حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

محمدٌ السلطان الملك الكامل ناصر الدين

محمدٌ السلطان الملك الكامل ناصر الدين ، أبو المعالي وأبو المظفر ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي ، صاحب مصر . ولد بمصر سنة ستٍ وسبعين وخمسمائة . وأجاز له العلامة عبد الله بن بري ، وأبو عبد الله بن صدقة الحراني ، وعبد الله الرحمن ابن الخرقي .

قرأت بخط ابن مسدي في معجمه : كان الكامل محباً في الحديث وأهله ، حريصاً على حفظه ونقله ، وللعلم عنده سوقٌ قائمةٌ على سوق . خرج له أبو القاسم ابن الصفراوي أربعين حديثاً وسمعها جماعة . وحكى عنه ابن مكرم الكاتب أن أباه العادل استجاز له السلفي قبل موت السلفي بأيامٍ .

قال ابن مسدي : ثم وقفت أنا على ذلك . وأجاز لي ولابني . قلت : وتملك الديار المصرية أربعين سنة ، شطرها في أيام والده .

وقيل : بل ولد في ذي القعدة سنة خمسٍ وسبعين . قال المنذري : أنشأ دار الحديث بالقاهرة وعمر القبة على ضريح الشافعي ، وجر الماء من بركة الحبش إلى حوض السبيل والسقاية ، وهما على باب القبة المذكورة . ووقف غير ذلك من الوقوف على أنواعٍ من أعمال البر بمصر وغيرها .

وله المواقف المشهودة في الجهاد بدمياط المدة الطويلة ، وأنفق الأموال الكثيرة . قلت : وأنشأ بالغرب مدينةً كبيرةً جداً ، وجعلها دار ملكه ، وأسكنها جيشه . ومن شعره كتبه من دمياط : يا مسعفي إن كنت حقّاً مسعفي فارحل بغير تقيّدٍ وتوقّف واطو المنازل والديار ولا تنخ إلا على باب المليك الأشرف قبّل يديه لا عدمت وقل له عنّي بحسن تعطّفٍ وتلطّف إن تأت صنوك عن قريبٍ تلقه ما بين حدّ مهنّدٍ ومثقّف أو تبط عن إنجاده فلقاؤه يوم القيامة في عراص الموقف وكافح العدو المخذول براً وبحراً ليلاً ونهاراً ، يعرف ذلك من شاهده .

ولم يزل على ذلك حتى أعز الله الإسلام وأهله وخذل الكفر وأهله . وكان معظماً للسنة النبوية وأهلها . راغباً في نشرها والتمسك بها ، مؤثراً للاجتماع مع العلماء والكلام معهم حضراً وسفراً .

وقال غيره : كان الملك الكامل فاضلاً ، عادلاً ، شهماً ، مهيباً ، عاقلاً ، محباً للعلماء يباحثهم ويفهم أشياء . وله شعرٌ حسن ، واشتغالٌ في العلم . وقيل : إنه شكا إليه ركبدارٌ أستاذه بأنه استخدمه ستة أشهرٍ بلا جامكية ، فأنزل أستاذه من فرسه ، وألبسه ثياب الركبدار ، وألبس الركبدار ثيابه ، وأمره بخدمة الركبدر وحمل مداسه ستة أشهر .

وكانت الطرق آمنة في زمانه . وقد بعث ابنه الملك المسعود إقسيس ، فافتتح اليمن والحجاز ومات قبله ، وورث منه أموالاً عظيمةً . وكانت رايته صفراء وفيه يقول البهاء زهيرٌ : بك اهتزّ عطف الدين في حلل النّصر وردّت على أعقابها ملّة الكفر يقول فيها : وأقسم إن ذاقت بنو الأصفر الكرى لما حملت إلاّ بأعلامك الصّفر ثلاثة أعوامٍ أقمت وأشهراً تجاهد فيهم لا بزيدٍ ولا عمرو وليلة نفرٍ للعدوّ رأيتها بكثرة من أرديته ليلة النّحر فيا ليلةً قد شرّف الله قدرها فلا غرو إن سمّيتها ليلة القدر وهي من غرر القصائد .

ولما بلغته وفاة أخيه الأشرف سار إلى دمشق وقد تملكها أخوه الصالح فحاصره وأخذها منه وملكها واستقر بقلعتها في جمادى الأولى من السنة ، فلم يمتع بها ، وعاجلته المنية ، ومات بعد شهرين بالقلعة في بيتٍ صغير ، ولم يشعر أحدٌ بموته ، ولا حضره أحدٌ من شدة هيبته . مرض بالسعال والإسهال نيفاً وعشرين يوماً ، وكان في رجله نقرسٌ ولم يتحزن الناس عليه ، ولحقتهم بهتةٌ لما سمعوا بموته . وكان فيه جبروتٌ .

ومن عدله الممزوج بالعسف أنه شنق جماعةً من الأجناد على آمد في أكيال شعير أخذوه ، وكذا لما نازل دمشق ، بعث صاحب حمص رجاله نجدةً لإسماعيل ، عدتهم خمسون نفساً ، فأخذهم وشنقهم كلهم . ذكر شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزري : أن عماد الدين يحيى البصراوي الشريف قال : حكى لي الخادم الذي للكامل قال : طلب مني الكامل طستاً حتى يتقيأ فأحضرته . وكان الملك الناصر داود على الباب ليعود عمه ، فقلت : داود على الباب .

فقال : ينتظر موتي؟! وانزعج ، فخرجت ، وقلت : ماذا وقتك ، السلطان منزعج . فنزل إلى دار سامة ، وكان نازلاً بها ، ودخلت إلى السلطان ، فرأيته قد قضى والطست بين يديه وهو مكبوبٌ على المخدة . قال ابن واصل : حكى لي طبيبه ، قال : أصابه لما دخل قلعة دمشق زكامٌ ، فدخل الحمام ، وصب على رأسه ماءً شديد الحرارة اتباعاً لقول محمد بن زكريا الرازي في كتابٍ سماه طب ساعة قال : من أصابه زكامٌ ، فصب على رأسه ماءً شديد الحرارة ، انحل زكامه لوقته .

وهذا لا ينبغي أن يعمل على إطلاقه . قال : فانصب من دماغه مادةٌ إلى فم معدته فتورمت ، وعرضت له حمى شديدة ، وأراد القيء ، فنهاه الأطباء وقالوا : إن تقيأ هلك ، فخالفهم وتقيأ فهلك لوقته . قال ابن واصل : وحكى لي الحكيم رضي الدين ، قال : عرضت له خوانيق فانفقأت ، وتقيأ دماً كثيراً ومدةً ، وأراد القيء أيضاً ، فنهاه أبي موفق الدين إبراهيم وأشار به بعض الأطباء ، فتقيأ ، فانصبت بقية المادة إلى قصبة الرئة ، وسدتها فمات .

قال ابن واصل : استوزر في أول ملكه وزير ابنه صفي الدين ابن شكر ، فلما مات لم يستوزر أحداً ، بل كان يباشر الأمور بنفسه . وكان ملكاً جليلاً . مهيباً ، حازماً سديد الآراء حسن التدبير لممالكه ، عفيفاً ، حليماً ، عمرت في أيامه ديار مصر عمارةً كبيرةً .

وكانت عنده مسائل غريبةٌ من الفقه والنحو يوردها ، فمن أجاب حظي عنده . قال المنذري : توفي بدمشق في الحادي والعشرين من رجب . قلت : دفن بالقلعة في تابوت ، ثم نقل سنة سبعٍ وثلاثين إلى تربة بنيت له إلى جانب السميساطية ، وفتح لها شباكٌ وبابٌ إلى الجامع الأموي .

وخلف ولدين ؛ الملك العادل أبا بكر والملك الصالح أيوب ، والصاحبة .

موقع حَـدِيث