سنة ثمان وخمسين وستمائة
سنة ثمان وخمسين وستمائة استهلَّتْ والوقت خالٍ من إمامٍ أعظم ، وعلى الشّام النّاصر يوسف ، فزال ملكه بعد أيّام يسيرة ، وصاحب مصر المظفّر قُطُز تملّك في أوائلها ، وصاحب اليمن المظفَّر يوسف بن عمر ، وصاحب ظفار موسى بن إدريس ، وصاحب دلَّه وبعض الهند ناصر الدّين محمد بن أيْتمُش وصاحب كرمان خاتون زوجة الحاجب بُراق ، وصاحب شيراز أبو بكر بن أتابك سعد ، وصاحب الموصل ابن بدر الدّين ، وصاحب ماردين السّعيد غازي ، وصاحب الرّوم قلج رسْلان وكيْكاوس ابنا الملك كَيْخُسْروا من تحت أوامر التَّتر ، وصاحب الكَرَك المغيث عمر ، وصاحب مكة أبو نُميّ محمد بن أبي سعد وعمّه إدريس ، وصاحب المدينة جمّاز ، وصاحب حماة الملك المنصور محمد ، وصاحب حمص الأشرف موسى ابن المنصور إبرهيم ، وصاحب تونس محمد بن يحيى ، وصاحب العراق وأَََذْرَبِيجان وخُراسان هولاكو بن تولي بن جنكزخان . في المحرَّم قطع هولاكو الفُراتَ فنزل النَّيْرب والملاّحة وتلك النّواحي ، وأرسل إلى أهل حلب : إنكم تضعفون عن لقائنا ونحن نقصد سلطانكم ، فاجعلوا لنا عندكم شِحْنةً بالقلعة وشحنةً بالبلد ، فإن انتصر علينا الملك النّاصر فالأمر إليكم ، إن شئتم أبقيتم على الشَّحنَتين ، وإن شئتم قتلتموهما ، وإن كانت النُّصرة لنا فحلب وغيرها لنا ، وتكونون آمنين . فلم يجبه الملكُ المعظَّم تورانشاه إلى ذلك ، وقال : ما له عندنا إلاّ السيف .
وكان الرسول بذلك صاحب أرْزُن ، فما أعجبه جوابه وتألّم للمسلمين ، فلله الأمر . فنازل هولاكو حلب بجيوشه في ثاني صفر ، وهجمت التّتار البواشير وقتلوا أكثر من فيها ، وقُتل يومئذٍ أسد الدّين ابن الزّاهر داود ابن صلاح الدّين ، ولم يُصبح عليهم ثالث صفر إلاّ وقد حفروا خندقًا في طول قامة ، وفي عرض أربعة أذْرع ، وبنوا حائطًا ارتفاع خمسة أذْرع كالسّور عليهم وعملوا فيه أبوابًا ، ونصبوا على باب العراق الذي للبلد أكثر من عشرين منجنيقًا ، وألحّوا بالرمي بها ليلًا ونهارًا ، وأخذوا في نقْب السّور ، فلم يزالوا إلى أن ظهروا أولًا من حمّام حمدان في ذيل قلعة الشّريف ، وركبوا الأسوار من كل ناحية في اليوم التاسع من صفر ، فهرب المسلمون إلى جهة القلعة ، ورمى خلْقٌ نفوسهم في الخندق ، وبذلت التّتار السّيف في العالم ، ودخل خلْقٌ إلى القلعة ، وذاك يوم الأحد ، وأصبحوا يوم الإثنين وهم على ما أمسوا من القتْل والسَّبي ، وامتلأت الطُّرقات بالقتلى ، وأحمي في البلد أماكن لِفَرماناتٍ كانت بأيديهم ، فمن ذلك دار شهاب الدّين بن عمرون ، ودار نجم الدّين ابن أخي مردكين ، ودار البازيار ، ودار علم الدّين قيصر المَوْصلي ، والخانقاه التي فيها زين الدّين الصّوفي ، وكنيسة اليهود ، فنجا من القتل في هذه الأماكن أكثُر من خمسين ألفًا ، واستتر أيضًا جمْعٌ كثير ، وقُتل أممٌ لا يحصيهم إلا الله . وبقي القتل والأسر والحريق والبلاء إلى يوم الجمعة الرابع عشر من صفر ، ثم نودي برفع السيف ، وأذّن المؤذّنون يومئذ بالجامع ، وأُقيمت الخطبة والصلاة ، ثمّ أحاطوا بالقلعة وحاصروها ، وبها الملك المعظم .
ووصل الخبر بأخذ حلب إلى دمشق يوم السّبت فهرب الملك الناصر من دمشق وزال ملكه ، وكانت رسُلُ التّتار يومئذ بحرسْتا فدخلوا دمشق ، وقُرئ فرمان الملك بأمان أهل دمشق وما حولها ، ووصل نائب هولاكو على دمشق في ربيع الأوّل فلقيه كبراء البلد بأحسن ملْقى ، وقُرئ الفَرَمان ، وجاءت التّتار من جهة الغوطة مارّين من شرقها إلى الكسْوة ، وبعد أيّام وصل منشور من هلاوون للقاضي كمال الدّين عمر التَّفْليسيّ بقضاء الشّام ، وماردين ، والموصل ، وبنظر الأوقاف والجامع ، وكان نائبًا للقاضي صدر الدّين ابن سنيّ الدّولة . وأمّا حماة فكان صاحبها المنصور قد تقهقر إلى دمشق فنزل بَرزة ، فجاء إلى حماة بطاقة برواح حلب ، فوقع في البلد خَبْطةٌ عظيمة ، وخرج أهلها على وجوههم ، وسافر بهم الطّواشيّ مرشد ، ثمّ بقي بها آحاد من الأعيان ، فتوجهوا إلى حلب بمفاتيح البلد ، وطلبوا عطف هولاكو عليهم وأن يُنْفذ إليهم شِحنة ، فسيَّر إليهم خُسْرُوشاه ، رجلٌ أعجمي ، فقدمها وآمن الرعية ، وكان بقلعتها الأمير مجاهد الدّين قيْماز ، فدخل في طاعته ، وسار الملك النّاصر ومعه صاحب حماة والأمراء إلى نحو غزّة ، ثمّ سار إلى قَطية ، فتقدم صاحب حماة بجمهرة العساكر والجُفّال ودخل مصر ، وبقي النّاصر في عسكر قليل ، منهم أخوه الملك الظّاهر ، والملك الصّالح ابن صاحب حمص ، والأمير شهاب الدّين القَيْمُريّ ، فتوجّهوا إلى تيه بني إسرائيل ، وخاف من المصريّين . ووصلت عساكر التتار إلى غزة واستولوا على الشام إلا المعاقل والحصون ، فإن بعضها لم يستولوا عليه .
وحاصروا قلعة حلب أياما ، واستعانوا بمن بقي من أهل البلد يتترسون بهم ، ثم تسلموها بالأمان . وأمّا قلعة دمشق فشرعوا في حصارها وبها الأمير بدر الدّين محمد بن قريحا ، وأحاط بها خلْقٌ من التّتار ، وقطّعوا الأخشاب ، وأتوا بالمجانيق معهم ، ونصبوا عليها أكثر من عشرين منجنيقًا ، وأصبحوا يُلحّون بها على برج الطّارمة ، فطلب أهلها الأمان في آخر النهار لما تشقَّق البرج ، وخرجوا من الغد . ثمّ أخذت التّتار جميع ما فيها ، وسكنها النّائب كَتْبُغا ، وخربوا شُرُفاتها ثم ساروا إلى بعلبك فتسلموها وحاصروا قلعتها فأخذوها أيضا ، ثم ساروا إلى بانياس .
وأما الفرقة التي طلبت حوْران أولًا فامتدّوا إلى نابلس وتلك النواحي ، فأهلكوا الحرْث والنَّسل ، وبذلوا السيف في نابلس ، وقدِموا إلى دمشق بالسَّبي ، فكان النّاس يشترونهم ويستفكّونهم منهم بالدراهم المعدودة لكثرة من في أيديهم من السَّبي . ثم ظفروا بالملك الناصر ، وسلّم نفسه إليهم بالأمان ، فمرّوا به على دمشق ، ثمّ ساروا به إلى هولاكو ، فأحسن إليه وأكرمه ، ورعى له مجيئه إليه ، وبقي في خدمته هو وجماعة من آله . وفي جمادى الأولى طافوا بدمشق برأس الشهيد الملك الكامل صاحب ميَّافارقين الذي حاصره التّتار سنةً ونصفًا ، وما زال ظاهرًا عليهم إلى أن فني أهل البلد لفناء الأقوات .
وأما القاضيان محيي الدّين يحيى ابن مجير الدين ابن الزّكيّ ، وصدر الدّين ابن سنِيّ الدّولة فذهبا إلى هولاكو ثمّ رجعا ، وانقطع الصَّدر ببعْلَبَكّ مريضًا ومات . ودخل ابن الزّكي فقُرئ فرمانه بدمشق في جمادى الآخرة تحت النَّسْر بقضاء القضاة ، وأن يكون نائبه أخوه لأمه شهابُ الدّين إسماعيل بن حبش . وحضر قراءة الفرمان إيسبان نائب التّتار وزوجته تحت النِسْر على طرَّاحة وُضعت لها ، وهي بين زوجها وبين ابن الزّكي .
قال قطب الدّين في تاريخه : توجَّه محيي الدّين وأولاده وأخوه لأمّه شهاب الدّين وابن سنِيّ الدّولة إلى هولاكو فأدركوه قبل أن يقطع الفُرات ، ثمّ عادوا إلى بعلبَكّ ، ودخل محيي الدّين في محفَّة وهو في تجمُّل عظيم ، ومعه من الحَشَم والغلمان ما لا مزيد عليه ، وصلّى الجمعة في شبّاك الأمينيّة ، وأحضر منبرًا قبالة الشُّبّاك فقُرئ تقليده ، وهو تقليد عظيم جدًّا قد بالغوا في تفخيمه بحيث لا يُخاطب فيه إلاّ بمولانا ، وفيه أنّه يشارك النوّاب في الأمور ، وعليه الخِلْعة فرجيّة سوداء منسوجة بالذَّهب ، قيل : إنّها خِلْعة الخليفة على صاحب حلب ، أُخذت من حلب . وعلى رأسه بقْيار صوف بلا طيْلسان . قال أبو شامة : ثمّ شرع ابن الزّكيّ في جرّ الأشياء إليه وإلى أولاده مع عدم الأهليّة ، فأضاف إلى نفسه وأقاربه العَذْراويّة ، والناصريّة ، والفلكيّة ، والركْنيّة ، والقَيْمُرية ، والكلاّسة .
وانتزع الصّالحّية وسلّّمها إلى العماد ابن العربيّ ، وانتزع الأمينيّة من عَلَم الدّين القاسم وسلّمها إلى ولده عيسى ، وانتزع الشّومانيّة من الفخر النَّقْشُوانيّ وسلّمها إلى الكمال ابن النّجّار ، وانتزع الرَّبْوة من محمد اليمنيّ وسلّمها إلى الشّهاب محمود بن محمد بن عبد الله ابن زين القُضاة ، وولّى ابنه عيسى مشيخة الشّيوخ . وكان مع الشّهاب أخيه لأمّه تدريس الرّواحيّة ، والشامية البرّانية . وبقي على الأمور إلى أن زالت دولة الطّاغية هولاكو عن الشّام ، وجاء الإسلام فبذل أموالًا كثيرة على أن يقرّ القضاء والمدارس في يده فأقرّ على ذلك شهرًا ، ثم سافر مع السّلطان إلى مصر معزولًا ، ووُليّ القضاء في ذي القعدة نجم الدّين أبو بكر ابن صدر الدّين ابن سَنيّ الدّولة .
وفي جمادى الأولى أو نحوه استولت التّتار على عجلون ، والصَّلت ، وصَرْخد ، وبُصرى ، والصّبيبة ، وخرّبت شُرُفات هذه القلاع ، ونُهب ما فيها من الذّخائر . وأرسلوا كمال الدّين عمر التَّفْليسي إلى الكَرَك يأمرون المغيث بتسليمها ، فأرسل إليهم ولده مع التَّفْليسي ، والملك القاهر ابن المعظَّم ، والمنصور ابن الصّالح إسماعيل . فسار الجميع صُحبة المقدّم كتْبُغا وقد ظفر بالملك النّاصر وهو على عجْلُون ، فهرب الملك القاهر وردّ إلى الكَرَك .
وقال للمغيث : ما القوم شيء ، فقوِّ نفسك واحفظ بلدك . ثمّ سار إلى مصر ، فحرَّض الجيش على الخروج ، وهوَّن شأن التّتار ، فشرعوا في الخروج . وسار كَتْبُغا بمن معه إلى صفد ، وهي للفرنج ، فأنزلوا الإقامات ، ونُصبَت لكَتْبغا خيمةٌ عظيمة ، ووصل إليه الزَّين الحافظيّ والقاضي محيي الدّين وعليه الخِلْعة السّوداء .
ثمّ إنهم دخلوا دمشق في رجب . ثمّ سار طائفة بالنّاصر وابنه وأخيه الظّاهر إلى هولاكو . وفي شعبان أحضر والي دمشق بدرَ الدّين محمد بن قُربجا ، ونقيب القلعة الجمال الحلبيّ المعروف بابن الصَّيْرفيّ ، ووالي قلعة بعْلبكّ ، فضُربتْ أعناقهم .
ووصل الملك الأشرف ابن منصور ابن المجاهد صاحب حمص فنزل في داره ، وقُرئ فَرَمانُه بتسليم نظَره في البلاد ، وأن يكون نائبًا للملك على الشّام جميعه . وسُلِّمت إليه حمص ، وتدْمر والرَّحبة . وفي رمضان وصل الخبر باستيلاء التّتار على صيدا من بلاد الفرنج ونهبها .
وأمّا هولاكو فإنّه عدّى الفُرات بأكثر الجيش ومعهم من السَّبيُ والأموال والخيرات والدّواب ما لا يوصف ، إنَّما نُمْلي لهم ليزدادُوا إثمًا . ومرض الملك السّعيد صاحب ماردين مرضًا شديدًا ، ثمّ عُوفي ، وبعث إلى هولاكو يطلب منه سابق الدّين بَلَبَان ، فبعثه إليه ، وقد استماله هولاكو في مدّة مُقامه عنده . فلمّا اجتمع بمخدومه أخبره بما تمّ على أهل حلب .
ثمّ أرسل السّعيد إليه بهديّة سنِيّة ، وأخبروه بعافية السّعيد . فسأل عن قلعة ماردين ، فأخبروه أن فيها من الأموال والذّخائر والأقوات كفاية أربعين سنة . فكتب إليه يعفيه من الحضور ، وأرسل إليه ولده الملك المظفّر ليطمئنّ قلبه .
وعاد سابق الدّين إلى هولاكو يردّ الجواب ، ثمّ قصد أستاذه الملك السّعيد أن يردّه من دُنَيْسر ويُمسكه ، فلم يتّفق ، واتّصل بهولاكو ولم يرجع . وعلم السّعيد أنّ التّتار لا بُد لهم منه ومن حصاره ، فنقل ما في البلد من الذّخائر إلى القلعة . ثمّ بعد أربعة أيّام وَصَلتْه رُسُل هولاكو بهدية ، ووصل عقيب ذلك طائفةٌ من التّتار فنازلت ماردين في ثالث جمادى الأولى ، فلم يقاتلوا .
وبقوا ستّة عشر يومًا . وقيل : إنّ هولاكو كان معهم . ثمّ التمسوا فتْح أبواب البلد ليدخلوا لشراء الأقوات وغيرها ويرحلون .
ففتح لهم ، فتردّدوا في الدّخول والخروج ثلاثة أيام ، ثمّ صعدوا على سور ماردين ، ودقّوا الطَّبْل ، وهجموا البلد بالسّيف ، فقاتلهم أهله ودرَّبُوا الشوارع وطردوهم ، فدام القتال شهرين إلى أن فتح لهم بعض مقدّمي البلد درْبًا فملكوه ، ودخلوا منه إلى الجامع ، وصعدوا المنائر ، ورموا منها بالنّشّاب ، فضعُف النّاس ، واحتموا بالكنائس ، وصعِد بعضهم إلى القلعة ، وملكت التّتار البلد ، ونصبوا المجانيق على القلعة ، وهي ستّة ، فلم يصل إلى القلعة منها إلاّ ثلاثة أحجار . واستمر الحصار إلى آخر السّنة ، ووقع الوباء في القلعة ، فمات الملك السعيد فيمن مات ، وهلك الخلْق . ورمى رجلٌ نفسَه من القلعة وأخبر التّتار بموت السّلطان ، فبعثوا إلى ابنه الملك المظفّر وطلبوا منه الدخول في الطّاعة .
وفي وسط العام قُرئ بدمشق كتابُ هولاكو بسبب النّاصر ، وذلك قبل أن يصل إليه . وهو : أما بعد ، فنحن جنود الله ، بنا ينتقم ممّن عتا وتجبّر ، وطغى وتكبَّر ، وبأمر الله ما ائتمر . إن عوتب تنمّر ، وإن روجع استمر .
ونحن قد أهلكنا البلاد ، وأبدْنا العباد ، وقتلنا النسوان والأولاد . فأيُّها الباقون ، أنتم بمن مضى لاحقون ، ويا أيّها الغافلون أنتم إليهم تُساقون . ونحن جيوش الهلكة ، لا جيوش الملكة ، مقصودنا الانتقام ، وملكنا لا يرام ، ونزيلنا لا يُضام ، وعدْلُنا في مُلْكنا قد اشتهر ، ومن سيوفنا أين المفر ؟ أين المفرّ ولا مفرّ لهاربٍ ولنا البسيطان الثّرى والماءُ ذّلت لهيبتنا الأسودُ وأصبحت في قبضتي الأمراء والخلفاءُ ونحن إليكم صائرون ، ولكم الهرب ، وعلينا الطلَّب .
ستعلم ليلى أيَّ دين تديَنَتْ وأي غريم بالتَّقاضي غريمُها دمّرنا البلاد وأيتمنا الأولاد ، وأهلكنا العباد ، وأذقْناهم العذاب ، وجعلنا عظيمهم صغيرًا ، وأميرهم أسيرًا . تحسبون أنّكم منّا ناجون أو متخلّصون ، وعن قليل سوف تعلمون على ما تقدمون ، وقد أعذر من أنذر . وأمّا رُكن الدّين بيْبَرس البُنْدُقْداري فإنه فارق الملك النّاصر من الرمل ، واتّفق هو والشَّهرزُوريَّة بغزَّة ، وتزوَّج ببنت بركة خان أحد ملوكهم ، ثمّ بعث علاء الدّين طيْبرس الوزيريّ إلى صاحب مصر ليحلف له على ما اقترحه عليه .
فأجابه فسَاق ودخل مصر في الثاني والعشرين من ربيع الأول ، فأكرمه الملك المظفّر واحترمه ، وقوى هو جَنان المظفّر على حرب التّتار . ثم جاء بعدُ الملك القاهر من الكرك فهوّن أمر التّتار . وكان شروع المصريين في الخروج إلى التّتار في نصف شعبان .
قلت : وكان الناس في دمشق آمنين من أذيّة التّتار بالنسبة ، وذلك لهيبة هولاكو ، لأنه بَلَغنَا أنّ مفاتيح دمشق لمّا أتته على حلب وهو فرحان بفتوح البلاد رمى بسراقوجه وقال للمُغل : دوسوا عليه . فضربوا جوك وقالوا : العفو . فقال : هذا دمشق ، من آذى دمشق أو أهلها يموت .
فلقد كان التّتريّ يغمس مقرعته في القنبريس أو الدِّبس ويمصها ، فيسبّه الفامي ويصيح فيه وهو لا ينطق . ونحو هذا . لكن انتُهِكت الحُرُمات ، وظهرت الفواحش والخمور ، ورفعت النّصارى رؤوسها .
وكان التّتار بين كافرٍ أونصْرانيّ أو مجوسي ، وما فيهم من يتلفّظ بالشهادة إلا أن يكون نادرًا . قال ابن الجزريّ : حدّثني أبي قال : خرجْتُ من الصلاة في الجمعة الثانية من رمضان ، فوجدت دكاكين الخضراء وفيها النّصارى يبيعون الخمر ، وبعض الفُسّاق معهم وهم يشربون ويرشُّون على المُصلين من الخمر ، فبكيت بُكاءً كثيرًا إلى أن وصلت إلى دُكاني بالرّمّاحين . وقال أبو شامة : كانت النّصارى بدمشق قد شمخوا بدولة التّتار ، وتردّد إيسبان المقدَّم إلى كنيستهم ، وذهب بعضهم إلى هولاكو فجاء بفَرَمان بأن يرفع دينهم ، فخرجت النصارى يتلقّونه ، ودخلوا رافعي أصواتهم ومعهم الصّليب مرفوع ، وهم يرشُّون الخمر على النّاس ، وفي أبواب المساجد ، ودخلوا من باب توما ، ووقفوا عند رباط البيانيّة ، ونادوا بشعارهم ، ورشُّوا الخمر في باب الرِّباط ، وباب مسجد درب الحجر ، وألزموا الناس من الدّكاكين بالقيام للصليب ، ومن لم يفعل ذلك أخرقوا به وأقاموه غصْبًا ، وشقُّوا القصبة إلى عند القنطرة في آخر سويقة كنيسة مريم ، فقام بعضهم على الدكان الوسطى وخطب ، وفضّل دين النَّصارى وصغّر من دين الإسلام ، ثم عطفوا من خلْف السّوق إلى الكنيسة التي أخربها الله .
قلت : قيل : إنهم كانوا ينادون : ظهر الدّين الصّحيح دين المسيح . وذلك في الثاني والعشرين من رمضان . فصعد المسلمون مع القُضاة والعُلماء إلى إيل سبان بالقلعة في ذلك ، فأهانوهم ، ورفعوا قِسيس النصارى عليهم ، وأخرجوهم من القلعة بالضَّرْب والإهانة .
ثم نزل إيل سبان من الغد إلى الكنيسة . وأقبل الملك المظفَّر بالجيوش حتّى أتى الأُرْدُن . وسار كَتْبُغا بالمغول ، فنزل على عين جالوت من أرض بيسان .
وكان شاليش المسلمين رُكن الدّين بيْبَرس البُنْدُقْداريّ ، فحين طلع من التّل أشرف على التّتار نازلين ، ووقعت العين في العين ، وكان بينه وبين السّلطان مرحلة . فجهّز البريدية في طلب السّلطان وقلق وقال : إنْ ولّينا كسرْنا الإسلام . فجعلوا يقهقرون رؤوس خيلهم حتى نزلوا عن التل إلى خلف .
وضربت التّتار حلقةً على التّلّ وتحيزّ البُنْدُقْداري بعسكره فلم تمض ساعةٌ حتّى جاءته خمسمائة ملْبسة من أبطال الإسلام ، ثمّ بعد ساعة أخرى لحِقَتها خمسمائة أخرى . وأمّا التّتار فاشتغلوا أيضًا بأخذ أُهْبَتهم للمصافّ . وتلاحق الجيشُ ثم وقع المَصافّ .
قال أبو شامة : لمّا كان ليلة سبْع وعشرين من رمضان جاءنا الخبرُ بأنّ عسكر المسلمين وقع على عسكر التّتار يوم الجمعة الخامس والعشرين من الشّهر عند عين جالوت ، وهزموهم وقتلوا فيهم ، وقتلوا ملكهم كتْبُغا ، وأُسر ابْنُه ، فانهزم من دمشق النّائب إيل سبان ومنْ عنده من التّتار ، فتبَعَهُم أهلُ الضّياع يتخطّفونهم . وقال الشيخ قطب الدّين : خرج الملك المظفَّر بجيش مصر والشّام إلى لقاء التَّتر ، وكان كَتْبُغا بالبقاع ، فبلغه الخبر ، فطلب الملك الأشرف ، يعني الّذي استنابه هولاكو على الشام والقاضي محيي الدّين ، واستشارهم ، فمنهم من أشار بعدم الملتَقَى ، وبأن يندفع بين يدي المظفَّر إلى أن يجيئه المَدَد من هولاكو ، ومنهم من أشار بغير ذلك وتفرّقت الآراء ، فاقتضى رأيه هو الملتقى ، وسار من فوره فالتقوا يوم الجمعة ، فانكسرت ميسرة المسلمين كسرةً شنيعة ، فحمل الملك المظفَّر في التّتار ، وحمل معه خَلْقٌ فكان النّصر . قُتِل كَتْبُغا ومُعظم أعيان التّتار ، وقتِل منهم مقتلة عظيمة ، وهرب من هرب .
وقيل : إنّ الذي قتل كَتْبُغا الأمير آقُش الشمسي ، وولّت التَّتر الأدبار ، وطمع النّاس فيهم يتخطّفونهم وينهبونهم . وعند الفراغ من المَصَافّ حضر الملك السّعيد بن عثمان ابن العادل صاحب الصُّبَيْبة إلى بين يدي السّلطان فلم يقبله وضرب عنقه . وجاء كتاب المظفَّر بالنَّصر ، فطار الناس فرحًا ، وثار بعضهم بالفخر الكَنْجيّ فقتلوه بالجامع ، لكونه خالَطَ الشّمس القُميّ ، ودخل معه في أخذ أموال الجُفال ، وقُتل الشّمس ابن الماكسِينيّ ، وابن البُغَيْل ، وغيرهم من الأعوان .
وكان المسلمون يجرعون الثّكل على النَّصارى لعنهم الله من أوّل أمس ، لرفعهم الصَّليب وغير ذلك ، فأسرعوا إلى دُورهم ينهبونها ويخرّبونها ، وأخربوا في كنيسة اليعاقبة ، وأحرقوا كنيستهم الكبرى ، كنيسة مريم ، حتّى بقيت كوْمًا ، وبقيت النّار تعمل في أخشابها أيَّامًا . وقُتل منهم جماعة ، واختفى سائرُهم . ونُهب قليل من اليهود ، ثمّ كفّوا عنهم لأنهم لم يصدُرْ منهم ما صدر من النّصارى .
وعيَّد المسلمون على خير عظيم ، ولله الحمد . ودخل السلطان الملك المظفّر القلعة مؤيدًا منصورًا ، وأحبّه الخلْق غاية المحبَّة . وعبر قبله البُنْدُقْداري على دمشق ، وساق وراء التّتر إلى بلاد حلب ، وطردهم عن البلاد .
ووعده السّلطان بحلب ، ثمّ رجع عن ذلك فتأثّر رُكْن الدّين البُنْدُقْداريّ من ذلك . وكان ذلك مبدأ الوحشة . وسيّر الملك الأشرف ابن صاحب حمص يطلب من السّلطان أمانًا على نفسه وبلاده ، وكان قد هرب مع التّتار من دمشق ، ثمّ انملَسَ منهم وقصد قلعة تدْمر ، فأمّنه وأعطاه بلاده ، فحضر إلى الخدمة ، ثمّ توجَّه إلى حمص وتوجَّه صاحب حماة إلى حماة .
واستعمل السّلطان على حلب علاء الدّين ابن صاحب الموصل . واستعمل على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي والأمير مجير الدين ابن حبرون ورتب أمور الشام وشنق حسينًا الكرديّ طبردار الملك الناصر الذي خدعه وأوقعه في أسْر التّتار ، وعزل عن خطابة دمشق ابن الحَرَسْتانيّ ، ووليها أصيل الدّين الإسْعرديّ إمام السّلطان قُطُز ، وقُرئ تقليده ، ثمّ عُزِل بعد شهر وأعيد عمادُ الدّين ابن الحَرَسْتاني . وأقام المظفّر نحو الشّهر ، وسار إلى الدّيار المصريّة .
ونقل الصّاحب عزّ الدّين ابن شدّاد أنّ المظفَّر لمّا ملك دمشق عَزَم على التَّوجُّه إلى حلب لينظّف آثار التّتار من البلاد ، فوشى إليه واشٍ أنّ رُكْن الدّين البندُقْداري قد تنكّر له وتغيّر عليه ، وأنّه عاملٌ عليك . فصرف وجهه عن قصْده ، وعَزَم على التَّوجُّه إلى مصر وقد أضمر الشّرّ للبُنْدُقْداريّ . وأسرَّ ذلك إلى بعض خواصه ، فاطَّلع على ذلك البندُقْداري .
ثم ساروا والحُقُود ظاهرة في العيون والخُدود ، وكلّ منهما متحِّرس من صاحبه . إلى أن أجمع ركن الدّين البُنْدُقْداريّ على قتل المظفَّر . واتفق معه سيف الدّين بَلَبَان الرّشيديّ ، وبهادر المُعِزّيّ ، وبيدغان الرُكُنيّ ، وبكتوت الجوكنْدار ، وبَلَبَان الهارونيّ ، وأنس الأصبهاني ، الأمراء .
فلمّا قارب القصير الّذي بالرمل عرّج للصَّيْد ، ثمّ رجع ، فسايره البُنْدُقْداري وأصحابه ، وحادَثَه ، وطلب منه امرأة من سبي التّتار ، فأنعم له بها ، فأخذ يده ليقبّلها ، وكانت تلك إشارة بينه وبين أولئك ، فبادره بدر الدّين بكتوت الجوكنْدار المُعِزّيّ ، فضربه بالسّيف على عاتقه فأبانه ، ثمّ رماه بهادر المُعِزّيّ بسهْم قضى عليه ، وذلك يوم سادس عشر ذي القعدة . ثم ساروا إلى الدِّهليز وضربوا مشورة فيمن يملّكوه عليهم ، فاتّفقوا على رُكن الدّين البُنْدُقْداريّ . وتقدّم الأمير فارس الدّين أقطايّ المعروف بالأتابك فبايعه ، ثمّ تلاه الرشيديّ ، ولُقِّب بالملك القاهر .
ثمّ ساق هو والأتابك ، وقلاوون الّذي تسلطن ، والبيْسَريّ ، وجماعة ، وقصد قلعة مصر ، ورتَّب آقوش النّجيبيّ أستاذ داره ، وعزّ الدّين الأفرم أمير جنْدار . فخرج نائب الملك المظفَّر على القاهرة للقائه ، وهو الأمير عزّ الدّين الحلّيّ ، فصادف هؤلاء فأخبروه بما وقع ، فحلف لرُكن الدّين ، وردّ إلى القلعة ووقف على بابها ينتظره . وكانت القاهرة قد زيّنت لقدوم المظفَّر وهم في فرحة ، فلمّا طلع الضّوء لم يشعورا إلاّ والمنادي يقول : مَعْشَر النّاس ، ادعُوا لسلطانكم الملك القاهر رُكنْ الدّنيا والدّين .
ووعدهم بالإحسان وإزالة المؤن لأنّ الملك المظفَّر رحمه الله كان قد أحدّث على المصريين حوادث كثيرة ، منها تصقيع الأملاك وتقويمها وزكاتها ، وأخْذ ثُلث الزّكاة ، وثلث التَّرِكات ، وعن كلّ إنسان دينار واحد مضاعف الزّكاة ، فمبلغ ذلك في العام ستمائة ألف دينار ، فأطلق ذلك لهم . وجلس على تخت المُلْك يوم الأحد ، وذلك اليوم الثّاني من قتْله المظفَّر ، فأشار عليه الوزير زين الدّين ابن الزُّبير وكان مُنْشئًا بليغًا ، بأن يغيّر هذا اللًّقب وقال : ما لُقِّب به أحد فأفلح . لُقِّب به القاهر ابن المعتضد فسُمل بعد قليل وخُلع ، ولُقِّب به الملك القاهر ابن صاحب الموصل فسُمّ .
فأبطل السّلطان هذا الّلقب وتلقَّب بالملك الظّاهر . وأمّا نائب دمشق الحلبيّ فبلغه قتْل المظفَّر ، فحلف الأمراء بدمشق لنفسه ، ودخل القلعة وجدد عمارتها ، وتسلطن ، وتلقَّب بالملك المجاهد ، وخُطِب له بدمشق في سادس ذي الحجة مع الملك الظّاهر . وأمر بضرب الدّراهم باسميهما .
وغلت الأسعار وبقي الخبز رِطْلٌ بدرهمين ، ووقيّة الجُبْن بدرهم ونصف . وأمّا اللّحم فكاد يُعدم ، وبلغ الرطْل بخمسة عشر درهما . ولمّا استقر الملك الظّاهر في السّلطنة أبعد عنه الملك المنصور عليّ بن المُعز أيْبَك وأُمّه وأخاه قاءان إلى بلاد الأشكري ، وكانوا معتَقَلين بالقلعة .
وفي ذي القعدة أمر الأمير عَلم الدّين الحلبيّ بعمارة قلعة دمشق وإصلاحها ، وركب بالغاشية والسّيوف المجرَّدة ، وحمل له الغاشية ابن الملك العادل والزّاهر ابن صاحب حمص والقُضاة والمدرّسون حوله . ففرح النّاس وعملوا في بنائها . وكان المظفَّر قد استناب على حلب الملك السّعيد علاء الدّين ابن صاحب الموصل ، وقصد بذلك استعلام أخبار العدوّ ، لأنّ أخاه الصّالح كان بالموصل ، وأخاه المجاهد كان بالجزيرة ، فتوجّه السّعيد إلى حلب بأمرائها وعسكرها ، فأساء إليهم ، وأراد مصادرة الرعيَّة ، فاجتمعت الأمراء على قبْضه ، وعوّضوا عنه بالأمير حسام الدّين الجوكنْدار العزيزيّ ، ثمّ بلغهم أنّ التّتار قد قاربوا البيرة ، وكانت أسوار حلب وأبراجها قد هُدمت وهي سائبة كما هي الآن ، فانجفل النّاس منها ، ثم جاءت التتار فاندفع الجوكندار بالعسكر نحو دمشق ، ودخلت التتار حلب ، فأخرجوا من فيها من الناس بعيالهم إلى قرنبيا وداروا حولهم ووضعوا فيهم السيف ، ثم ساقوا إلى حماة ونازلوها فأخرجوا إليهم إقامة ومأكولا فرحلوا عنهم وطلبوا العسكر .
وفي شوّال درّس ناصر الدّين محمد ابن المقدسيّ بالتُّربة الصّالحية بعد والده ، ولاه المنصور ابن الواقف . وقُرئ تقليد قاضي القضاة محيي الدّين بولايته القضاء والمدارس من جهة المظفَّر . ثمّ عُزل بعد أيّام بنجم الدّين ابن سَنِيّ الدّولة .
ودرّس بالأمينية قَطْبُ الدّين ابن عصْرُون . وشرعوا في عمارة ما وَهى من قلعة دمشق . وعمل أهل البلد وأهل الأسواق ، وعظم السّرور ، وعُلمت المغاني والدّبادب لذلك ، بلغ اللّحم في ذي القعدة الرطْل بتسعة دراهم ، ورطل الخبز بدرهمين ، ورطل الجُبْن باثني عشر درهمًا .
وأسعار الأقوات من نسبة ذلك بدمشق . وبلغ صرْف الدّينار إلى خمسةٍ وسبعين درهمًا . وأبيع في عيد النَّحر رأس الأَُضحية بستمائة درهم .
وتزايد الأمر ؛ نقل ذلك التّاج ابن عساكر . وفيها رافع بهادُر الشِّحنة ، والعماد القزْوينيّ صاحب الدّيوان علاء الدّين ، فأمر هولاكو بقتْله ، فطلب العفْو فعفا عنه ، وأمر بحلْق لحيته فحُلقت ، فكان يجلس في الدّيوان ملثََّمًا . ثمّ عظُم بعد ، وقدم أخوه الوزير شمس الدّين وظهرت براءته ، وقال لبهادر : الشَّعْر إذا حُلِق ينْبُت ، والرأس إذا قُطع لم ينبت .
ثمّ دبّر في قتْله وقتل العماد القزوينيّ .