محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل
محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل ، الحافظ الحجة الإمام ضياء الدين ، أبو عبد الله السعدي ، المقدسي ، ثم الدمشقي الصالحي ، صاحب التصانيف النافعة . ولد بالدير المبارك في سنة تسع وستين وخمسمائة . وسمع من أبي المعالي بن صابر ، ومحمد بن حمزة بن أبي الصقر ، وأبي المجد الفضل بن الحسين البانياسي ، وأبي الحسين أحمد ابن الموازيني ، والخضر بن طاوس ، ويحيى الثقفي ، وأبي الفتح عمر بن علي الجويني ، وابن صدقة الحراني ، وإسماعيل الجنزوي ، وخلق .
ولزم الحافظ عبد الغني وتخرج به ، وحفظ القرآن ، وتفقه . ورحل أولاً إلى مصر سنة خمس وتسعين ، فسمع : أبا القاسم البوصيري ، وإسماعيل بن ياسين ، والأرتاحي ، وبنت سعد الخير ، وعلي بن حمزة ، وجماعة . ورحل إلى بغداد بعد موت ابن كليب ؛ فلهذا روى عن أصحابه ، وفاته الأخذ عنه ، وقد أجاز له ابن كليب ومن هو أكبر من ابن كليب كشهدة ، والسلفي ، وسمع من المبارك ابن المعطوش ، وهو أكبر شيخ له ببغداد ، وأبي الفرج ابن الجوزي ، وعبد الله بن أبي المجد ، وبقاء بن حند ، وعبد الله بن أبي الفضل بن مزروع ، وعبد الرحمن بن محمد ابن ملاح الشط ، وطائفة من أصحاب قاضي المرستان ، وابن الحصين ، وعرض القرآن على عبد الواحد بن سلطان .
ثم دخل أصبهان بعد موت أبي المكارم اللبان ، وسمع من أبي جعفر الصيدلاني ، وأبي القاسم عبد الواحد الصيدلاني ، وخلف بن أحمد الفراء ، والمفتي أسعد بن محمود العجلي ، وأبي الفخر أسعد بن سعيد بن روح ، وأسعد بن أحمد الثقفي الضرير ، وإدريس بن محمد آل والويه ، وزاهر بن أحمد الثقفي هو أخو أسعد ، والمؤيد ابن الأخوة ، وعفيفة الفارفانية ، وأبي زرعة عبيد الله بن محمد اللفتواني ، وخلق سواهم ، وبهمذان من عبد الباقي بن عثمان بن صالح ، وجماعة ، ورجع إلى دمشق بعد الستمائة . ثم رحل إلى أصبهان ثانياً فأكثر بها وتزيد ، وحصل شيئاً كثيراً من المسانيد والأجزاء . ورحل منها إلى نيسابور فدخلها ليلة وفاة منصور الفراوي ، فسمع من المؤيد الطوسي ، وزينب الشعرية ، والقاسم الصفار .
ورحل إلى هراة فأكثر بها عن أبي روح عبد المعز ، وجماعة . ورحل إلى مرو فأقام بها نحواً من سنتين . وأكثر بها عن أبي المظفر ابن السمعاني ، وجماعة .
وسمع بحلب ، وحران ، والموصل . وقدم دمشق بعد خمسة أعوام بعلم كثير وكتب وأصول نفيسة فتح الله عليه بها هبةً ونسخاً وشراءً . وسمع بمكة من أبي الفتوح ابن الحصري وغيره .
ورجع ولزم الاشتغال والنسخ والتصنيف . ويسمع في خلال ذلك على الشيخ الموفق ويأتيه . وأجاز له : السلفي ، وشهدة ، وأحمد بن علي ابن الناعم ، وأسعد بن يلدرك ، وتجني الوهبانية ، وابن شاتيل ، وعبد الحق اليوسفي ، وأخوه عبد الرحيم اليوسفي ، وعيسى الدوشابي ، ومحمد بن نسيم العيشوني ، ومسلم ابن ثابت النخاس ، وأبو شاكر السقلاطوني ، وعبد الله بن بري النحوي ، وأبو الفتح عبد الله بن أحمد الخرقي ، وخلق كثير .
ذكره ابن الحاجب تلميذه فقال : شيخنا أبو عبد الله شيخ وقته ، ونسيج وحده علماً وحفظاً وثقة ودينًا ، من العلماء الربانيين ، وهو أكبر من أن يدل عليه مثلي . كان شديد التحري في الرواية ، ثقة فيما يؤديه ، مجتهداً في العبادة ، كثير الذكر ، منقطعاً عن الناس ، متواضعاً في ذات الله ، صحيح الأصول ، سهل العارية . ولقد سألت في رحلتي عنه جماعةً من العارفين بأحوال الرجال ، فأطنبوا في حقه ومدحوه بالحفظ والزهد ، حتى أنه لو تكلم في الجرح والتعديل لقبل منه .
سألت أبا عبد الله البرزالي عنه ، فقال : حافظ ، ثقة ، جبل ، دين . وذكره ابن النجار في تاريخه فقال : كتب وحصل الأصول ، وسمعنا بقراءته الكثير . وأقام بهراة ومرو مدةً ، وكتب الكتب الكبار بهمة عالية ، وجد واجتهاد ، وتحقيق وإتقان .
كتبت عنه ببغداد ، ودمشق ، ونيسابور . وهو حافظ متقن ، ثبت ، حجة ، عالم بالحديث والرجال . ورع ، تقي ، زاهد ، عابد ، محتاط في أكل الحلال ، مجاهد في سبيل الله .
ولعمري ما رأت عيناي مثله في نزاهته وعفته وحسن طريقته في طلب العلم . سألته عن مولده فقال : في جمادى الأولى سنة تسع وستين . ورأيت بخطه : مولدي في سادس جمادى الآخرة ، فالله أعلم .
قلت : الثاني هو الصحيح ، فإنه كذلك أخبر لعمر ابن الحاجب . قلت : سمعت الحافظ أبا الحجاج المزي - وما رأيت مثله - يقول : الشيخ الضياء أعلم بالحديث والرجال من الحافظ عبد الغني ، ولم يكن في وقته مثله . وحكى النجم ابن الخباز عن العز عبد الرحمن بن محمد ابن الحافظ قال : ما جاء بعد الدارقطني مثل شيخنا الضياء .
وقال الشرف أبو المظفر ابن النابلسي : ما رأيت مثل شيخنا الضياء . ذكر تصانيف الضياء : كتاب الأحكام يعوز قليلاً في ثلاث مجلدات ، فضائل الأعمال في مجلد ، الأحاديث المختارة خرج منها تسعين جزءاً ، وهي الأحاديث التي تصلح أن يحتج بها سوى ما في الصحيحين ، خرجها من مسموعاته . كتاب فضائل الشام ثلاثة أجزاء ، كتاب فضائل القرآن جزء ، كتاب الجنة ، كتاب النار ، كتاب مناقب أصحاب الحديث ، كتاب النهي عن سب الأصحاب ، كتاب سير المقادسة كالحافظ عبد الغني ، والشيخ الموفق ، والشيخ أبي عمر ، وغيرهم في عدة أجزاء .
وله تصانيف كثيرة في أجزاء عديدة لا يحضرني ذكرها . وله مجاميع ومنتخبات كثيرة . وله كتاب الموافقات في نيف وخمسين جزءاً .
وبنى مدرسةً على باب الجامع المظفري ، وأعانه عليها بعض أهل الخير ، وجعلها دار حديث ، وأن يسمع فيها جماعة من الصبيان ، ووقف بها كتبه وأجزاءه . وفيها من وقف الشيخ الموفق ، والبهاء عبد الرحمن ، والحافظ عبد الغني ، وابن الحاجب ، وابن سلام ، وابن هامل ، والشيخ علي الموصلي . وقد نهبت في نكبة الصالحية ، نوبة غازان ، وراح منها شيء كثير .
ثم تماثلت وتراجع حالها . وفيها - بحمد الله - الآن جملة نافعة للطلبة . وكان - رحمه الله - ملازماً لجبل الصالحية ، قل أن يدخل البلد أو يحدث به .
ولا أعلم أحداً سمع منه بالمدينة ، وإن كان فنزر يسير . أخذ عنه : جماعة من شيوخه ، وروى عنه : الحافظ أبو عبد الله البرزالي ، والحافظ أبو عبد الله ابن النجار ، وجماعة . ومن شيوخنا : أبو العباس ابن الظاهري ، وأبو الفداء إسماعيل ابن الفراء ، والتقي أحمد بن مؤمن ، والشمس محمد بن حازم ، والشيخ علي بن بقاء ، والنجم موسى الشقراوي ، والنجم إسماعيل ابن الخباز ، وداود بن حمزة ، ومحمد بن علي ابن الموازيني ، وعثمان الحمصي ، والشهاب أحمد الدشتي ، وأبو علي ابن الخلال ، وعيسى المطعم ، وأبو بكر بن عبد الدائم ، ومحمد ابن خطيب بيت الآبار ، وزينب بنت عبد الله ابن الرضي ، والقاضي المجد سالم بن أبي الهيجاء ، ومحمد بن يوسف الذهبي ، ومسند الشام القاضي تقي الدين سليمان فأكثر عنه ، فإني سمعته يقول : سمعت من شيخنا الضياء ألف جزء .
وقرأت بخط المحدث محمد بن الحسن بن سلام قال : محمد بن عبد الواحد شيخنا ، ما رأينا مثله في ما اجتمع له . كان مقدماً في علم الحديث ، فكأن هذا العلم قد انتهى إليه وسلم له . ونظر في الفقه وناظر فيه .
وجمع بين فقه الحديث ومعانيه . وشدا طرفاً من الأدب ، وكثيراً من اللغة والتفسير . وكان يحفظ القرآن واشتغل مدة به ، وقرأ بالروايات على مشايخ عديدة ، وكان يتلوه تلاوةً عذبة .
وجمع كل هذا مع الورع التام ، والتقشف الزائد ، والتعفف والقناعة ، والمروءة ، والعبادة الكثيرة ، وظلف النفس وتجنبها أحوال الدنيا ورعوناتها ، والرفق بالغرباء والطلاب ، والانقطاع عن الناس ، وطول الروح على الفقير والغريب . وكان محباً لمن يأخذ عنه ، مكرماً لمن يسمع عليه . وكان يحرض على الاشتغال ، ويعاون بإعارة الكتب .
وكنت أسأله عن المشكلات فيجيبني أجوبةً شافية عجز عنها المتقدمون ، ولم يدرك شأوها المتأخرون . قرأت عليه الكثير ، وما أفادني أحد كإفادته . وكان ينبهني على المهمات من العوالي ، ويأمرني بسماعها ، ويكرمني كثيراً ، وقرأت عليه صحيح مسلم .
كانت له أريضة بباب الجامع ورثها من أبيه ، وكان يبني فيها قليلاً قليلاً على قدر طاقته ، فيسر بناء كثير منها بهمته وحسن قصده وإجابة دعوته ، ونزل فيها المشتغلين بالفقه والحديث ، وكان ما يصل إليه من رمق يوصله إليهم ويصرفه عليهم . ورام بعض الكبار مساعدته ببناء مصنع للماء فأبى ذلك وقال : لا حاجة لنا في ماله . وكان من صغره إلى كبره موصوفاً بالنسك ، مشتغلاً بالعلم .
قلت : توفي في يوم الاثنين الثامن والعشرين من جمادى الآخرة ، وله أربع وسبعون سنة وأيام - رحمه الله ورضي عنه - .