غانم بن علي بن إبراهيم بن عساكر بن حسين
غانم بن علي بن إبراهيم بن عساكر بن حسين ، الشيخ القدوة الزاهد أبو علي الأنصاري السعدي المقدسي النابلسي ، أحد مشايخ الطريق . ولد بقرية بورين من عمل نابلس سنة اثنتين وستين وخمسمائة . وسكن القدس عام أنقذه السلطان من الفرنج سنة ثلاثٍ وثمانين ، وساح بالشام ، ورأى الصالحين .
وكان زاهداً ، عابداً ، مخبتاً ، قانتاً لله ، مؤثراً للخمول والانقباض ، صاحب أحوالٍ وكراماتٍ . حكى ابنه الشيخ عبد الله أن أباه أخبره أن رجلاً من الصديقين اجتمع به ساعة ، قال : فلما وقعت يدي في يده انتزعت الدنيا من قلبي ، ولما نهضت قال لي : ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ٤٠ فإن الجنة هي المأوى ﴾. فجعلت هذه الآية قدوتي إلى الله ، وسلكت بها في طريقي ، وجعلتها نصب عيني لكل شيءٍ قالته لي نفسي : فإن قالت لي : كل ، أجوع ، وإن قالت : نم ، سهرت ، وإن قالت : استرح ، أتعبتها .
قال ابنه عبد الله : انقطع رحمه الله تحت الصخرة في الأقباء السليمانية سنة ستين ، وصحب الشيخ عبد الله الأرموي بقية عمره وعاشا جميعاً مصطحبين . قال : وحج ثلاث مرات محرماً من القدس ، فقال : رجعت من الحج وأنا مريض لا أستطيع الكلام ، فانطرحت في البرية ، فجاءني مغربيٌ فسلم ، فأومأت له ، فقال : قم . فأقامني وجعل يده تحت جناحي ، ثم سار بي يحدثني بما أنا فيه وبما يكون مني ، لا أشك أني سائر في الهواء غير أني قريبٌ من الأرض مقدار ساعةٍ ، ثم قال : اجلس ونم فنمت ونام معي فاستيقظت ، فلم أجده ، ووجدت نفسي قريباً من الشام وأنا طيبٌ ، ولم أحتج بعد ذلك إلى طعامٍ ولا شرابٍ حتى دخلت بيت المقدس .
ثم أخذ ولده عبد الله يصف توكله وفناءه ومحبته ورضاه ومقاماته ، وأن أخلاقه كريمةٌ وهيبته عظيمةٌ ، وأنه بقي عشرين سنة بقميصٍ واحد وطاقيةٍ على رأسه ، ثم سأله الفقراء أن يلبس جبةً فلبس ، وأنه ما لقي أحداً إلا تبسم له . قال : ورأيت ابن شير المغربي ، وحج سنةً ، ثم قدم وحضر عند الفقراء ، فقال : كيف كان وصول الشيخ ؟ قالوا : الشيخ ما حج . فقال : والله لقد سلمت عليه على الجبل وصافحته ، ثم أتى إليه وسلم عليه ، وقال : يا شيخ غانم أما سلمت عليك بالجبل ؟ فتبسم وقال : يا شمس الدين هذا يكون بحسن نظرك والسكوت أصلح .
وحكى الشيخ القدوة إبراهيم بن عبد الله الأرموي ، قال : حضرت مع والدي سماعاً حضره الشيخ غانم والشيخ طيٌ والشيخ عليٌ الحريري فلما تكلم الحادي حصل للشيخ غانم حالٌ ، فحملني وقام بي ، ودار مراراً ، فنظرت ، فإذا بي في غير ذلك الموضع ، ورأيت بلاداً عجيبةً ، وأشجاراً غير المعهودة ، وناساً موشحين بوزراتٍ ، حتى رأيت شخصاً خارجاً من باب حديقةٍ وهو يسوق بقرةً ، فهالني ذلك . فلما جلس بي الشيخ ، قال له الشيخ طيٌ أو غيره : أيش كانت وظيفة ولد الشيخ عليك في هذه القومة ؟ فلم ينطق . فقال والدي : الشيخ عبد الله فرج ولدي في إقليم الهند وجاء ، فسكت الشيخ غانم .
هذه الحكاية يرويها قاضي القضاة أبو العباس بن صصرى ، والشيخ علاء الدين علي ابن شيخنا شمس الدين محمد سبط الشيخ غانم . وقد أفرد سيرة الشيخ غانم في جزء مليحٍ حفيد شيخنا شمس الدين المذكور المولى الإمام أبو عبد الله محمد ابن الشيخ علاء الدين - أبقاهما الله ورحمهما - . وقال : توفي في غرة شعبان سنة اثنتين وثلاثين ، ودفن في الحضرة التي بها صاحبه ورفيقه الشيخ عبد الله الأرموي بسفح قاسيون .