يوسف ابن شيخ الشيوخ صدر الدين أبي الحسن محمد
يوسف ابن شيخ الشيوخ صدر الدين أبي الحسن محمد ابن شيخ الشيوخ أبي الفتح عمر بن علي بن محمد بن حمويه بن محمد بن حمويه . الأمير الصاحب ، مقدم الجيوش الصالحية ، فخر الدين أبو الفضل الحمويي الجويني الأصل ، الدمشقي . ولد بدمشق سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ، وسمع : منصور بن أبي الحسن الطبري ، وغيره ، وبمصر من محمد بن يوسف الغزنوي ، وحدث .
وكان رئيسا ، عاقلا مدبرا ، كامل السؤدد ، خليقا للإمارة ، محببا إلى الناس ، سمحا جوادا ، لم يبلغ أحد من إخوته الثلاثة إلى ما بلغ من الرتبة ، وقد حبسه السلطان نجم الدين سنة أربعين ، وبقي في الحبس ثلاثة أعوام ، وقاسى ضرا وشدائد ، وكان لا ينام من القمل ، ثم أخرجه وأنعم عليه ، وجعله نائب السلطنة ، وكان يتعانى شرب النبيذ - نسأل الله العفو - فلما توفي السلطان ندبوا فخر الدين إلى السلطنة فامتنع ، ولو أجاب لتم له الأمر . بلغنا عنه أنه قدم دمشق مع السلطان فنزل دار سامة فدخل عليه العماد ابن النحاس فقال له : يا فخر الدين إلى كم ؟ ما بقي بعد اليوم شيء ؟ فقال : يا عماد الدين ، والله لأسبقنك إلى الجنة . فصدق الله - إن شاء الله - قوله ، واستشهد يوم وقعة المنصورة .
ولما مات الصالح قام فخر الدين بأمر الملك ، وأحسن إلى الناس ، وأنفق في العسكر مائتي ألف دينار ، وأحسن إلى الرعية ، وأبطل بعض المكوس ، وركب بالشاويشية ، ولو أمهله القضاء لكان ربما تسلطن . بعث الفارس أقطاي إلى حصن كيفا لإحضار الملك المعظم تورانشاه ولد السلطان ، فأحضره وتملك ، وقد هم المعظم هذا بقتله ، فإن المماليك الذين ساقوا إلى دمشق يستعجلون المعظم أوهموه أن فخر الدين قد حلف لنفسه على الملك ، واتفق مجيء الفرنج إلى عسكر المسلمين ، واندفاع العسكر بين أيديهم منهزمين ، فركب فخر الدين وقت السحر ليكشف الخبر ، وأرسل النقباء إلى الجيش ، وساق في طلبه ، فصادف طلب الديوية ، فحملوا عليه ، فانهزم أصحابه وطعن هو فسقط وقتل ، وأما غلمانه فنهبوا أمواله وخيله . قال سعد الدين ابن عمه : كان يوما شديد الضباب فطعنوه ، رموه ، وضربوا في وجهه بالسيف ضربتين ، وقتل عليه جمداره لا غير ، وأخذ الجولاني قدور حمامه الذي بناه بالمنصورة ، وأخذ الدمياطي أبواب داره ، وقتل يومئذ نجم الدين البهنسي والشجاع ابن بوشو ، والتعبه دار الكاتب ، ونهب خيم الميمنة جميعها .
ثم تراجع المسلمون وأوقعوا بالفرنج ، فقتل منهم ألف وستمائة فارس . ثم ضربت الفرنج خيمهم في هذا البر ، وشرعوا في حفر خندق عليهم . ثم شلنا فخر الدين وهو بقميص لا غير ، وأما داره التي أنشأها بالمنصورة فإنها في ذلك النهار خربت حتى يقال : كان هنا دار هي بالأمس كانت تصطف على بابها سناجق سبعين أميرا ينتظرون خروجه ، فسبحان من لا يحول ولا يزول .
ثم حمل إلى القاهرة ، وكان يوم دفنه يوما مشهودا ، حمل على الأصابع ، وعمل له عزاء عظيم . قتل يوم رابع ذي القعدة . ومن شعره : دوبيت : صيرّتُ فمي لفيه باللّثم لثام غصبا ورشفت من ثناياه مُدام فاغتاظ وقال أنت في الفقه إمام ريقي خمرٌ وعندك الخمرُ حرام وله : في عشقك قد هجرتُ أُمّي وأبي الرّاحةُ للغير وحظّي تعبي يا ظالم في الهوى أما تُنصفني وحّدتُك في العشق فلم تُشرك بي وأنشد أيضا : وتعانقنا فقُل ما شئت من ماءٍ وخمر وتعاتبنا فقُل ما شئت من غنج وسحر ثمّ لمّا أدبر اللّيلُ وجاء الصُّبح يجري قال إيّاك رقيبي بك يدري قلت يدري وله : إذا تحقّقتم ما عند صاحبكم من الغرام فذاك القدر يكفيه أنتم سكنتم فؤادي وهو منزلكم وصاحب البيت أدرى بالّذي فيه