حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

موسى السلطان الملك الأشرف مظفر الدين أبو الفتح شاه

موسى ، السلطان الملك الأشرف مظفر الدين أبو الفتح شاه أرمن ابن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب . ولد بالقصر بالقاهرة سنة ستٍ وسبعين وخمسمائة . وسمع من عمر بن طبرزد .

وسمع صحيح البخاري من أبي عبد الله ابن الزبيدي . روى عنه الشهاب القوصي ، وغيره . وحدثنا عنه أبو الحسين اليونيني بأربعين حديثاً خرجت له .

أعطاه أبوه أول شيء القدس ، ثم أعطاه حران والرها . وجهزه أخوه الملك المعظم بالخيل والمماليك . وسار وتنقلت به الأحوال ، وجرت له أمورٌ أشرنا إلى كبارها في الحوادث .

وكسر المواصلة ، وكسر الخوارزمية والروم . ولقب شاه أرمن لتملكه مدينة خلاط ، وهي قصبة أرمينية . وتملك دمشق سنة ستٍ وعشرين وأخذها من الناصر داود ابن المعظم ، فأحسن إلى أهلها وعدل فيهم وأزال عنهم بعض الجور وأحبوه .

وكان فيه دينٌ ، وخشيةٌ ، وعفةٌ في الجملة ، وسخاءٌ مفرط حتى لقد قال ابن واصل : كان يطلق الأموال الجليلة ولم يسمع أن أحداً من الملوك والعظماء - بعد آل البرمك - فعل فعله في العطاء . ومن سعادته أنه عاد أخوه الأوحد بخلاط ، فتماثل ودخل الحمام ، فأراد الأشرف الرجوع إلى حران ، فقال له طبيب الأوحد : اصبر ؛ فإن الأوحد ميتٌ . فأقام ليلةً ومات الأوحد ، فاستولى على مملكة خلاط جميعها .

قلت : إلا أنه كان منهمكاً في الخمر والملاهي . وكان مليح الشكل ، حلو الشمائل ، وافر الشجاعة ، يقال : إنه لم تكسر له رايةٌ قط . وكان يحب الفقراء والصالحين ، ويتواضع لهم ، ويزورهم ويصلهم ، ويجيز الشعراء .

وكان في رمضان لا يغلق باب القلعة ، ويخرج منها صحون الحلواء إلى أماكن الفقراء . وكان ذكياً ، فطناً ، يشارك في الصنائع ، ومحاسنه كثيرةٌ ، الله يسامحه . قال أبو المظفر : وكان يحضر الملك الأشرف مجالسي بخلاط وحران ودمشق ، وكان عفيفاً .

ولما كنت عنده بخلاط قال لي : والله ما مددت عيني إلى حريم أحدٍ ذكرٍ ولا أنثى . ولقد جاءتني عجوزٌ من عند بيت شاه أرمن صاحب خلاط بورقةٍ ، فذكرت أن الحاجب علياً قد أخذ ضيعتها ، فكتبت بإطلاقها ، فقالت العجوز : هي تسأل الحضور بين يديك ، فعندها سرٌّ ، فقلت : بسم الله ، فقامت وغابت ساعةً ثم جاءت بها ، فإذا هي امرأةٌ ما رأيت أحسن من قدها ، ولا أظرف من شكلها ، كأن الشمس تحت نقابها ، فخدمت ، ووقفت ، فقمت لها ، وقلت : أنت في هذا البلد وما أعلم بك ؟ فسفرت عن وجهٍ أضاءت منه المنظرة ، فقلت : استتري ، فقالت : مات أبي صاحب هذه المدينة ، واستولى بكتمر على البلاد ، وكان لي ضيعة أعيش منها أخذها الحاجب عليٌ ، وما أعيش إلا من عمل النقش وأنا في دور الكراء . فبكيت وأمرت لها بقماش ، وأن يصلح دار لسكناها ، وقلت : بسم الله .

فقالت العجوز : يا خوند ما جاءت إلى خدمتك إلا حتى تحظى بك الليلة . فساعة سمعت كلامها ، أوقع الله في قلبي تغير الزمان ، وأن يملك خلاط غيري وتحتاج بنتي إلى أن تقعد مثل هذه القعدة فقلت : معاذ الله ، والله ما هو من شيمتي ، ولا خلوت بغير محارمي ، فخذيها وانصرفي كريمةً . فقامت باكيةً وهي تقول : صان الله عاقبتك كما صنتني .

وحدثني قال : مات لي مملوكٌ بالرها ، وخلف ولداً لم يكن في زمانه أحسن منه ، وكان من لا يدري يتهمني به ، وكنت أحبه ، وهو عندي أعز من الولد ، وبلغ عشرين سنة ، فضرب غلاماً له فمات ، فاستغاث أولياؤه وأثبتوا أنه قتله وجاؤوا يطلبون الثأر ، فاجتمع عليهم مماليكي وقالوا : نحن نعطيكم عشر دياتٍ ، فأبوا ، فطردوهم فوقفوا لي ، فقلت : سلموه إليهم ، فسلموه فقتلوه . خفت الله أن أمنعهم حقهم لغرض نفسي . قال أبو المظفر : وقضيته بحران مشهورةٌ مع أصحاب الشيخ حياة لما بددوا المسكر من بين يديه ، وكان يقول : بها نصرت .

قال أبو المظفر : لما فارقت دمشق وطلعت إلى الكرك ، أقمت عند الناصر ، فكنت أتردد إلى القدس من سنة ستٍ وعشرين إلى سنة ثلاثٍ وثلاثين . ثم جرت أسبابٌ أوجبت قدومي دمشق ، فسر بقدومي وزارني وخلع علي ، فامتنعت من لبسها ، فقال : لا بالله البسها ولو ساعةً ، ليعلم الناس أنك قد رضيت وزالت الوحشة . وبعث لي بغله الخاص وعشرة آلاف درهم ، وأقمت بدمشق - إلى أن توفي - في أرغد عيشٍ معه .

وحدثني الفقيه محمدٌ اليونيني ، قال : حكى لي فقيرٌ صالح ، قال : لما مات الأشرف رأيته في المنام وعليه ثيابٌ خضرٌ وهو يطير مع الأولياء ، فقلت : أيش تعمل مع هؤلاء وأنت كنت تفعل وتصنع ؟ فتبسم وقال : الجسد الذي كان يفعل تلك الأفاعيل عندكم والروح التي كانت تحب هؤلاء قد صارت معهم . قال : وقيل : إن هذه الأبيات من نظمه كتب بها إلى الإمام الناصر : العبد موسى طوره لمّا غدا بغداد آنس عندها نار الهدى عبدٌ أعدّ لدى الإله وسيلةً ديناً ودنيا أحمدا ومحمّدا هذا يقوم بنصره في هذه عند الخطوب وذاك شافعه غدا ومما أنشده الملك الأشرف : لولا هيف القدّ وغنج المقل ما كنت تجرّعت كؤوس العذل في حبّ مقرطقٍ من الترك يلي أمري وأنا له وإن أصبح لي وقال أبو المظفر : كنت أغشى الأشرف في مرضه لما أحس بوفاته فقلت له : استعد للقاء الله فما يضرك ؟ قال : لا ، والله ، بل ينفعني . ففرق البلاد ، وأعتق مائتي نفسٍ من مملوك وجارية ، ووقف دار فرخشاه التي يقال لها : دار السعادة ، وبستان النيرب على ابنته ، وأوصى لها بجميع الجواهر .

وقال سعد الدين مسعود بن حموية في تاريخه : وقف دار السعادة على ابنته ، وبستانه بالنيرب ، وأوصى لها بجميع الجواهر ، وأعتق مائتي مملوك ومائتي جارية . وفي آخر ذي الحجة غشي عليه حتى ظنوا أنه قد مات ، فجاءوا به إلى القلعة من النيرب وقد أفاق . قال ابن واصل : خلف بنتاً واحدة تزوجها ابن عمها الملك الجواد يونس لما تملك دمشق ، فلما ملك عمه الصالح إسماعيل دمشق ثانياً ، فسخ نكاحها منه ، لأنه حلف بطلاقها في أمرٍ وفعله ، ثم تزوجها ثانية الملك المنصور وهي معه إلى الآن .

قلت : وقد أنشأ جامع العقيبة وكان حانةً . قال أبو المظفر الجوزي : جلست فيه لما فرغ ، فحضر وبكى ، وأعتق كثيراً من المماليك . وأنشأ بالقلعة مسجد أبي الدرداء ، وأنشأ مسجد باب النصر ، ومسجد القصب ، ومسجد جراح ، وجامع بيت الآبار ، ودار الحديث ، وأخرى بالجبل .

ولم يخلف ولداً ذكراً . وأنشأ دار السعادة ، وبالنيرب الدهشة ، وصفة بقراط . ومن حسنات الأشرف ؛ قال ابن واصل في تاريخه : وقعت بدمشق فتنةٌ بين الشافعية والحنابلة بسبب العقائد ، وتعصب الشيخ عز الدين ابن عبد السلام على الحنابلة ، وجرى بذلك خبطٌ طويل حتى كتب عز الدين إلى الأشرف يقع في الحنابلة ، وذكر الناصح ابن الحنبلي وعرض بأنه ساعد على فتح باب السلامة لعسكر الملك الأفضل والملك الظاهر لما حاصرا العادل بدمشق .

فكتب الأشرف بخطه - وقد رأيته - : يا عز الدين الفتنة ساكنةٌ ، فلعن الله مثيرها . وأما حديث باب السلامة فكما قال الشاعر : وجرمٌ جرّه سفهاء قومٍ فحلّ بغير جانيه العذاب قال : وقد تاب الأشرف في مرضه ، وأظهر الابتهال والاستغفار والذكر إلى أن توفي تائباً ، وختم له بخير . وقال ابن الجوزي : مرض الملك الأشرف في رجب سنة أربع وثلاثين وستمائة مرضين مختلفين في أعلاه وأسفله ، فكان الجرائحي يخرج العظام من رأسه وهو يسبح الله تعالى ويحمده ، واشتد به ألمه ، فلما يئس من نفسه ، قال لوزيره ابن جرير : في أي شيء تكفنوني ؟ فما بقي في قوةٌ تحملني أكثر من غدٍ ، فقال : عندنا في الخزانة نصافي ، فقال : حاش لله أن أكفن من الخزانة .

ثم نظر إلى ابن موسك الأمير ، فقال : قم وأحضر وديعتي . فقام وعاد وعلى رأسه مئزر صوفٍ ، ففتحه فإذا فيه خرقٌ من آثار الفقراء . وطاقيات قومٍ صالحين مثل الشيخ مسعود الرهاوي ، والشيخ يونس البيطار ، وفي ذلك إزارٌ عتيق يساوي نصف درهم أو نحوه فقال : هذا يكون على جسدي أتقي به حر جهنم ، فإن صاحبه كان من الأبدال ، كان حبشياً أقام بجبل الرها مدةً يزرع قطعة أرضٍ زعفراناً ، ويتقوت منها وكنت أزوره فأعرض عليه المال فيمتنع ، فهو وهبني هذا الإزار وقال لي : أحرمت فيه عشرين حجةً .

قلت : وأما تعظيمه للفقيه محمد اليونيني فأمرٌ زائدٌ ، كان عنده بالقلعة وهو في سماع البخاري ، فتوضأ الفقيه مرةً ، فقام ونقض تخفيفته وقدمها إلى يديه ليتنشف بها أو ليطأ عليها - أنا أشك - حدثني بذلك شيخنا أبو الحسين ابن اليونيني . وقد سار مرةً إلى بعلبك ، فبدأ قبل كل شيء ، فأتى دار الفقيه ، ونزل فدق الباب ، فقيل : من ذا ؟ فقال : موسى . قال أبو المظفر ابن الجوزي : مات في يوم الخميس رابع المحرم ودفن بالقلعة .

قال : وكان آخر كلامه : لا إله إلا الله ، ونقل إلى تربته بعد أربعة أشهر . وقال سعد الدين في تاريخه : كان مرضه دمامل في رأسه ومخرجه . تنسر جرحه ، ودود ، ووقع منه لحم .

وأظهر الناس عليه حزناً عظيماً . ولبس أجناده وحاشيته البلاسات والحصر ، وجاءت نساؤهم إلى باب القلعة يندبن ويبكين . وغلقت الأسواق .

موقع حَـدِيث