حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة سبع وثلاثين وستمائة

سنة سبع وثلاثين وستمائة في صفر خرج الملك الصالح عماد الدين إسماعيل من بعلبك وقد تهيأت له الأمور كما يريد ، وذلك بترتيب وزيره الأمين الطبيب السامري ، بعث إلى دمشق الأموال والخلع ففرقت . ثم خرج من بعلبك بالفارس والراجل على أنه متوجه إلى نجدة ابن أخيه نجم الدين أيوب ، إلى نابلس من طريق بانياس ، فبات بالمجدل . وسرح بطاقة إلى نجم الدين بأنه واصلٌ إليه ، وساق بسحرٍ وقصد دمشق ، فوصل إلى عقبة دمر ، ووقف .

فجاءه صاحب حمص أسد الدين من جهة منين ، وقصدوا باب الفراديس وهجموا البلد . فنزل الصالح في داره بدرب الشعارين ، ونزل أسد الدين بداره تجاه العزيزة . ثم أصبحوا من الغد - يوم الأربعاء - فزحفوا على القلعة ، ونقبوها من عند باب الفرج - وكان بها الملك المغيث عمر ابن الملك الصالح نجم الدين - وكان الصالح عماد الدين يكاتب ابن أخيه ويعده بالمجيء ، وسير إليه يطلب منه ولده ليصل إلى بعلبك كي يقيم عوضه في بعلبك ، فبعث به إليه .

وكان عز الدين أيبك صاحب صرخد قد كاتب الصالح عماد الدين واتفق معه . ثم إن الصالح عماد الدين ملك القلعة بالأمان ، ثم نكث وقبض على المغيث عمر ، وحبسه في برجٍ . وخربت لذلك دار الحديث الأشرفية ودورٌ وحوانيت من شأن الحصار ، ونصب على القلعة سبعة مجانيق ، وأخذوا في النقوب ، ثم أخذت بالأمان .

وبلغ نجم الدين ما جرى ، فسير عميه مجير الدين وتقي الدين ، وأيدكين وألتميش وأنفق فيهم وقال : سوقوا إلى دمشق قبل أن تؤخذ القلعة ، فساقوا ، فبلغهم أخذ القلعة ، فمالوا عن نجم الدين خوفا على أهليهم وأسبابهم ، وانضموا إلى الصالح عماد الدين ، وتم له الدست . وبقي الصالح نجم الدين في مماليكه وجاريته أم خليل ، فطمع فيه أهل الغور والقبائل . واتفق عود الملك الناصر من مصر عن غير رضى ، فأخبروه بما تم ، فأرسل عسكره ، فأحاطوا بالملك الصالح نجم الدين وحملوه على بغلة بلا مهماز ، وأحضروه إلى الناصر ، فاعتقله مكرما بالكرك سبعة أشهرٍ .

فطلب الملك العادل أخاه نجم الدين من الملك الناصر ، وبذل فيه مائة ألف دينار . وطلبه أيضا عمه الملك الصالح وصاحب حمص ، فما أجابهم الناصر . واتفق معه على أيمانٍ وعهود ، ثم خرج به ، وقصد مصر .

فلما بلغ الملوك إخراجه تألموا من الناصر وعادوه . واختلفت على الملك العادل ولد الكامل عساكره ، وكاتبوا الملك الصالح أخاه يسألونه الإسراع ، فوصل إلى بلبيس في أواخر ذي القعدة ، وبها منصوبٌ مخيم الملك العادل ، فنزل به . وذكر أبو عبد الله الجزري وغيره ، قصة نجم الدين أيوب ، قال : بقي في غلمانه وطمع فيه أهل الغور والعشران ، وكان مقدمهم شيخٌ جاهل يقال له : تبل البيساني ، فما زالوا وراءه وهو يحمل فيهم ، وأخذوا بعض ثقله ، ثم نزل على سبسطية .

وكان الوزيري قد عاد إلى نابلس ، فأرسل إليه يقول : قد مضى وما زالت الملوك كذا ، وقد جئت مستجيرا بابن عمي . ونزل في الدار التي للناصر بنابلس . ثم كتب الوزيري إلى الناصر يخبره الخبر .

فبعث الناصر عماد الدين ابن موسك ، والظهير ابن سنقر الحلبي في ثلاث مائة فارس ، فركب الصالح نجم الدين فتلقاهم ، فقالوا : طيب قلبك ، إلى بيتك جئت . فقال : لا ينظر ابن عمي إلى ما فعلت وقد استجرت به . فقالوا : قد جارك وما عليك بأسٌ .

وأقاموا أياما نازلين حوله ، فلما كان في بعض الليالي صرخ بوق النفير ، وقيل : جاءت الفرنج . فركب الناس والعساكر ومماليك الصالح وساقوا إلى سبسطية . ثم جاء ابن موسك وابن سنقر إليه ، فدخل ابن سنقر إليه ، وقال : تطلع إلى الكرك إلى ابن عمك ، وأخذ سيفه .

قال أبو المظفر ابن الجوزي : فبلغني أن جاريته كانت حاملا فأسقطت ، وأخذوه إلى الكرك ، فحدثني بالقاهرة سنة تسعٍ وثلاثين قال : أخذوني على بغلةٍ بلا مهمازٍ ولا مقرعةٍ ، وساروا بي ثلاثة أيام ، والله ما كلمت أحدا منهم كلمة ، وأقمت بالكرك أشهرا ، ورسموا على الباب ثمانين رجلا . وحكى لي أشياء من هذه الواقعة . ثم إن الوزيري أطلع خزانته وخيله وحواصله إلى الصلت ، وبقيت حاشيته بنابلس ، ووصل علاء الدين ابن النابلسي من مصر من عند الملك العادل إلى الناصر يطلب الصالح ، ويعطيه مائة ألف دينار ، فما أجاب .

فلما طال مقامه ، استشار عماد الدين ابن موسك وابن قليج ، ثم أخرجه ، وتحالفا واتفقا في عيد الفطر . فحدثني الصالح ، قال : حلفني الناصر على أشياء ما يقدر عليها ملوك الأرض ، وهو أن آخذ له دمشق وحمص وحماة وحلب أو الجزيرة والموصل وديار بكرٍ ونصف ديار مصر وأعطيه نصف ما في الخزائن من المال والجواهر والخيل والثياب ، فحلفت له من تحت القهر والسيف . قال : وبرز العادل إلى بلبيس يقصد الشام ، فاختلف عليه العسكر وقبضوه ، وأرسلوا إلى الصالح نجم الدين يعرفونه ويحثونه على المجيء ، فسار ومعه الناصر وابن موسك وجماعة أمراء فقدموا بلبيس ، فنزل الصالح في مخيم أخيه ، وأخوه معتقلٌ في خركاه من المخيم .

وكان محيي الدين يوسف ابن الجوزي بمصر وقد خلع على الملك العادل ، وعلى الوزير الفلك المسيري من جهة الخليفة . وحدثني الصالح نجم الدين قال : والله ما قصدت مجيء الملك الناصر معي إلا خفت أن تكون معمولة علي ، ومنذ فارقنا غزة ، تغير علي ، ولا شك ، إلا أن بعض أعدائي أطمعه في الملك ، فذكر لي جماعة من مماليكي أنه تحدث معهم في قتلي ، ولما أفرج عني ندم وهم بحبسي ثانيا ، فرميت روحي على ابن قليج ، فقال : ما كان قصده إلا أن نتوجه أولا إلى دمشق فنأخذها ، فإذا أخذناها عدنا إلى مصر . قال : فلما أتينا بلبيس ، شرب الناصر تلك الليلة ، وشطح إلى خركاه العادل ، فخرج من الخركاه ، وقبل الأرض بين يديه فقال له : كيف رأيت ما أشرت عليك ولم تقبل مني ؟ فقال : يا خوند التوبة .

فقال : طيب قلبك ، الساعة أطلقك . ثم جاء فدخل علي الخيمة ووقف ، فقلت : بسم الله اجلس . قال : ما أجلس حتى تطلق العادل ، فقلت : اقعد - وهو يكرر الحديث - فسكت ، ولو أطلقته لضربت رقابنا كلنا ، قال : فنام ، فما صدقت بنومه ، وقمت باقي الليل ، فأخذت العادل في محفة ودخلت به القاهرة .

ثم بعثت إلى الناصر بعشرين ألف دينار ، فردها . وذكر لي الصالح نجم الدين قول الناصر له : بس يدي ورجلي - يعني ليلة بلبيس - فقلت : ما أظن هذا يبدو منه ، هو رجلٌ عاقل . فأقسم بالله أن هذا وقع .

وأما الصالح إسماعيل ، فلما استقر بقلعة دمشق خطب للعادل ابن الكامل صاحب مصر ، ثم لنفسه . وقدم عليه عز الدين أيبك من صرخد . ثم قوي المرض بصاحب حمص فسافر إليها .

وفي ربيع الأول رفع الشهاب القوصي إلى الصالح أنه يستخلص الأموال من أهل دمشق ، فصفعه الصالح وحبسه وحبس الوزير تاج الدين ابن الولي الإربلي ؛ وزير الصالح أيوب . وفيها أخذ صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ سنجار من الملك الجواد بموافقةٍ من أهلها ، لسوء سيرة الجواد فيهم ، فإنه صادرهم . وخرج يتصيد ويحج في البرية ، فبعثوا إلى بدر الدين ، فجاء وفتحوا له ، فمضى الجواد إلى عانة ولم يبق له سواها ، ثم باعها للخليفة .

وفيها درس الرفيع عبد العزيز الجيلي بالشامية البرانية . وفيها أنزل الملك الكامل من القلعة في تابوته إلى تربته التي عملت له ، وفتح شباكها إلى الجامع الأموي . وفي ربيع الآخر ولي خطابة دمشق الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام ، فخطب خطبة عرية من البدع ، وأزال الأعلام المذهبة ، وأقام عوضها سودا بأبيض ، ولم يؤذن قدامه سوى مؤذنٍ واحدٍ .

وعزل الذي قبله وهو أصيل الدين الإسعردي . وفيها أمر الملك الصالح إسماعيل خطباء دمشق أن يخطبوا لصاحب الروم معه . وفيها كانت الزيادة في أيام المشمش ، جاء سيلٌ عرم هدم وخرب .

وفيها ولي قضاء دمشق بعد تدريسه بالشامية القاضي الرفيع ، وكان قاضي بعلبك في أيام الصالح بها . وفيها جاء الخبر إلى بغداد أن رجلا ببخارى يعرف بأبي الكرم له أتباع ، قال لأصحابه : إني قادرٌ على كسر التتار بمن يتبعني - بقوة الله تعالى - من غير سلاح ، فتبعه طائفةٌ ، ونهضوا على شحنة البلد ومن معه فهربوا ، وقوي أمره ، وتبعه الخلق . فبلغ ذلك جرماغون ملك التتار يومئذٍ ، فنفذ جيشا وشحنه .

فخرج لحربهم أبو الكرم في ألوفٍ كثيرةٍ بلا سلاح ، وتقدم أمامهم فأحجم عنهم التتار إلا واحدا ، فأقدم ليجرب ، وحمل على أبي الكرم ، فقتله ، وشد التتار على الناس قتلا . ويقال : إن عدة الناس كانوا ستين ألفا . وقال ابن الساعي : فيها رفل الخلائق ببغداد في الخلع في العيد بحيث حرز المخلوع عليهم بأكثر من ثلاثة عشر ألفا .

ولم يحج ركبٌ من العراق . وفي المحرم حبسوا الحريري بعزتا لأجل صبي من قرائب القيمري ، حلق رأسه وصحبه . وفيها قدم رسول الأمير الذي ملك اليمن نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني ، إلى الديوان العزيز .

وهذا ولد باليمن وخدم مع صاحبها الملك المسعود أقسيس ابن الكامل ، فلما مات أقسيس علت همة هذا ، واستولى على البلاد وملكها ، وقطع خطبة الملك الكامل وطرد نوابه ، وخطب لنفسه ، وأرسل يطلب من المستنصر بالله تقليدا بسلطنة اليمن ، وبقي الملك في بنيه باليمن إلى اليوم . وفي ذي القعدة كان الصالح عماد الدين إسماعيل قد قبض على جماعة من أمراء الكاملية ، فحبسهم وضيق عليهم فماتوا ، وهم : أيبك قضيب البان ، وبلبان الدنيسري ، وأيبك الكردي ، وبلبان المجاهدي ، رحمهم الله . ولم يحج ركب العراق في هذه السنين للاهتمام بأمر التتار .

موقع حَـدِيث