سنة خمس وثلاثين وستمائة
سنة خمس وثلاثين وستمائة فيها اختلفت العساكر الخوارزمية الذين من حيث الصالح نجم الدين أيوب عليه ، وهموا بالقبض عليه ، فهرب إلى سنجار ، وترك خزائنه فنهبتها الخوارزمية . فلما صار في سنجار ، سار إليه بدر الدين صاحب الموصل وحاصره . فطلب منه الصلح فأبى .
فبعث الملك الصالح قاضي سنجار بدر الدين وحلق لحيته ودلاه من السور ، فاجتمع بالخوارزمية وشرط لهم كل ما أرادوا . فساقوا من حران بسرعة فكبسوا بدر الدين ، فهرب على فرس النوبة ، وانتهبوا خزائنه وثقله ، واستغنوا . وفيها أخذ أسد الدين صاحب حمص عانة من صاحبها صلحا ، واحتوى عليها ، وجعل له بها واليا من البلد .
وفيها وصل إبراهيم بن الأمير خضر بن السلطان صلاح الدين إلى بغداد في ستمائة فارس ؛ لأن الخليفة كان قد سير إلى الشام مالا يستخدم به جيشا لحرب التتار ، فدخلها في شوال ، ودخل بعده الملك المظفر عمر ، والملك السعيد غازي ابنا الملك الأمجد صاحب بعلبك ، ومعهما عساكر نفذهم الكامل . وفيها كثرت الصواعق ببغداد في تشرين الأول ، فوقعت صاعقةٌ على راكب بغل ظاهر السور فأهلكتهما وأخرى في بيت يهودي ، وأخرى على نخلة بالمحول ، وأخرى في ساحة المستنصرية ، الكل في ساعة . وفيها قدم بغداد الرسول من ملكة الهند بنت السلطان شمس الدين أيتامش مملوك السلطان شهاب الدين الغوري .
وسبب ملكها أن أخاها ركن الدين تملك في السنة الماضية بعد والده ، فلم ينهض بتدبير الرعية ، وتفرقت عليه عساكره . فقبضت عليه أخته هذه ، وملكت ، وأطاعها الأمراء ، ولقبت رضية الدنيا والدين . وفيها ولي قضاء دمشق شمس الدين أحمد الخويي ، وهو أول قاض رتب مراكز الشهود بالبلد .
وكان قبل ذلك يذهب الناس إلى بيوت العدول يشهدونهم . ولم يحج أحدٌ أيضا في العام من العراق بسبب كسرة التتار لعسكر الخليفة ، وأخذ إربل في السنة الماضية . ومات السلطانان الأخوان الأشرف والكامل .
ولما انقضى عزاء الأشرف تسلطن أخوه الصالح إسماعيل أبو الخيش ، وركب ، وعن يمينه صاحب حمص الملك المجاهد أسد الدين ، وحمل الغاشية عز الدين أيبك المعظمي . وفيها وصلت التتار إلى دقوقا ، وقلق الناس ، خصوصا أهل العراق . وأخذ أبو الخيش في مصادرة الرؤساء بدمشق ، فصادر العلم تعاسيف ، وأولاد ابن مزهر ، وابن عريف البدوي .
وأخذ أموالهم وحبسهم . وأخرج الحريري من قلعة عزتا ، لكنه منعه من دخول دمشق . ثم جاء عسكر الكامل صاحب مصر إلى قريب دمشق ، فحصنها أبو الخيش ، وقسم الأبرجة على الأمراء .
وجاء عز الدين أيبك من صرخد ، فأمر بفتح الأبواب . وجاء لأجل الكامل الناصر داود صاحب الكرك فنزل المزة ، ونزل مجير الدين ، وتقي الدين ابنا العادل بالقابون ، وقدم الكامل ، فنزل عند مسجد القدم ، وقطعت المياه عن المدينة ووقع الحصار ، وغلت الأسعار ، وسد أكثر أبواب البلد . ورد الكامل ماء بردى إلى ثورى وغيره .
وأحرق أبو الخيش العقيبة والطواحين لئلا يحتمي بها المصريون . وزحف الناصر داود إلى باب توما ، ووصلت النقوب ولم يبق إلا فتح البلد . ثم تأخر الناصر إلى وطاة برزة ؛ جاءه أمر الكامل بذلك لئلا يفتح البلد على يده ، وأحرق قصر حجاج والشاغور ، وتعثر الناس وتمت قبائح .
ثم آل الأمر إلى أن أعطي الصالح إسماعيل بعلبك وبصرى ، وأخذت منه دمشق . ودخل الكامل القلعة في نصف جمادى الأولى وما هنأه الله بها ؛ بل مات بعد شهرين بدمشق . فبهت الخلق ولم يتحزنوا عليه لجبروته .
ثم اجتمع عز الدين أيبك ، وسيف الدين علي بن قليج ، وعماد الدين وفخر الدين ابنا شيخ الشيوخ ، والركن الهكاري ، وتشاوروا ، فانفصلوا على غير شيء . وكان الناصر داود بدار سامة ، فجاءه الركن الهكاري فبين له الطريق ، ونفذ إليه عز الدين أيبك يقول : أخرج الأموال ، وأنفق في مماليك أبيك ، والعوام معك ، وتملك البلد ، ويبقوا محصورين في القلعة ، فلم يصر حالٌ ، فأصبحوا واجتمعوا في القلعة ، وذكروا الناصر وذكروا الجواد ، فكان أضر ما على الناصر عماد الدين ابن الشيخ لأنه كان يتم في مجالس الكامل مباحثاتٍ ، فيخطئه الناصر ويستجهله ، فحقد عليه ، وكان أخوه فخر الدين يميل إلى الناصر ، فأشار عماد الدين بالجواد فوافقه الباقون . وأرسلوا أميرا إلى الناصر داود في الحال ، فقال : أيش قعودك في بلد القوم ؟ فقام وركب وازدحم الناس من بابه إلى القلعة ، وما شكوا أنه تسلطن ، وساق ، فلما تعدى مدرسة العماد الكاتب ، وخرج من باب الزقاق ، انعطف إلى باب الفرج ، فصاحت الناس : لا لا لا ، وانقلب البلد ، فذهب إلى القابون ، ووقع بعض الأمراء في الناس بالدبابيس ، فهربوا ، وسلطنوا الجواد ، وفتح الخزائن وبذل الأموال .
قال أبو المظفر ابن الجوزي : فبلغني أنه فرق ستمائة ألف دينار ، وخلع خمسة آلاف خلعة . وقال سعد الدين بن حمويه : بلغت النفقة تسعمائة ألف دينار وضيعوا الخزائن ، وأساءوا التدبير . وكانت النفقة في الطواشي عشرين دينارا ، وثلاثين دينارا ، وللأمير نصف ما لأجناده .
وبطلت الخمور والقحاب والمكوس ، وهموا بالقبض على الناصر ، فراح من القابون ، ووصل إلى عجلون ، ثم نزل غزة ، واستولى على الساحل ، فخرج إليه الجواد في عسكر مصر والشام ، وقال للأشرفية : كاتبوه وطمعوه . ففعلوا ، فاغتر ، وساق إلى نابلس بخزائنه ومعه سبعمائة فارس ، فأحاطت بهم الجيوش ، فانهزم جريدة ، وحازوا خزائنه وجنائبه وذخائره ، وكانت خزائنه على سبعمائة جملٍ ، واستغنوا غناء للأبد ، وافتقر هو . قال أبو المظفر : فبلغني أن عماد الدين ابن الشيخ وقع بسفط جوهر وفصوص ، فاستوهبه من الجواد فأعطاه إياه .
وتوجه فخر الدين ابن الشيخ ، وعدة أمراء إلى مصر . وفيها سلطن بمصر الملك العادل ولد الملك الكامل ، وانضم إليه حاشية أبيه . وفي ذي العقدة كانت الوقعة بين التتار وبين الأمير جمال الدين بكلك ، وعدة جيشه سبعة آلاف فارس .
وعدة العدو عشرة آلاف ، فانكسر المسلمون من بعد أن أنكوا وقتلوا خلقا من التتار ، وكادوا ينتصرون عليهم ، ووصل المنهزمون إلى بغداد ، وهلك الأكثر ، وعدم في الوقعة مقدمهم بكلك . ويقال : إنه قتل في الوقعة قريبٌ من خمسين أميرا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وكانت التتار يعيثون في الشرق ، والأمر شديدٌ بهم .