حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

ظهور النار بالمدينة

ظهور النار بالمدينة قال أبو شامة : جاء إلى دمشق كُتُبٌ من المدينة بخروج نارٍ عندهم في خامس جُمادى الآخرة ، وكُتِبت الكُتب في خامس رجب ، والنّار بحالها بعدُ ، ووصلت إلينا الكتب في شعبان ، فأخبرني من أثق به ممّن شاهدها بالمدينة أنه بلغه أنه كُتب بتَيماء على ضوئها الكُتُب ، قال : وكنّا في بيوتنا بالمدينة تلك اللّيالي ، وكأنَّ في دار كلّ واحدٍ سراجًا . ولم يكن لها حر ولا لفحٌ على عظمها ، إنّما كانت آية . قال أبو شامة : وهذه صورة ما وقفت عليه من الكتب : لمّا كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة ظهر بالمدينة دَوِيٌّ عظيم ثمّ زلزلةٌ عظيمة فكانت ساعةً بعد ساعة إلى خامس الشَّهر ، فظهرت نارٌ عظيمة في الحرّة قريبًا من قُريظة نبصرها من دُورنا من داخل المدينة كأنها عندنا ، وسالت أودية منها إلى وادي شظا مسيل الماء ، وقد سدّت مسيل شظا وما عاد يسيل ، والله لقد طلعنا جماعةٌ نُبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانا ، وقد سدّت الحرَّة طريق الحاجّ العراقيّ ، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرَّة ، فوقفت ورجعت تسير في الشّرق يخرج من وسطها مهود وجبال نار تأكل الحجارة ، فيها أُنموذج ما أخبر الله : ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ .

وقد أكلت الأرض . ولها الآن شهر وهي في زيادة ، وقد عادت إلى الحرار في قُريظة طريق الحاج إلى بُحيرة العراقيّ كلّها نيران تشتعل نبصرها في الليل من المدينة كأنها مشاعل ، وأمّا أمُّ النّيران الكبيرة فهي جبال نيران حُمر ، وما أقدر أصف هذه النار . ومن كتاب آخر : ظهر في شرقيّ المدينة نارٌ عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض ، وسال منها وادٍ من نار حتّى حاذت جبل أُحُد ، ثمّ وقفت .

ولا ندري ماذا نفعل . ووقت ظهورها دخل أهلُ المدينة إلى نبيهم صلى الله عليه وسلم مستغفرين تائبين إلى ربّهم . وفي كتاب آخر : في أوّل جمادى الآخرة ظهر بالمدينة صوت كالرّعد البعيد ، فبقي يومين ، وفي ثالث الشّهر تعقّبه زلزال فتقيم ثلاثة أيّام ، يقع في اليوم واللّيلة أربع عشرة زلزلة .

فلمّا كان يوم خامسه انبجست الأرض من الحرَّة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي برأي العين من المدينة تُشاهد ، وهي ترمي بشَرَر كالقصر . وهي بموضع يقال له أحلين ، وقد سال من هذه النار وادٍ يكون مِقداره أربعة فراسخ ، وعرضه أربعة أميال ، وعُمقه قامةٌ ونصف ، وهو يجري على وجه الأرض وتخرج منه أمهاد وجبال صغار ، ويسير على وجه الأرض ، وهو صخر يذوب حتّى يبقى مثل الآنك ، فإذا خمد صار أسود ، وقبْل الخمود لونه أحمر ، وقد حصل إقلاعٌ عن المعاصي وتقرُّبٌ بالطاعات . وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة .

ومن كتاب قاضي المدينة سنان الحُسينيّ يقول في التّاريخ : لقد والله زُلزِلت مرة ونحن حول الحُجْرة النَّبوية ، فاضطرب بها المِنبر والقناديل . ثم طلع في رأس أحلين نارٌ عظيمة مثل المدينة العظّيَمة ، وما بانت لنا إلاّ ليلة السّبت وأشفقنا منها ، وطلعتُ إلى الأمير وكلّمته وقلت : قد أحاط بنا العذاب ، ارجعْ إلى الله . فأعتقَ كلّ مماليكه وردّ على جماعة أموالهم .

فلمّا فعل ذلك قلت : اهبط معنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فهبط وبتنا ليلة السّبت ، النّاسُ جميعُهم والنّسوانُ وأولادُهم ، وما بقي أحدٌ لا في النَّخل ولا في المدينة إلاّ عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وأشفقنا منها ، وظهر ضؤوها إلى أن أُبصرت من مكّة ، ومن الفَلاة جميعها . ثمّ سال منها نهرٌ من نار ، وأخذ في وادي أُحلين وسدّ الطريق ، ثم طلع إلى بحرة الحاجّ ، وهو بحر نار يجري وفوقه حرَّة تسير إلى أن قطعت وادي الشَّظاة ، وما عاد يجيء في الوادي سيْلٌ قطّ لأنَّها حرّة ، تجيء قامتين وثلث عُلُوُّها . والله يا أخي إنّ عيشتنا اليوم مكدَّرة ، والمدينة قد تاب أهلُها ولا بقي يُسمع فيها ربابٌ ولا دُف ولا شُرْب .

وتمّت تسير إلى أن سدّت بعض طريق الحاجّ ، وكان في الودي إلينا منها قَتِير ، وخفنا أن تجيئنا ، واجتمع النّاس وباتوا عند النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة وقد طُفِئ قتيرها الذي يلينا بقُدرة الله ، وإلى الساعة ما نقَصَتْ بل ترمي مثل الجمال حجارةً من نار ، ولها دوِيّ ، ما تدعنا نرقد ولا نأكل ولا نشرب ، وما أقدر أصف لك عظَمَها ولا ما فيها من الأهوال . وأبصرها أهل ينبُع ، وندبوا قاضيهم ابنَ أسعد ، وجاء وغدا إليها ، وما أصبح يقدر يصفُها من عِظمها ، وكتب يوم خامس رجب ، والشّمس والقمر من يوم طلعت ما يطلعان إلا كاسِفين . ومن كتاب آخر من بعض بني الفاشانيّ يقول : جرى عندنا أمرٌ عظيم .

إلى أن قال في النّار : ظهر دخان عظيم في السماء ينعقد حتى يبقى كالسحاب الأبيض إلى آخر النهار ظهر للنّار ألسُنٌ تصَّعَّد في الهواء حمراء كأنّها العَلَقة ، وعظُمت ففزع النّاس إلى المسجد ، وابتهلوا إلى الله ، وغطَّت حُمرةُ النّار السّماء كلَّها حتى بقي النّاس في مثل ضوء القمر ، وأيقنّا بالعذاب . وصعِد القاضي والفقيه إلى الأمير يعِظُونه فطرح المكس ، وأعتق رقيقه كلَّهم ، وردّ علينا كلَّ ما لنا تحت يده ، وعلى غيرنا ، وبقيت كذلك أيّامًا ، ثمّ سالت في وادي أُحلين تتحدر مع الوادي إلى الشَّظاة ، حتىّ لحق سَيَلانُها ببَحْرة الحاجّ ، والحجارة معها تتحرَّك وتسير حتىّ كادت تقارب حرَّة العِراض ، ثمَّ سَكَنتْ ووقفت أيامًا ، ثم عاد يخرج منها ترمي بحجارة من خلفها وأمامها حتىّ بَنَتْ جبلين خلفَها وأًمامها ، وما بقي يخرج منها من بين الجبلين ، لسانٌ لها أيّامًا . ثمّ إنّها عظُمت الآن وشبَاها إلى الآن ، وهي تتّقد كأعظم ما يكون ، ولها كلّ يوم صوت عظيمٌ من آخر الليل إلى ضَحْوِة ، والشمس والقمر كأنّهما منكسفان إلى الآن ، وكتب هذا ولها شهر .

قلت : أمر هذه النّار متواتر ، وهي ممّا أخبر به المصطفى صلوات الله عليه وسلامه حيث يقول : لا تقوم الساعة حتّى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تُضيء لها أعناق الإبل بِبُصرى وقد حكى غير واحد ممّن كان بِبُصْرى في الليل ورأى أعناق الإبل في ضوئها . وقال أبو شامة : وفي ليلة السّادس عشر ، كذا قال ، من جمادى الآخرة خُسف القمر أول الليل ، وكسفت الشمس في غده ، كذا قال ، وقال احمرَّت وقت طلوعها وغروبها . وبقيت كذلك أيّامًا متغيّرة ضعيفة النّور ، واتّضح بذلك ما صوّره الشّافعيّ من اجتماع الكسوف والعيد .

قلت : هذا الكلام فيه بعض ما فيه ، وقوله : كُسفت الشّمس في الغد دعوى ما علِمتُ أحدًا وافقه عليها ولا ورَّخها غيره ، ثم بيَّن مسْتنده باحمرار الشمس وضعف نورها ، وهذا لا يُسمى كسوفًا أبدًا ، ولقد كنت في رحلتي إلى الإسكندرية وأنا في المركب أنظر إلى الشمس قبل غروبها بساعة ، وهي كأنها نحاسةٌ حمراء ما لها من النّور شيء أصلًا إلى أن تتوارى ، وذلك لكثافة الأبخرة الأرضية ، ومثل هذا إذا وقع لا تصلى له صلاةَ الكسوف ، والنبيّ صلى الله عليه وسلم لم نسمعه سمّى ذلك كسوفًا في وصف ليلة القدر بالآية التي ميَّزها بها فقال : إنّ الشمس تطلُع من صبيحتها ولا شُعاع لها وأما كسوف الشّمس والقمر فشيءٌ ظاهر يبدو قليلًا قليلًا في القُرص إلى أن يذهب نورهما ولونهما ، وتظهر الكواكب بالنَّهار . وقد يكون كسوفًا ناقصًا فيبقى شطر من الشّمس كاسفًا ، وشطرٌ نيّرًا . وأما حساب أهل الهيئة لذلك فشيء ما علمْتُه يخرم أبدًا ، وهو عندهم حساب قطعي ، ومن نظر في مستندهم جَزَمَ به ، بخلاف قولهم في تأثير الكسوف في الأرض من موت عظيم ، أو حادث كبير ، فإن هذا من الإفك والزُّور والهذَيان الذي لا يحل لمسلم أن يعتقده ، وذلك التّأثير عند المنجّمين ظنٌُّ وحدْس ؛ والظّن أكذب الحديث ، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الشمس والقمر لا يُكْسفان لموت أحدٍ ولا لحياته ، ولكنَّهما آيتان يخوّف اللهٌ بهما عباده .

موقع حَـدِيث