613 - محمد بن محمد بن عبد الكريم بن برز ، الوزير مؤيّد الدّين القميّ أبو الحسن الكاتب البليغ . قال ابن النّجّار : قدم بغداد في صحبة الوزير ابن القصّاب وكان خصّيصًا به ، فلمّا توفّي ، قدم القمّي بغداد ، وقد سبقت له معرفةٌ بالدّيوان ؛ ويقال : إنّ ابن القصّاب وصفه للنّاصر لدين الله ، فحصلت له مكانةٌ بذلك . ولمّا رتّب ابن مهدي في نيابة الوزارة ، ونقابة الطّالبيّين ، اختصّ به ، وتقدّم عنده ، وكانا جارين في قمّ ، ومتصاحبين هناك . ولمّا مات أبو طالب بن زبادة كاتب الإنشاء ، رتّب القمّي مكانه في سنة أربع وتسعين وخمسمائة ، ولم يغيّر هيئة القميص والشربوش على قاعدة العجم . ثمّ ناب أبو البدر بن أمسينا في الوزارة وعزل في سنة ستّ وستمائة ، فردّت النّيابة وأمور الدّيوان إلى القمّي ، ونقل إلى دار الوزارة ، وحضر عنده الدّولة ، ولم يزل في علوّ من شأنه وقربٍ وارتفاع ، حتّى إنّ الناصر لدين الله كتب بخطّه ما قرئ في مجلس عام : محمد بن محمد القمّي نائبنا في البلاد والعباد ، فمن أطاعه فقد أطاعنا ، ومن أطاعنا فقد أطاع الله ، ومن عصاه فقد عصانا ، ومن عصانا فقد عصى الله . ولم يزل إلى أن ولي الظاهر بأمر الله ، فأقرّه على ولايته ، وزاد في مرتبته ، وكذلك المستنصر بالله قرّبه ورفع قدره وحكّمه في العباد . ولم يزل في ارتقاء إلى أن كبا به جواد سعده ، فعزل ، وسجن بدار الخلافة وخبت ناره ، وذهبت آثاره ، وانقطعت عن الخلق أخباره . قال : وكان كاتبًا سديدًا بليغًا وحيدًا ، فاضلًا ، أديبًا ، عاقلًا ، لبيبا ، كامل المعرفة بالإنشاء ، مقتدرًا على الارتجال ، متصرّفًا في الكلام ، متمكّنًا من أدوات الكتابة ، حلو الألفاظ ، متين العبارة ، يكتب بالعربيّ والعجميّ كيف أراد ، ويحلّ التّراجم المغلقة . وكان متمكّنًا من السياسة وتدبير الممالك ، مهيبًا ، وقورًا ، شديد الوطأة ، تخافه الملوك وترهبه الجبابرة . وكان ظريفًا لطيفًا ، حسن الأخلاق ، حلو الكلام ، مليح الوجه ، محبًّا للفضلاء ، وله يد باسطة في النّحو واللّغة ، ومداخلةٌ في جميع العلوم . إلى أن قال : أنشدني عبد العظيم بن عبد القويّ المنذري ، قال : أخبرنا عليّ بن ظافر الأزديّ ، قال : أنشدني الوزير مؤيّد الدّين القمّي النائب في الوزارة الناصرية ، قال : أنشدني جمال الدّين النّحويّ لنفسه في قينة : سمّيتها شجرًا صدقت لأنّها كم أثمرت طربًا لقلب الواجد يا حسن زهرتها وطيب ثمارها لو أنّها تسقى بماءٍ واحد وبه قال : وأنشدنا لنفسه : يشتهي الإنسان في الصّيف الشّتا فإذا ما جاءه أنكره فهو لا يرضى بعيشٍ واحدٍ قتل الإنسان ما أكفره ولد مؤيّد الدّين القمّي في سنة سبعٍ وخمسين وخمسمائة . وقبض عليه في شوّال سنة تسع وعشرين ، وعلى ولده أحمد ، وسجنا بدار الخلافة ، فهلك الابن أوّلًا ، ومات أبوه بعده سنة ثلاثين .
المصدر: تاريخ الإسلام
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/670074
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة