كوكبوري بن عليّ بن بكتكين بن محمد
كوكبوري بن عليّ بن بكتكين بن محمد ، السّلطان الملك المعظّم مظفّر الدين أبو سعيد ابن صاحب إربل الأمير زين الدين أبي الحسن عليّ كوجك التّركمانيّ ، وكوجك : لفظ أعجميّ معناه لطيف القدّ . كان شجاعًا ، شهمًا ، ملك بلادًا كثيرة - أعني عليّ كوجك - ثمّ فرّقها على أولاد الملك قطب الدين مودود صاحب الموصل . وكان موصوفًا بالقوّة المفرطة ، وطال عمره ، وحجّ هو والأمير أسد الدّين شيركوه بن شاذي في سنة خمسٍ وخمسين وخمسمائة ، ومات في آخر سنة ثلاثٍ وستين بإربل ، وله مدرسةٌ بالموصل وأوقاف .
فلمّا مات ولي إربل مظفّر الدين هذا وهو ابن أربع عشرة سنة . وكان أتابكه مجاهد الدّين قايماز ، ثمّ تعصّب عليه مجاهد الدّين وكتب محضرًا أنّه لا يصلح واعتقله ، وشاور الخليفة في أمره . وأقام موضعه أخاه زين الدّين يوسف بن عليّ ، وطرد مظفّر الدّين عن البلاد فتوجّه إلى بغداد ، فلم يلتفتوا عليه ، فقدم الموصل ، وبها الملك سيف الدّين غازي بن مودود ، فأقطعه حرّان ، فأقام بها مدّة ، ثمّ اتّصل بخدمة السّلطان صلاح الدّين ، ونفق عليه ، وتمكّن منه ، وزاد في إقطاعه الرّها سنة ثمانٍ وسبعين ، وزوّجه بأخته ربيعة خاتون وكانت قبله عند سعد الدّين مسعود ابن الأمير معين الدّين أنر الذي ينسب إليه قصر معين الدّين .
وتوفّي سعد الدّين في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة . وشهد مظفّر الدّين مع السّلطان صلاح الدّين مواقف كثيرةً أبان فيها عن نجدةٍ وقوّةٍ ، وثبت يوم حطّين ، وبيّن . ثمّ وفد أخوه زين الدّين يوسف على صلاح الدّين نجدة ، وخدمةً من إربل ، فمرض في العسكر على عكّا وتوفّي في رمضان سنة ستٍّ وثمانين .
فاستنزل صلاح الدّين مظفّر الدّين عن حرّان والرّها ففعل ، وأعطاه إربل وشهرزور فسار إليها وقدمها في آخر السنة . ذكره القاضي شمس الدّين وأثنى عليه ، وقال : لم يكن شيء أحبّ إليه من الصّدقة ، وكان له كلّ يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرّقها ، ويكسو في السنة خلقًا ويعطيهم الدّينار والدّينارين . وبنى أربع خوانك للزّمنى والعميان ، وملأها بهم ، وكان يأتيهم بنفسه كلّ خميس واثنين ، ويدخل إلى كلّ واحد في بيته ، ويسأله عن حاله ، ويتفقّده بشيءٍ ، وينتقل إلى الآخر حتّى يدور على جميعهم ، وهو يباسطهم ويمزح معهم .
وبنى دارًا للنّساء الأرامل ، ودارًا للضعفاء الأيتام ، ودارًا للملاقيط رتّب بها جماعة من المراضع . وكان يدخل البيمارستان . ويقف على كل مريض مريض ويسأله عن حاله .
وكان له دارٌ مضيف يدخل إليها كلّ قادم من فقيرٍ أو فقيهٍ فيها الغداء والعشاء ، وإذا عزم على السفر ، أعطوه ما يليق به . وبنى مدرسة للشافعية والحنفية وكان يأتيها كلّ وقتٍ ، ويعمل بها سماطًا ثمّ يعمل سماعًا ، فإذا طاب وخلع من ثيابه سيّر للجماعة شيئًا من الإنعام ، ولم تكن له لذّةٌ سوى السّماع ، فإنّه كان لا يتعاطى المنكر ، ولا يمكن من إدخاله البلد . وبنى للصّوفية خانقاتين ، فيهما خلقٌ كثير ، ولهما أوقافٌ كثيرة ، وكان ينزل إليهم ويعمل عندهم السّماعات .
وكان يبعث أمناءه في العام مرتين بمبلغ يفتكّ به الأسرى ، فإذا وصلوا إليه أعطى كلّ واحد شيئًا . ويقيم في كلّ سنة سبيلًا للحجّ ، ويبعث في العام بخمسة آلاف دينارٍ للمجاورين . وهو أول من أجرى الماء إلى عرفات ، وعمل آبارًا بالحجاز ، وبنى له هناك تربة .
قال : وأمّا احتفاله بالمولد ، فإنّ الوصف يقصر عن الإحاطة به ، كان الناس يقصدونه من الموصل ، وبغداد ، وسنجار ، والجزيرة ، وغيرها خلائق من الفقهاء والصّوفية والوعّاظ والشعراء ، ولا يزالون يتواصلون من المحرّم إلى أوائل ربيع الأوّل ثمّ تنصب قباب خشب نحو العشرين ، منها واحدة له ، والباقي لأعيان دولته ، وكلّ قبة أربع خمس طبقات ثمّ تزيّن من أول صفر ، ويقعد فيها جوق المغاني والملاهي وأرباب الخيال ، ويبطل معاش الناس للفرجة . وكان ينزل كلّ يومٍ العصر ، ويقف على قبّة قبة ، ويسمع غناءهم ، ويتفرّج على خيالاتهم ، ويبيت في الخانقاه يعمل السّماع ، ويركب عقيب الصبّح يتصيّد ، ثم يرجع إلى القلعة قبل الظّهر ، هكذا يفعل كل يوم إلى ليلة المولد ، وكان يعمله سنةً في ثامن الشهر وسنة في ثاني عشره للاختلاف ، فيخرج من الإبل والبقر والغنم شيئًا زائدًا عن الوصف مزفوفة بالطّبول والمغاني إلى الميدان ، ثمّ تنحر وتطبخ الألوان المختلفة ، ثمّ ينزل وبين يديه الشّموع الكبيرة وفي جملتها شمعتان أو أربع - أشكّ - من الشموع الموكبية التي تحمل كلّ واحدةٍ على بغلٍ يسندها رجل ، حتّى إذا أتى الخانقاه نزل . وإذا كان صبيحة يوم المولد أنزل الخلع من القلعة على أيدي الصّوفية في البقج ، فينزل شيءٌ كثير ، ويجتمع الرؤساء والأعيان وغيرهم ، ويتكلّم الوعاظ ، وقد نصب له برج خشب له شبابيك إلى النّاس وإلى الميدان وهو ميدان عظيم يعرض الجند فيه يومئذٍ ينظر إليهم تارةً وإلى الوعّاظ تارةً ، فإذا فرغ العرض ، مدّ السّماط في الميدان للصّعاليك وفيه من الطّعام شيء لا يحدٌ ولا يوصف ، ويمدّ سماطًا ثانيًا في الخانقاه للناس المجتمعين عند الكرسي ، ولا يزالون في الأكل ولبس الخلع وغير ذلك إلى العصر ، ثمّ يبيت تلك الليلة هناك ، فيعمل السّماعات إلى بكرة .
وقد جمع له أبو الخطّاب بن دحية أخبار المولد ، فأعطاه ألف دينار . وكان كريم الأخلاق ، كثير التّواضع ، مائلًا إلى أهل السّنّة والجماعة ، لا ينفق عنده سوى الفقهاء والمحدّثين ، وكان قليل الإقبال على الشّعر وأهله . ولم ينقل أنّه انكسر في مصافّ .
ثمّ قال : وقد طوّلت ترجمته لما له علينا من الحقوق التي لا نقدر على القيام بشكره ، ولم أذكر عنه شيئًا على سبيل المبالغة ، بل كلّ ذلك مشاهدة وعيان . ولد بقلعة إربل في المحرّم سنة تسعٍ وأربعين وخمسمائة . وقال ابن السّاعي : طالت على مظفّر الدّين مراعاة أولاد العادل ولم يجد منهم إعانةً على نوائبه كما كان هو لهم في حروبهم .
فأخذ مفاتيح إربل وقلاعها وسار إلى بغداد وسلّم ذلك إلى المستنصر بالله في أول سنة ثمانٍ وعشرين فاحتفلوا له ، وجلس له الخليفة ، ورفع له السّتر عن الشّبّاك فقبّل الكلّ الأرض ثمّ طلع إلى كرسيّ نصب له وسلّم وقرأ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الآية . فردّ عليه المستنصر السلام ، فقبّل الأرض مرارًا . فقال المستنصر : إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ وقال ما معناه : ثبت عندنا إخلاصك في العبودية .
ثمّ أسبلت السّتارة ، ثمّ خلعوا على مظفّر الدّين وقلّد سيفين ، ورفع وراءه سنجقان مذهّبة . ثم اجتمع بالخليفة يومًا آخر ، وخلع أيضًا عليه ، ثمّ أعطي راياتٍ وكوساتٍ ، وستّين ألف دينار ، وخلعوا على خواصّه . قلت : وأمّا أبو المظفّر الجوزيّ فقال في مرآة الزمان - والعهدة عليه ، فإنّه خسّاف مجازف لا يتورع في مقاله - : كان مظفّر الدّين ابن صاحب إربل ينفق في كلّ سنة على المولد ثلاثمائة ألف دينار ، وعلى الخانقاه مائتي ألف ، وعلى دار المضيف مائة ألف ، وعلى الأسارى مائتي ألف دينار ، وفي الحرمين والسبيل ثلاثين ألف دينار .
وقال : قال من حضر المولد مرّةً : عددت على السّماط مائة فرس قشلمش ، وخمسة آلاف رأسٍ شوي ، وعشرة آلاف دجاجة ، ومائة ألف زبديّة ، وثلاثين ألف صحن حلواء . ثمّ قال ابن الجوزيّ ، وأبو شامة : توفّي سنة ثلاثين . وقال الحافظ زكيّ الدّين : توفي في هذه السنة بإربل .
سمع من حنبل الرصافي ، وغيره . وحدّث . وقال ابن خلّكان : توفّي ليلة الجمعة رابع عشر رمضان سنة ثلاثين .
ثمّ حمل وقت الحجّ بوصيّته إلى مكّة ، فاتّفق أنّ الحاجّ رجعوا تلك السنة لعدم الماء ، وقاسوا شدّةً فدفن بالكوفة . وكوكبريّ : كلمة تركية معناها : ذئب أزرق .