سنة خمس وخمسين وستمائة
سنة خمس وخمسين وستمائة في ربيع الأول مات الملك المُعزّ أيْبك التُّركمانيّ صاحب مصر ، قَتَلتْه زوجته شجر الُّدّر ، وسلطنوا بعده ولده الملك المنصوري عليّ بن أيْبك . وفيها تردَّدت رُسُل التّتار إلى بغداد ، وكانت الفرامين منهم واصلة إلى ناس بعد ناس من غير تَحَاش منهم في ذلك ولا خيفة ، والخليفة والنّاس في غفلةٍ عمّا يُراد بهم ليقضيَ الله أمرًا كان مفعولًا . وفي رمضان توجَّه الملك العزيز ابن السلطان الملك النّاصر يوسف ، وهو صبيٌّ مع الأمير الزَّيْن الحافظي وجماعة بهدايا وتُحف إلى هولاكو .
وأما المصريون فاختلفوا وقُبض على جماعة منهم وقُتِل آخرون ، وولي الوزارة القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز . وفيها كانت فتنةٌ هائلة ببغداد بين السُنَّة والشيعة أدّت إلى خراب ونهب ، وقُتل جماعة من الفريقين ، واشتد الأمر ، ثم بعث الخليفة من سكَّن الفتنة . وفي هذا الوقت ظهر بالشام طائفة الحيْدريّة ، يقصّون لحِاهم ويلبسون فراجي من اللّبّاد وعليهم طراطير ، وفي رقابهم حِلَقٌ كبار من حديد .
زعموا أنّ الملاحدة أمسكوا شيخهم حيْدَر وقصوا ذَقْنه ، وهم يُصلون ويصومون ، ولكنهم قوم منحرفون ، وكان أمر الدّين ضعيفًا في أيام النّاصر بدَوران الخمر والزنا وكثرة الظُّلم وعدم العدل ، وظهور البدع ، وغير ذلك . وفيها وقعت وحْشةٌ في نفس الملك الناصر من البحريّة ، وبلغه أنهم عزموا على الفتْك به ، فأمرهم بالانتزاح عن دمشق ، ففارقوه مُغاضِبين له ونزلوا غزَّة ، ثم انتموا إلى الملك المغيث صاحب الكرك ، وخطبوا له بالقدس ، وأخذوا حواصل غزّة والقدس . ثمّ حصل الانتصار عليهم فانهزموا إلى البلقاء ، ثم طمّعوا المغيث في أخذ مصر له ، وأنفق فيهم الأموال ، وساروا ، فَجَرَت لهم وقعة مع المصريّين فانكسروا وزيّنت مصر .
قال ابن واصل : انقاد المغيث للبحريّة وأنزل إليهم بعض عسكره مع أتابكه الطّواشيّ بدر الدّين الصّوابيّ الذي ملّكه الكرك عند قتله الملك المعظم ابن الصّالح ، وكان الصّالح لمّا تملّكها في آخر أيّامه استناب بها الصّوابيّ ، وسيَّر إليها خزانةً عظيمة من المال ، فضيّعه المغيث على البحرية طمعًا في الدّيار المصريّة ، ثم سار جيش المغيث إلى مصر فبرز لحربهم جُندها فكثروهم ، وجُرح سيف الدّين الرشيديّ وأُسر ، فانهزم الصّوابيّ وركن الدّين البُنْدُقْداريّ وطائفة ، ودخل جماعةٌ منهم القاهرة مستأمنين ، وكان قد جاء قبلهم عز الدّين الأفرم فأُكْرم . وفيها قدِم الشيخ نجم الدّين الباذرائيّ بالخلعة الخليفتيّة للملك النّاصر بالسّلطنة فركب بها ، وكان يومًا مشهودًا ، فلما رجع توجَّه معه إلى العراق الناصر داود في جماعة من أولاده ، وكان قد أباعه النّاصر داره المعروفة بدار سامة فصيَّرها مدرسة ، فلما وصلوا إلى قرقيسيا أشار الباذرائيّ عليه بالإقامة حتى يستأذن له ، فأقام ولم يجئْه إذْنٌ ، فردَّ إلى الشام ، وتوجَّه في البريَّة إلى أن وصل إلى تِيه بني إسرائيل واجتمع إليه العُرْبان . وفيها أغارت التّتار على بلاد الموصل وفتكوا .
وفيها بَطَل سعد الدّين خضر بن حمويه وترك الجُنْديّة وزالت سعادته والتجأ إلى التَّصوُّف ، قال في تاريخه : ولمّا عاندني الدَّهر في أموري ، وباعد سروري ، وكدَّر مشاربي ، وعسَّر مآربي ، وانقطعت الأرزاق ، وانحلّ كيس الإنفاق ، خرجت من مصر ، فلما حلَلْتُ بدمشق ، مسقط رأسي ، فوجدتُها وقد صوَّح واديها ، وخلا من الأنيس ناديها ، وارتفعت منها البركات ، وأحيط بها الظُّلم والظلمات ، والأسواق كاسدة ، والرعايا فاسدة ، عدم الحياء ، وظهرت الجنايات ، وسفل المعروف ، وعلت المُنْكرات ، وأُحدّث من الرسوم ما لم يُعْهَد ، وحُمِّلوا أثقالًا مع أثقالهم ، إن استغاثوا بالملك أجابهم بالضَّرب والرّدّ ، وإن استنجدوا بالوزير عاملهم بالإعراض والصّدّ ، وإن سألوا الحاجب طلب الرِّشا بلا حمد . إلى أن قال : لا يحضر لهم أحد على مائدة ، ولا يرجع من عندهم بفائدة ، قومٌ إذا أكلوا أخفوا كلامهم واستوثقوا من رِتاج الباب والدّار ، يكذبون ويحلِفون ، ويعدون ويُخْلِفون ، وعلى حريم أصحابهم بالفاحشة يخلفون ، قد قنع كل منهم بلؤمه ، ولفَّ ذنبه على خيشومه ، قيل لوزيرهم : إنا نُطيل الجلوس ، فلو جعلت علامةً لقيامنا . قال : إذا قلت يا غلام هاتِ الغداء فانصرفوا ، وقال صاحب ديوانهم لغُلامه : هات غدائي وأغلِقِ الباب .
فقال : بل أُغْلق الباب وأجيء بالطعام . قال : أنت أحذق منّي ، فأنت حرٌّ لوجه الله . وحضر شاعر مائدة أكبر أُمرائهم فرمى لُقمةً للهرّ ، فقال الأمير : لا تُطعمها فإنها هرَّة جيراننا .
ومن غرائب الظُّلم أنّ رجلًا جاء بحِمْل عسل ، فأُخِذ للخوشخاناه ، فطولب بمكس العسل ، فقال: خذوا من تحت أيديكم . قالوا : ما نعرف ما تقول ، فذهب بالبغل يبيعه ، فأخذه أمير الإصطبل ، وطولب بحقه في السوق فقال : ادفعوا لي ثمنه وخذوا حقكم . قالوا : ما نعلم ما تقول ، وحبسوه على مكْسه ، فكتب إلى أهله ، نفِّذوا لي دراهم حتى أستفِكَّ روحي ، فقد راح العسل والبغل ، وأنا محبوس على الحق ، ومما يناسب هذه الحكاية أنّ امرأةًَ ذهب منها حُلِيٌّ بخمسة آلاف فوجده منادي بسوق الرّحبة فردَّه عليها ، فوهبته خمسمائة درهم فتمنَّع وقال : إنما ردَدْته لله ، فألزمته فأخذ الدراهم ، فسمع به الوالي فأحضره وأخذ منه الدّراهم وضربه وقال : ليش ما جبت الحُليِّ إلى عندنا ؟ ثم ذكر علاكًا طويلًا في هذا النحو .
وفي سنة خمس سار هولاكو من هَمَذان قاصدًا بغداد ، فأشار ابن العلْقَميّ الوزير على الخليفة ببذل الأموال والتُّحف النّفيسة إليه ، فثناه عن ذلك الدُّوّيْدار وغيره ، وقالوا : غرضُ الوزير إصلاح حاله مع هولاكو . فأصغى إليهم وبعث هديّة قليلة مع عبد الله ابن الجوزيّ ، فتنمّر هولاكو وبعث يطلب الدُّوَيْدار وابن الدُّوَيْدار وسليمان شاه فما راحوا ، وأقبلت المُغُل كاللّيل المظلم ، وكان الخليفة قد أهمل حال الجُند وتعثّروا وافتقروا ، وقُطعت أخبازهم ، ونُظِم الشِّعْر في ذلك .