كلهم من الصّحابة إلى زمانه - أعني الذين سمّوا من أهل الأداء في المشارق والمغارب ودوّنوا في التّواريخ - لا يبلغون سبعة آلاف بل ولا أربعة آلاف وأنا متردّدٌ في الثلاثة آلاف هل يصلون إليها أم لا ؟ هذا أبو القاسم الهذليّ الذي لم يرحل أحدٌ في القراءات ولا في الحديث مثله ، وله مائة شيخ قرأ عليهم القرآن ، جمع في كتابه الغثّ والسّمين ، والمشهور والشاذّ ، والعالي والنازل ، وما تحلّ القراءة به وما لا تحل ، وأربى على المتقدمين والمتأخرين - لم يمكنه أن يأتي في كتابه بأكثر من خمسين رواية من ألف طريق ، وقد يكون الطريق مثل أن يروي مسلم الحديث عن قتيبة ، عن الليث ، وعن عبد الملك بن شعيب بن اللّيث ، عن أبيه ، عن الليث ، فيسمّي ذلك طريقين . وقد تفرّد القاضي تقيّ الدين سليمان بالإجازة منه . وتوفّي في سابع جمادى الآخرة .
وما أنا ممّن يتّهم بالحطّ على ابن عيسى ، فلو كنت مداهنًا أحدًا لداهنت في أمره ، لأنّني قرأت التّيسير في مجلس على سبط زيادة بأصل سماعه منه . قال : أخبرنا عبد الله بن محمد بن خلف ، قال : أخبرنا ابن عبد القدّوس عن مؤلّفه ، فوددت لو ثبت لي هذا الإسناد العالي ، لكنّه شيء لا يصحّ . وأمّا إجازته من الشريف الخطيب ، فصحيحة إن شاء الله ، قد سمع بها الحافظ ابن النّجّار ، وغيره .
وقرأت كتاب العنوان في القراءات على سبط زيادة ، بسماعه من ابن عيسى ، بإجازته من الخطيب . قال : أخبرنا أبو الحسين الخشّاب ، قال : أخبرنا المصنّف .