أحمد ابن الشهاب محمد بن خلف بن راجح بن بلال بن هلال بن عيسى
أحمد ابن الشهاب محمد بن خلف بن راجح بن بلال بن هلال بن عيسى ، القاضي ، العلامة ، نجم الدين ، أبو العباس ، المقدسي ، الحنبلي ، ثم الشافعي . ولد ليلة نصف شعبانٍ سنة ثمانٍ وسبعين . وسمع من يحيى الثقفي ، وابن صدقة الحراني في الخامسة ، ومن عبد الرحمن بن علي الخرقي ، وإسماعيل الجنزوي ، وغيرهم .
واشتغل أولًا على الشمس أحمد بن عبد الواحد المقدسي البخاري . ثم سافر إلى بغداد مع الضياء وله سبع عشرة سنة ، فسمع من ابن الجوزي ، وغيره . وسافر إلى همذان إلى الركن الطاوسي الأصولي فلازمه مدةً حتى صار معيده ، وسمع بها من أبي العز عبد الباقي بن عثمان الهمذاني ، وغيره .
ثم سافر هو وأخوه إبراهيم إلى بخارى واشتغلا بها مدةً . وبرع هو في علم الخلاف وصار له صيتٌ بتلك الديار ومنزلةٌ رفيعة . وتفقه في مذهب الشافعي وأتقنه .
ومن جملة محفوظاته : كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي . قال زكي الدين المنذري : تقدم في الخلاف ، وناظر . وكان له اعتناءٌ بحفظ الجمع بين الصحيحين .
وقال الضياء : من وقت قدومه إلى دمشق لم يزل يشغل الناس ، ويذكر الدروس في التفسير ، والحديث ، والخلاف ، وغير ذلك . وحفظ الصحيحين . وكان لا يكاد يقعد بلا اشتغال .
وهو ممن يقوم الليل ، ويداوم على صلاة الضحى صلاة حسنة طويلة . قال : وسمعت أنه يقرأ كل ليلة ثلث القرآن . وسمعت عمر بن صومع يذكر أنه رأى الحق في النوم ، فسأله عن النجم ، فقال : هو من المقربين .
فذكرت التعصب عليه لما أثبت رؤية الهلال فقال : ما يضره وهذا ما يقضي إلا بالحق أو ما هذا معناه . وقال العز ابن الحاجب : كان إمامًا ورعًا ، معظمًا لفضله وبيته ، عديم النظير في فنه ، بالغ في طلب العلم . وكان وافر الحظ من الخلاف .
وكان سليم الباطن ، ذا سمتٍ ، ووقار ، وتعبدٍ . كثرت التشانيع على وكلاء مجلسه وما يعملونه في المحاضر ، وأشرفت بعض الحقوق على الضياع من فتح أبواب الرشا ، فصرف عن القضاء ، وربما اطلع على بعض ذلك وسامح . قلت : غاب عن دمشق ثلاث عشرة سنة .
وأخذ عن نجم الدين الكبرى الزاهد . وذكر أنه رأى الحق تعالى إحدى عشرة مرةً ، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم بضعًا وأربعين مرة . وقد ساق ذلك كله الضياء في ترجمته فمنها : قال : رأيت كأني أسمع كلامه سبحانه يقول : إن سهامنا ستصيب من أرادك بسوءٍ .
قال : ورأيت كأنه تعالى يقول : ادن مني مرحبًا بالحاكم الفاضل ، أوصيك بالقاضي الخويي . ورأيت في سنة ثمانٍ وعشرين كأني أسمع من الحق تعالى : أنا عنك راضٍ ، فهل أنت عني راضٍ ؟ وقال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وإذا هو يقول : تعالوا فانظروا ماذا أمرني به ربي ؟ فدنوت منه ، فإذا بيده لوحٌ فيه خطٌ بالكوفي : يا محمد ، إنك لن تطيعني حتى تتبع رضاي في سخطك . قال : ورأيته صلى الله عليه وسلم بخوارزم فقلت : يا رسول الله ، لماذا أنزل الله في التوراة والإنجيل والقرآن وسائر الكتب : إن الله في السماء وأرى أكثر الناس ينكرون ذلك ؟ قال : ومن ينكر ذلك ؟ الأمر كذلك .
قال : ورأيته فسمعته عليه السلام يقول : ليس أحدٌ أقرب إلي من مؤمن آل فرعون ، فحكيته للشيخ نجم الدين الكبرى ، فقال : المراد بمؤمن آل فرعون الذي يقول الحق ، ويظهره عند غلبة الباطل وظهور الكفر كما فعل مؤمن آل فرعون . وقال : رأيته صلى الله عليه وسلم بدهستان ، فقال لي : من لم يرو عني حديثًا عذب . فقلت : كيف يروي عنك ، يراك هكذا فيسمع منك ؟ قال : لا ، بل يقول : حدثنا فلان قال : حدثنا فلان ، وذكر إسنادًا فيه إجازة ، ثم ذكر متنه خطبةً لم أحفظها .
قال الضياء : ولما تولى المدرسة العذراوية رأى القاضي صدر الدين سليمان الحنفي - رحمه الله - في النوم كأن الإمام أحمد يدرس فيها ، فيفسر به . وذكر درسًا في مدرسة الشيخ أبي عمر وهو حنبليٌ . وقرأ على شيخنا موفق الدين كتاب المقنع ، وكتب له خطه عليه ما لم يكتبه لغيره في سنة ثلاث عشرة .
قال : ثم درس بالعذراوية ، ودرس بالصارمية التي بحارة الغرباء ، ودرس بمدرسة أم الصالح إسماعيل ، وبالشامية البرانية . ومات وهو مدرس بالعذراوية ، بها . قلت : وناب في القضاء عن القاضي جمال الدين المصري ، والقاضي شمس الدين الخويي ، والقاضي عماد الدين عبد الكريم ابن الحرستاني الخطيب ، والقاضي شمس الدين ابن سني الدولة ، والرفيع الجيلي ناب عنه إلى أن مات .
قال أبو شامة : كان يعرف بالحنبلي . وكان فاضلًا ، دينًا ، بارعًا في علم الخلاف ، وفقه الطريقة ، حافظًا للجمع بين الصحيحين للحميدي . وقرأت وفاته بخط الضياء في يوم الجمعة خامس شوال ودفن ليومه بالجبل ، وكان الجمع في جنازته كثيرًا .
قال : وكان أوحد عصره في علم الخلاف . وكان مجتهدًا في الخير لا سيما في آخر عمره . قلت : وصنف طريقته في الخلاف وهي مجلدان ، وكتاب الفصول والفروق ، وكتاب الفروق ، وكتاب الدلائل الأنيقة وغير ذلك .
روى عنه الحافظ الضياء حديثًا واحدًا ، والمجد ابن الحلوانية ، والشرف ابن عساكر ، وابن عمه الفخر إسماعيل ، والبدر حسن ابن الخلال ، والشمس محمد ابن الكمال ، ومحمد بن يوسف الذهبي ، والعماد ابن بدران . وانفرد بإجازته القاسم ابن عساكر الطبيب .