حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

علي بن أبي الحسن بن منصور الشيخ أبو الحسن

علي بن أبي الحسن بن منصور الشيخ أبو الحسن ، وأبو محمد الحريري ، مقدم الطائفة الفقراء الحريرية أولي الطيبة والسماعات والشاهد . كان له شأن عجيب ونبأ غريب . وهو حوراني من عشيرة يقال لهم : بنو الرمان .

ولد بقرية بسر ، وقدم دمشق صبياً فنشأ بها . وذكر الشيخ أن مرجع قومه إلى قبيلة من أعراب الشام يعرفون ببني قرقر- وفي قرية مردا من جبل نابلس قوم من بني قرقر- . وكانت أم الشيخ دمشقية من ذرية الأمير قرواش بن المسيب العقيلي ، وكان خاله صاحب دكان بسوق الصاغة .

قال النجم ابن إسرائيل الشاعر : أدركته ورأيته . قال : وتوفي والد الشيخ وهو صغير فنشأ في حجر عمه ، وتعلم صنعة العتابي ، وبرع فيها حتى فاق الأقران . ثم اقتطعه الله إلى جنابه العزيز فصحب الشيخ أبا علي المغربل خادم الشيخ رسلان .

قرأت بخط الحافظ سيف الدين ابن المجد ما صورته : علي الحريري وطئ أرض الجبل ولم يكن ممن يمكنه المقام به ، والحمد لله . كان من أفتن شيء وأضره على الإسلام ؛ تظهر منه الزندقة والاستهزاء بأوامر الشرع ونواهيه . وبلغني من الثقات بدء أشياء يستعظم ذكرها من الزندقة والجرأة على الله .

وكان مستخفاً بأمر الصلوات وانتهاك الحرمات . ثم قال : حدثني رجل أن شخصاً دخل الحمام فرأى الحريري فيه ومعه صبيان حسان بلا مآزر ، فجاء إليه فقال : ما هذا ؟ فقال : كأن ليس سوى هذا ، وأشار إلى أحدهم تمدد على وجهك ، فتمدد . فتركه الرجل وخرج هارباً مما رأى ! وحدثني أبو إسحاق الصريفيني قال : قلت للحريري : ما الحجة في الرقص ؟ قال : قوله : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَها .

وكان يطعم وينفق ويهون أمور الدين فيتبعه كل مريب . وشاع خبره . وشهد عليه خلق كثير بما رأوا منه ومن أصحابه بما يوجب القتل .

ورفع أمره إلى السلطان ، فلم يقدم على قتله ، بل سجنه مرة بعد أخرى ، ثم أطلق والله المستعان على هذه المصيبة التي لم يصب المسلمون بمثلها . قلت : رحم الله السيف ابن المجد ورضي عنه ، فكيف لو رأى كلام الشيخ ابن العربي الذي هو محض الكفر والزندقة ؟ لقال : إن هذا الدجال المنتظر . ولكن كان ابن العربي منقبضاً عن الناس ، إنما يجتمع به آحاد الاتحادية ، ولا يصرح بأمره لكل أحد ، ولم تشتهر كتبه إلا بعد موته بمدة .

ولهذا تمادى أمره ، فلما كان على رأس السبعمائة جدد الله لهذه الأمة دينها بهتكه وفضيحته ، ودار بين العلماء كتابه الفصوص . وقد حط عليه الشيخ القدوة الصالح إبراهيم بن معضاد الجعبري ، فيما حدثني به شيخنا ابن تيمية ، عن التاج البرنباري ، أنه سمع الشيخ إبراهيم يذكر ابن العربي فقال : كان يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجاً . وأنبأنا العلامة ابن دقيق العيد أنه سمع الشيخ عز الدين ابن عبد السلام يقول في ابن العربي : شيخ سوء كذاب .

وممن حط عليه وحذر من كلامه الشيخ القدوة الولي إبراهيم الرقي . وممن أفتى بأن كتابه الفصوص فيه الكفر الأكبر قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة ، وقاضي القضاة سعد الدين الحارثي ، والعلامة زين الدين عمر بن أبي الحرم الكتاني ، وجماعة سواهم . وأما الحريري فكان متهتكاً ، قد ألقى جلباب الحياء ، وشطح حتى افتضح ، واشتهر مروقه واتضح .

وأبلغ ما يقوله في هؤلاء جبناء العلماء أن لكلامهم معاني وراء ما نفهمه نحن ، مع اعترافهم بأن هذا الكلام من حيث الخطاب العربي كفر وإلحاد ، لا يخالف في ذلك عاقل منهم إلا من عاند وكابر . فخذ ما قاله الحريري في جزء مجموع من كلامه يتداوله أصحابه بينهم قال : إذا دخل مريدي بلد الروم ، وتنصر ، وأكل لحم الخنزير ، وشرب الخمر كان في شغلي . وسأله رجل : أي الطرق أقرب إلى الله حتى أسير فيه ؟ فقال له : اترك السير وقد وصلت .

قلت : هذا مثل قول العفيف التلمساني : فلسوف تعلم أنّ سيرك لم يكن إلاّ إليك إذا بلغت المنزلا وقال لأصحابه : بايعوني على أن نموت يهود ، ونحشر إلى النار حتى لا يصاحبني أحد لعلة . وقال : ما يحسن بالفقير أن ينهزم من شيء ، ويحسن به إذا خاف شيئاً قصده . وقال : لو قدم علي من قتل ولدي وهو بذلك طيب وجدني أطيب منه .

وللحريري في الجزء المذكور : أمرد يقدّم مداسي أخير من رضوانكم وربع قحبةٍ عندي أحسن من الولدان قالوا : أنت تدعى صالح دع عنك هذي الخندقة قلت : السّماع يصلح لي بالشّمع والمردان ما أعرف لآدم طاعةً إلاّ سجود الملائكة وما أعرف آدم عصى اللّه تعظيم الرحمن إن كنت أُقجي تقدّم وإن كنت رمّاحا انتبه ، وإن كنت حشو المخدّة اخرج وردّ الباب ! . أوّد أشتهي قبل موتي أعشق ولو صورة حجر ، أنا مثّكلٌ محيرّ والعشق بي مشغول . وقال النجم ابن إسرائيل : قال لي الشيخ مرةً : ما معنى قوله تعالى : كُلَّما أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأهَا اللَّهُ فقلت : سيدي يقول وأنا أسمع .

قال : ويحك من الموقد ومن المطفئ ؟ لا تسمع لله كلاماً إلا منك فيك ، قلت : ومن أين لي ؟ قال : بمحو إنيتك ، وقال : لو ذبحت بيدي سبعين نبياً ما اعتقدت أني مخطئ . يعني لو ذبحتهم لفعلت ما أراده الله مني ، إذ لا يقع شيء في الكون إلا بإرادته سبحانه وتعالى . قلت : وطرد ذلك أن الله أراد منا أن نلعن قتلة الأنبياء ، ونبرأ منهم ، ونعتقد أنهم أصحاب النار ، وأن نلعن الزنادقة ، ونضرب أعناقهم ، وإلا فلأي شيءٍ خلقت جهنم ؟ واشتد غضب الله على من قتل نبياً ، فكيف بمن يقتل سبعين نبياً ؟ والله تعالى يحب الأبرار ، ويبغض الفجار ، ويخلدهم في النار ، مع كونه أراد إيجاد الكفر والإيمان فهو يريد الشيء ، فإنه لا يكون إلا ما يريد .

ولكنه لا يرضى لعباده الكفر ولا يحبه ، نعم يريده ولا يسأل عما يفعل ، ولا يعترض عليه ، فإنه أحكم الحاكمين ، وأرحم الراحمين ، لا يخلق شيئاً إلا لحكمة ، لكن عقولنا قصيرة عن إدراك حكمته ، فالخلق ملكه ، والأمر أمره ولا معقب لحكمه ، يخلد الكفار في النار بعدله وحكمته ، ويخلد الأبرار في الجنة بفضله ورحمته . فجميع ما يقع في الوجود فبأمره وحكمته ، وعدم علمنا بمعرفة حكمته لا يدل على أنه يخلق شيئاً بلا حكمة تعالى الله عن ذلك ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ ترْجَعُونَ . وقال أبو الحسن علي بن أنجب ابن الساعي في تاريخه : الفقير الحريري الدمشقي شيخ عجيب الحال ، له زاوية بدمشق يقصده بها الفقراء وغيرهم من أبناء الدنيا ، وكان يعاشر الأحداث ويصحبهم ويقيمون عنده ، وكان الناس يكثرون القول فيه ، وينسبونه إلى ما لا يجوز ، حتى كان يقال عنه أنه مباحي ، ولم تكن عنده مراقبة ولا مبالاة ، بل يدخل مع الصبيان الأحداث ، ويعتمد معهم ما يسمونه تخريباً ، والفقهاء ينكرون فعله ، ويوجهون الإنكار نحوه ، حتى أن سلطان دمشق أخذه مراراً وحبسه ، وهو لا يرجع عن ذلك ويزعم أنه صحيح في نفسه .

وكان له قبول عظيم لا سيما عند الأحداث ، فإنه كان إذا وقع نظره على أحد من الأحداث سواء كان من أولاد الأمراء أو أولاد الأجناد أو غيرهم يحسن ظنه فيه ، ويميل إليه ، ولا يعود ينتفع به أهله ، بل يلازمه ويقيم عنده اعتقاداً فيه . وكان أمره مشكلاً ، والله يتولى السرائر . ولم يزل على ذلك إلى حين وفاته .

وكان فيه لطف . وله شعر ، فمنه : كم تتبعني بصحبة الأجساد كم تسهرني بلذّة الميعاد جُد لي بمدامة تقوّي رمقي والجنّة جُد بها على الزّهّاد وقال الإمام أبو شامة : الشيخ علي الحريري المقيم بقرية بسر ، كان يتردد إلى دمشق ، وتبعه طائفة من الفقراء المعروفين بالحريرية أصحاب الزي المنافي للشريعة وباطنهم شر من ظاهرهم ، إلا من رجع إلى الله منهم . وكان عند هذا الحريري من القيام بواجب الشريعة ، ما لم يعرفه أحد من المتشرعين ظاهراً وباطناً ، ومن إقامة شرائع الحقيقة ما لم يكن عند أحد في عصره من المحافظة على محبة الله وذكره والدعاء إليه والمعرفة به .

وأكثر الناس يغلطون في أمره الظاهر وفي أمره الباطن . ولقد أفتى فيه مشايخ العلماء - يعرض بابن عبد السلام لكونه أخرج من دمشق - وما بلغوا منتهى فتياهم ، وبلغ هو فيهم ما كانوا يريدون أن يبلغوه فيه ، ولقد كان - قدس الله روحه - مكاشفاً لما في صدور خلق الله مما يضمرونه ، بحيث قد أطلعه الله على سرائر خلقه وأوليائه . قلت : المكاشفة لما في ضمائر الصدور قدر مشترك بين أولياء الله وبين الكهان والمجانين .

ولكن الشيخ شهاب الدين يتكلم من وراء العافية ، ويحسن الظن بالصالحين والمجهولين ، والله يثيبه على حسن قصده وصدق أدبه مع أولي الأحوال ، ونحن فالله يثيبنا على مقاصدنا ، والله هو المطلع على نياتنا ومرادنا ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، قال الله تعالى : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحَونَ إِلى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ . ولبعضهم : دُفٌّ ومزمار ونغمة شادنٍ فمتى رأيت عبادةً بملاهي يا فرقة ما ضر دين محمد وسطا عليه وملّه إلاّ هي ومن قول الحريري : الشعر باب السر . قلت : بل باب الشر ، فإنه ينبت النفاق في القلب ، وقال عليه السلام : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً .

ونهى أصحابه عن غلق الباب وقت السماع حتى عن اليهود والنصارى وقال : دار الضرب التي للسلطان مفتوحة ، وضارب الزغل يغلق بابه . وقال : لو اعتقدت أني تركت شرب الخمر عدت إليه . وله من هذا الهذيان شيء كثير .

وذكر النسابة في تعاليقه قال : وفي سنة ثمان وعشرين وستمائة أمر الصالح بطلب الحريري واعتقاله فهرب إلى بسر ، وسببه أن ابن الصلاح ، وابن عبد السلام ، وابن الحاجب أفتوا بقتله لما اشتهر عنه من الإباحة ، وقذف الأنبياء والفسق ، وترك الصلاة . وقال الملك الصالح أخو السلطان : أنا أعرف منه أكثر من ذلك . وسجن الوالي جماعة من أصحابه ، وتبرأ منه أصحابه وشتموه ، ثم طلب وحبس بعزتا ، فجعل ناس يترددون إليه فأنكرالفقهاء ، وأرسلوا إلى الوزير ابن مرزوق : إن لم تعمل الواجب فيه وإلا قتلناه نحن .

وكان ابن الصلاح يدعو عليه في أثناء كل صلاة بالجامع جهراً ، وكتب طائفة من أصحابه غير محضر بالبراءة منه . قلت : ومن كلامه المليح : دورت طول عمري على من ينصفني فوجدت فرد واحد ، فلما أنصفني ما أنصفته . وقال : أقمت شهراً لا أفتر من الذكر ، فكنت ليلةً في بيت مظلم فجف لساني ، ولم يبق في حركة سوى أني أسمع ذكر أعضائي بسمعي .

وقال : ما يحسن أن تكون العبادة هي المعبود . وقال : أعلى ما للفقير الاندحاض . وكان الحريري يلبس الطويل والقصير والمدور والمفرج ، والأبيض والأسود ، والعمامة والمئزر والقلنسوة وحدها ، وثوب المرأة والمطرز والملون ، وسأله أصحابه لما حبس أن يسأل ويتشفع ، فلم يفعل ، فلما أقام أربع سنين زاد سؤالهم ، فأمرهم أن يكتبوا قصةً فيها : من الخلق الضعيف إلى الرأي الشريف ، ممن هو ذنب كله إلى من هو عفو كله ، سبب هذه المكاتبة الضعف عن المعاتبة ، أصغر خدم الفقراء علي الحريري : فقيرٌ ولكن من صلاح ومن تقى وشيخ ولكن للفسوق إمام فسعوا بالقصة وأرادوا أن تصل إلى السلطان ، فما قرأ أحد من الدولة القصة إلا ورماها ، فبلغه ذلك ، فاحتد ، وقال : لأجل هذا ما أذنت لكم بالسعي .

وأقام في عزتا ست سنين وسبعة أشهر ، يعني في الحبس ، وأصاب الناس جدب ، وكان هو - في ذلك الوقت - يركب الخيل العربية ويلبس الملبوس الجميل ، ولم يكن في بيته حصير ، وربما تغطى هو وأهله بجل الفرس . وقال : نسجت ثوب حرير يلبس كما جرت العوائد والثوب كالثياب المعتادة بالتخاريس والأكمام والنيافق ، والكل نسيج لم يدخل فيه خيط ولا إبرة ، فلما فرغ وزفوه في البلد ، وشهد الصناع بصحته ، تركته وبكيت ، فقال لي إنسان : على أيش تبكي ؟ فقلت : على زمان ضيعته في فكري في عملي هذا كيف ما كان فيما هو أهم منه . وقال لنا صاحبنا شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزري في تاريخه : حكى لي زين الدين أبو الحرم بن محمد بن عنيزة الدمشقي الحريري قال : كان أبي مجاور الشيخ علي الحريري بدكان على رأس درب الصقيل ، وكان قد وقف على الشيخ علي دراهم كثيرة ، فحبسوه ، ودخل الحبس وما معه درهم ، فبات بلا عشاء ، فلما كان بكرةً صلى بالمحبسين ، وقعد يذكر بهم إلى ساعتين من النهار ، وبقي كل من يجيئه شيء من أهله من المأكول يشيله ، فلما قارب وقت الظهر أمرهم بمد ما جاءهم ، فأكل جميع المحبسين وفضل منه ، ثم صلى بهم الظهر ، وأمرهم أن يناموا ويستريحوا ، ثم صلى بهم العصر ، وقعد يذكر بهم إلى المغرب ، وكلما جاءهم شيء رفعه ، ثم مدوه بعد المغرب مع فضلة الغداء ، فأكلوا وفضل شيء كثير .

فلما كان في ثالث يوم أمرهم : من عليه أقل من مائة درهم أن يجبوا له من بينهم ، فخرج منهم جماعة وشرعوا في خلاص الباقين- يعني الذين خرجوا - وأقام ستة أشهر ، فخرج خلق كثير ؛ ثم إنهم جبوا له وأخرجوه ، وعاد إلى دكانه . وصار أولئك المحبسون فيما بعد يأتونه العصر ، ويطلعون به إلى عند قبر الشيخ رسلان فيذكر بهم . وربما يطلعون إلى الجسر الغيدي ، وكل يوم يتجدد له أصحاب إلى أن آل أمره إلى ما آل .

وقال الجزري أيضاً : حدثني عماد الدين يحيى بن أحمد الحسني البصروي ، ومؤيد الدين علي ابن خطيب عقرباء أن جمال الدين خطيب عقرباء جد المؤيد ، والفلك المسيري الوزير ، وابن سلام ، طلعوا إلى قرية للفلك بنوى فعزموا على زيارة الحريري ببسر ، فقال أحدهم : إن كان رجلاً صالحاً فعند وصولنا يطعمنا بسيسة ، وقال الآخر : ويطعمنا بطيخا أخضر ، وقال الآخر : ويحضر لنا فقاعاً بثلج . فأتوه فتلقاهم أحسن ملتقى ، وأحضر البسيسة ، وأشار إلى من اشتهاها أن كل ، وأحضر البطيخ وأشار إلى الآخر أن كل . ثم نظر إلى الذي اشتهى الفقاع وقال : كان عندي باب البريد .

ثم دخل فقير وعلى رأسه دست فقاع وثلج فقال : اشرب بسم الله . وذكر المولى بهاء الدين يوسف بن أحمد ابن العجمي- فيما حدثني به رجل معتبر عنه - أن الصاحب مجد الدين ابن العديم حدثه عن أبيه الصاحب كمال الدين قال : كنت أكره الحريري وطريقه ، فاتفق أنني حججت ، فحج في الركب ومعه جماعة ومردان ، فأحرموا وبقي تبدو منهم في الإحرام أمور منكرة . فحضرت يوماً عند أمير الحاج فجاء الحريري ، فاتفق حضور إنسان بعلبكي وأحضر ملاعق بعلبكية ، ففرق علينا لكل واحد ملعقتين ، وأعطى للشيخ الحريري واحدةً ، فأعطاه الجماعة ملاعقهم تكرمةً له ، وأما أنا فلم أعطه ملعقتي ، فقال : يا كمال الدين ، ما لك لا توافق الجماعة ؟ فقلت : ما أعطيك شيئاً .

فقال : الساعة نكسرك أو نحو هذا . قال : والملعقتان على ركبتي ، فنظرت إليهما فإذا بهما قد انكسرتا شقفتين ، فقلت : ومع هذا فما أرجع عن أمري فيك ، وهذا من الشيطان . أو قال : هذا حال شيطاني .

وقال ابن إسرائيل فيما جمعه من أخبار الحريري : صحبته حضراً وسفراً ، وبلغ سبعاً وتسعين سنة - كذا قال ابن إسرائيل - قال : وتوفي في الساعة التاسعة من يوم الجمعة السادس والعشرين من رمضان سنة خمس وأربعين من غير مرض . وكان أخبر بذلك قبل وقوعه بمدة . ثم قال ابن إسرائيل : وشهر إخبارا متواترا في اليوم الذي عبر فيه في ليلته بحيث إنه أوصى كما يوصي من هو بآخر رمق ، وهو حينئذ أصح ما كان ، وقبض جالساً مستقبل القبلة ضاحكاً .

وحضرت وفاته وغسلته وألحدته . ورثيته بهذه القصيدة : خطبٌ كما شاء الإله جليل ذهلت لديه بصائر وعقول قلت : وهي نيف وسبعون بيتاً . وسن أصحابه المحيا كل عام في ليلة سبعة وعشرين ، وهي من ليالي القدر ، فيحيون تلك الليلة الشريفة بالدفوف والشبابات والملاح والرقص إلى السحر ، اللهم لا تمكر بنا وتوفنا على سنة نبيك !

موقع حَـدِيث