سنة خمس وأربعين وستمائة
سنة خمس وأربعين وستمائة في أولها رجع السلطان إلى مصر جريدةً وأبقى جيوشه بالشام ، فحاصروا بلاد الفرنج عسقلان وطبرية . ففتحت طبرية في صفر ، وفتحت عسقلان في جمادى الآخرة . وفي رجب عزل خطيب البلد عماد الدين داود الآباري ، من الخطابة ومن الغزالية ، ووليهما القاضي عماد الدين عبد الكريم ابن الحرستاني .
قال أبو المظفر : نازل فخر الدين ابن الشيخ طبرية فافتتحها ، ثم حاصر عسقلان ، وقاتل عليها قتالاً عظيماً وأخذها في جمادى الآخرة . قلت : وانفرد بفتح هذين البلدين ، وعظم شأنه عند السلطان ، ولم يبق له نظير في الأمراء . قال سعد الدين بن حمويه : في المحرم أخذ السلطان من السعيد ابن العزيز قلعة الصبيبة ، وأعطي خبز مائة وخمسين بمصر ومائة ألف درهم وقيسارية جركس وخمسمائة تفصيلة .
وفيه : نفى السلطان مملوكه البندقدار . وأضاف أجناده إلى الحلقة لكونه صعد قلعة عجلون بلا أمر . قلت : وفي هذه المرة أخذ السلطان من مماليك البندقدار بيبرس ، وصار من أعيان مماليكه ، وآل أمره إلى سلطنة البلاد .
قال : وزار السلطان القدس ، وأمر أن يذرع سوره ، فجاء ستة آلاف ذراع ، فأمر أن يصرف مغل القدس في عمارة سوره . وتصدق بألفي دينار في الحرم ، وزار الخليل . وكان الأمير فخر الدين نازلاً على طبرية فنصب عليها المجانيق ، فخرجوا في بعض الليالي ، فقتلوا الأمير سابق الدين الجزري ، وقتلوا سبعةً معه .
وركبنا في المراكب في البحيرة لقطع الميرة عن طبرية ، فجاءت مراكبهم وقاتلونا ساعة ، ثم زحفنا على القلعة من كل مكان ، وجرح جماعة . قال : ووقعت البدنة التي علقناها من الباشورة ، فزحفنا كلنا ، وهجم المسلمون الثغرة ، وجاء الفرنج بأسرهم إليها ، ورموا بالحجارة ، وقتلوا خلقاً كثيراً . وصبر الناس ، وكلما تعب قوم خرجوا وجاء غيرهم إلى أن تعبت الفرنج فطلبوا الأمان ، فأمنهم الأمير على أن يكونوا أسرى .
فنزلوا على ذلك ، فكانوا مائتين وستين أسيراً . وأخذ الأمراء خفيةً نحو خمسين أسيراً ، وغنم الناس طبرية بما فيها . ووجدنا منهم في القلعة قتلى كثيرة وجرحى ، وكان يوماً مشهوداً .
وأُخربت القلعة ، وقسمت على العسكر . ورحلنا بآلات الحصار جميعها إلى عسقلان ، وقد نزل عليها قبلنا الأمير شهاب الدين ابن الغرز ، فأحاطت بها العساكر ، ومراكب الفرنج وشوانيهم تحتها ، ومراكبنا مرسية على الساحل . وهي قلعة مليحة ستة عشر برجاً ، نصفها في البحر .
فنزلنا ورمينا بالمجانيق ، وجاءت مراكبهم إلى مراكبنا فاقتتلوا ، وكانت ساعة مشهودة . ثم هاج البحر واغتلم ، واصطدم موجه فكسر شوانينا وطحنها على الساحل ، وهي خمسة وعشرون . وسلمت شواني الفرنج ؛ لأنهم كانوا مرسين في وسط البحر ، فأخذنا خشب الشواني عملناه ستائر للزحف .
وكمل لنا أربع عشرة منجنيقاً ترمي على القلعة ، ومناجيقهم لا تبطل ساعةً . وأحرقوا ستائر منجنيقين رموها بنصول زيار محمية ، وكسروا لنا منجنيقين ، وخرجوا وقتلوا جماعة . وبعد أيام شرعنا في طم الخندق من النقب ، وجاءهم اثنا عشر مركباً نجدة .
وكان المدد يأتيهم ويأتينا أيضاً . وخرجوا غير مرة وقاتلوا ، فزحفنا في عاشر جمادى الأولى عليها من كل جهة ، وقاتل المسلمون قتالاً عظيماً ، وملكوا الباشورة ، وقتل نحو ستين نفساً ، وجرح خلق . وبتنا على خنادق القلعة ، وأخذنا نقوباً في برج ديدنة .
ثم بعد يومين زحفنا عليهم . ثم أخذوا النقوب منا ، وهرب أصحابنا منها ، ثم من الغد استعدناها منهم . وفي سادس عشر الشهر أحرقنا البرج فنقبوه من عندهم وأطفؤوا النار .
ثم تقور البرج من الغد ، ووقع على اثني عشر فارساً منهم ، فأخرجهم أصحابنا وغنموا سلبهم . ثم جاءتهم سبع مراكب كبار . قال : وحجر المنجنيق المغربي الذي لنا وزنه قنطار وربع بالشامي .
وطال الحصار ، وقفز غير واحد ، وقفز فارسان من الفرنج ، فخلع عليهما فخر الدين . وذكر أن الخلف وقع بين الاسبتار والغرب . وانسلخت الباشورة ، فمات منا تحتها ثمانية أنفس .
وليلة الخميس ثاني وعشرين جمادى الآخرة طلع أصحابنا من البرج المنقوب وملكوه وصاحوا ، فضربنا الكوسات في الليل ، وعلت الصنجات ، وتكاثر الناس ، فاندهش الفرنج وخذلوا ، وهربوا إلى المراكب وإلى الأبراج واحتموا بها . ودخل المسلمون القلعة في الليل وبذلوا السيف ، وربما قتل بعضهم بعضاً لكثرة العالم وظلمة الليل وللكسب . ولم يزالوا ينقلون ذخائرها وأسلحتها طول الليل .
ودخلها من الغد الأمير فخر الدين ، وأعطى لمن في الأبراج أماناً على أنفسهم دون أموالهم . وكان فيهم ثلاثة أمراء معتبرين ، وكانت الأسرى مائتين وستين أسيراً . ووجدنا غرقى وأيدي مقطعة في البحر ، وسببه تعلقهم بالمراكب للهرب ، فيخاف الآخرون لا تغرق المراكب ، فيضربون بالسيوف على أيديهم يقطعونها .
ثم شرعنا في خراب القلعة ورحلنا ، وقد تركناها مأوى للبوم والغربان ، ومساكن للأراوي والغزلان ، فسبحان الباقي الديان . وفيها أخذ السلطان قلعة شميمس من الأشرف صاحب حمص ، فحصنها وبعث إليها الخزائن . وفيها جاء عسكر حلب فنازلوا حمص وحاصروها مدة ، وأخذوها في سنة ست .
وفيها جاءت تذكرة بأن يحمل إلى مصر القاضي محيي الدين ابن الزكي ، وابن العماد الكاتب ، وابن الحضيري ، وأولاد ابن صصرى الأربعة ، والشرف ابن المعتمد ، وجماعة ؛ لأنهم كانوا من أصحاب الصالح إسماعيل ، فلما وصلوا مصر أقاموا بحسب اختيارهم ، فبقوا بها إلى بعد موت الصالح نجم الدين . وفي ذي القعدة حبس عز الدين أيبك المعظمي في دار فرخشاه بتواطئ من ابن مطروح وغيره . وصنعوا مترجماً قد جاءه من حلب من عند الصالح إسماعيل ، وكتبوا إلى السلطان يخبرونه بذلك ، فأمر أن يحمل إلى القاهرة تحت الحوطة ، فحمل وأنزل في دار صواب ، فاعتقل بها ، ورافعه ولده وقال : أموال أبي قد بعثها إلى حلب .
فمرض أيبك ومات بغبنه . ثم نقل في تابوت ، ودفن في قبته التي على الشرف الأعلى . وفيها كان ببغداد غلاء عظيم ، وأبيع الخبز ثلاثة أرطال بقيراط .
وفيها هرب للسلطان نجم الدين مماليك ، فمسك منهم أربعون نفساً بحلب ، وأرسلوهم إلى دمشق ، فشنق الأربعين على أبواب البلد .