سنة تسعٍ وثلاثين وستمائة
سنة تسعٍ وثلاثين وستمائة استهلت والتتار في هذه السنين بأيديهم من الخطا إلى قريب العراق وإربل ، وغاراتهم تبدع كل وقتٍ ، والناس منهم في رعبٍ ، وراسلهم إلى الآن المستنصر بالله ثلاث مرات . وأما الخوارزمية فزالت دولتهم ، وتمزقوا ، وقطشت أذنابهم ، وبقوا حرامية ، يقتلون ويسبون الحريم ، ويفعلون كل قبيحٍ . وفيها قدم الملك الجواد ملتجئا إلى السلطان الملك الصالح أيوب ، فخاف منه الصالح ، ونوى أن يمسكه ، فرد الجواد من الرمل والتجأ إلى الملك الناصر بالكرك .
وفيها قدم كمال الدين ابن شيخ الشيوخ في جيشٍ من المصريين ، فنزل غزة . فجهز الناصر عسكره مع الجواد ، فالتقوا ، فكسرهم الجواد وأخذ كمال الدين ابن الشيخ أسيرا ، وأحضر إلى بين يدي الناصر داود ، فوبخه ، فقال الجواد : لا توبخه . ثم بعد قليلٍ تخيل الناصر من الجواد فأمسكه ، وبعث به إلى بغداد تحت الحوطة ، فلما نزل بنواحي الأزرق عرفه بطنٌ من العرب ، فأطلقوه ، فالتجأ إلى الملك الصالح صاحب دمشق .
ثم لم يثبت ، وقصد الفرنج ، وبقي معهم مدة . ثم رجع إلى دمشق فحبسه الصالح بحصن عزتا ، وهلك في سنة إحدى وأربعين . وفيها شرع الصالح صاحب مصر في عمارة المدرسة بين القصرين ، وفي عمارة قلعة الجزيرة ، وأخذ أملاك الناس ، وخرب نيفا وثلاثين مسجدا ، وقطع ألف نخلةٍ ، وغرم على هذه القلعة دخل مصر عدة سنين .
ثم أخربها غلمانه في سنة إحدى وخمسين وستمائة . وفيها تخلص الوزير صفي الدين إبراهيم بن مرزوق من حبس حمص بعد أن بقي به عدة سنين . وكان الملك الجواد وصاحب حمص قد تعصبا عليه وأخذا منه أموالا عظيمة ، فيقال : أخذا أربعمائة ألف درهمٍ .
وفيها دخل الشيخ عز الدين ابن عبد السلام الشافعي إلى ديار مصر ، وأقبل عليه السلطان إقبالا عظيما ، وولاه الخطابة والقضاء ، فعزل نفسه من القضاء مرتين وانقطع . وفيها دخل بايجو وطائفةٌ من التتار في بلاد الروم فعاثوا ، وسفكوا ، وهرب منهم السلطان غياث الدين وضعف عن الملتقى . وفيها ولي تدريس النظامية نجم الدين عبد الله ابن البادرائي مدرس مدرسة الإمام الناصر ، وخلع عليه بطرحةٍ .
وفيها أغارت الخوارزمية ونهبت وسبت نصيبين ورأس عين ودنيسر ، وقتلوا عددا كبيرا من المسلمين . ثم طلبوا الصلح مع المظفر غازي ، فحلف لهم وحلفوا له ، ومقدمهم الكبير هو بركة خان ، وهم نحو خمسة آلاف فارس . ودون بركة خان في الرتبة اختيار الدين بردي خان ، وقد كان أمير حاجب السلطان جلال الدين ، وهو شيخٌ داهيةٌ ، له رأيٌ ورواءٌ ، ودونه صارو خان ، شحنة الجمال التي لجلال الدين خوارزم شاه ؛ وهو شيخٌ بطينٌ أبله ، ثم كشلوخان تربية جلال الدين ؛ شابٌ عاقلٌ ، وابن أخت جلال الدين ، وبهادر ، وبكجري ، وتبلو ، وغيرهم من الأمراء .
وهذا بركة خان ، شابٌ مليح أول ما طر شاربه . فتزوج الملك المظفر بابنة عم بركة خان ، وتسلطت الخوارزمية على بلاد الجزيرة ، وبالغوا في العيث والفساد ، وخربوا أعمال الموصل حتى أبيع الثور بأربعة دراهم ، وقنطار الحديد بدرهمين ثلاثة ، والحمار بثلاثة دراهم ، لكثرة الشيء ولكونه حراما ؛ قال سعد الدين هذا كله ، وقال : في رمضان نفوا الحريرية من ميافارقين - وأنا بها - لكثرة إفسادهم أولاد الناس .