لؤلؤ الأمير الكبير شمس الدين
لؤلؤ ، الأمير الكبير شمس الدين ، أبو سعيد الأميني الموصلي ، كافل الممالك الشامية . ولد سنة خمس وثمانين وخمسمائة تقريبا ، وسمع من : محمد بن وهب ابن الزنف ، وعمر بن طبرزد . روى عنه : الدمياطي ، ومجد الدين ابن العديم ، وغيرهما .
وكان بطلا شجاعا ، كريما ، دينا ، عابدا ، صالحا ، أمارا بالمعروف . إلا أن فيه عقل الترك ! . كان مدبر الدولة الناصرية ، فحرص كل الحرص على العبور إلى الديار المصرية ليفتحها لمخدومه ، فسار به وبالجيوش ، وعمل مع عسكر مصر مصافا بقرب العباسة فانكسر المصريون ، ثم تناخت البحرية بعد فراغ المصاف ، وحملوا على لؤلؤ وهو في طائفة قليلة فأسروه ، ثم قتلوه بين العباسة وبلبيس في تاسع ذي القعدة ، وقتل معه جماعة .
قال ابن واصل : وقع المصاف فحمل الشاميون حملة شديدة فهزموا المصريين وتبعهم الشاميون ، وثبت المعز في جماعة من البحرية ، وتحيز بهم ومعه الفارس أقطاي ، وعزموا على قصد ناحية الشوبك ، وبقي السلطان الملك الناصر تحت السناجق في جمع قليل أيضا ، وبعد عنه جيشه إذ ساقوا خلف المصريين إلى العباسة ، وتم لهم النصر ، ونصبوا دهليز السلطان بالعباسة . وحكى لي الأمير حسام الدين ابن أبي علي أن فرسه تقنطر به ، فجاء جندي فركبه وقال له : قد تمت الكسرة علينا قال : فشاهدت طلبا قريبا مني فقصدتهم ، فرأيت رنكهم رنك المصريين فأتيتهم ، فوجدتهم المعز وأقطاي في جماعة لا يزيدون على سبعين فارسا فسلمت على الملك المعز ووقفت ، فقال لي : ترى هذا الجمع ؟ قلت : نعم . فقال : هذا الملك الناصر وجماعته ، ثم إن المعز حمل على الناصر ، فانهزم وكسرت سناجقه ، ونهب ما معه ، وأسر بعضهم ، ونجا البعض ، وانضاف بعض العزيزية إلى المعز وكثر جمعه ، فلقد أساء شمس الدين لؤلؤ التدبير في تركه السلطان في قل من الناس ، وكان ينبغي له وللعسكر أن يلازموه إلى أن ينزل بالمنزلة ، ولو فعلوا ذلك لملكوا البلاد .
فأسر أصحاب المعز الملك الصالح إسماعيل والأشرف صاحب حمص ، والمعظم ولدي السلطان صلاح الدين ، وبلغ لؤلؤ هرب السلطان فقال : ما يضرنا بعد أن انتصرنا ، هو يعود إذ تمكنا ، ثم كر راجعا في جمع ، وحمل على الملك المعز ، فحمل أيضا عليه ، فانكسر جماعة لؤلؤ ، وأسر هو وضياء الدين القيمري . فحدثني حسام الدين ابن أبي علي قال : ما رأيت أحسن ثباتا من لؤلؤ ، ولا أشد صبرا . لم يتكلم بكلمة ولا ذل ولا خضع ولا اضطرب حتى أخذته السيوف .