عثمان بن محمَّد بن عبد الحميد
عثمان بن محمَّد بن عبد الحميد ، التّنّوخيّ ، البَعْلَبَكيّ ، العَدَويّ ، الزّاهد الكبير ، شيخ ديْر ناعِس . كان كبير القدر ، صاحب أحوال وكرامات وعبادة ومجاهدات ، ذكره خطيب زَمْلكا عبد الله ابن العزّ عُمر فقال : أخبرني إسماعيل بن رضوان قال : كان الشّيخ عثمان يخرج مع إخوته إلى الحصاد فيأخذ معه إبريقاً ليتوضّأ منه ، فقال إخوته مرّةً : كم تُبْطِلَنا بصلاتك . وقام أحدهم بردّ الإبريق .
فلمّا جاء وقت الصّلاة قام إلى الإبريق وأخذه وتوضّأ . فلمّا رأوه يتوضّأ قالوا له : لا تَعُدْ تحصد ، قال : وحدّثني أبو العبّاس أحمد بن عبد الله بن عزيز اليُونينيّ قال : شاهدت الشّيخ عثمان وقد ورد عليه فُقراء ، فأخرج إليهم في مِئْزَرٍ خبزاً فأكلوا ، فرأيت الّذي فضل أكثر من الّذي جاء به . وقال عبد الدّائم بن أحمد بن عبد الدّائم : وأخبرني العماد محمد بن عوضة ، قال : عرض للشّيخ الفقيه مَغَصٌ فقال لي : امضِ إلى الشّيخ عثمان وقُلْ له : قال لك الفقيه : لئن لم يسكُنْ وَجَعُ جَوْفه ليضربنّك مائة عَصَاةٍ .
فقلت : يا سيدي ، وكيف تضربُه ؟ فقال : الشّيخ عثمان أكرم على الله من أنْ أضربه . قال : وأخبرني ولده القُدوة الشّيخ محمد ، عن أبيه قال : صلّينا بعض الأيّام الضُّحى ، وإذا بالمسجد قد امتلأ جنّاً بحيث إنّي ما كنت أستطيع القيام ، قال : فصحْتُ صيحة ظهر النّور من تحت المسجد واستوحيت بالمشايخ ، قال : فجاؤوا واستحييت من الخليل عليه السّلام كون أنّه جاء في نُصرتنا وما ودَّعته . وأخبرني الشّيخ محمد قال : كنت بعض اللّيالي جالس وإذا رجل قد أقبل وبيده حرْبةٌ تلمع ، ويخرج منها نارٌ يظهر لَهَبُها شرقاً وغرباً ، فخرج إليه والدي وأخذ بيده فمَشَيا ، فلمّا كان بعد الثّلاثين ليلة رأيت ثلاثة رجالٍ على خيل ، فقام والدي إليهم فأخذ بمعْرفَة فرس أحدهم ، ووقف مكبوب الرّأس .
فلمّا كان من الغد رأيت عند والدي رجل يحدّثه ولا أرى شخصه ، وهو يقول : جاء إلينا الشّيخ عبد الله اليُونينيّ ومعه حرْبةٌ ، والشّيخ عبد القادر ، والشّيخ عَدِيّ وسمّى الآخر ، وهمُ رُكّاب خيل ، وأخبرونا أن المسلمين منتصرون على العدوّ . فلمّا كان تلك اللّيلة رأيت والدي وهو يسير على السَّطح وهو يهدر كهدْر الأسد . فلمّا كان آخر اللّيل صفّق صَفْقَتَيْن .
فورّخ بعضُ الجماعة تلك اللّيلة وإذا هي ليلة كسروا الفرنج على المنصورة . أو ما هذا معناه . قال : وأخبرني القُدوة إبراهيم ابن الشّيخ عثمان قال : رأيت عند أبي رجالاً من لُبنان ، فسمعتهم يتحدّثون ، فذكروا شخصاً ، فقال أحدهم : ما أعطي الفرقان ، فسُئل عن الفُرقان قال : يفرّق بين الحلال والحرام .
قال : وأخبرني أبي قال : كنت بين الفُرْزُل ونيحا وإذا بطيور في الهواء وهم يقولون : هذا قبر النبي آلية . قال : وأخبرني شيخنا أبو العبّاس أحمد ابن العماد إبراهيم المقدسيّ قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم في النَّوم بوداع الشّيخ عثمان ، فلمّا جئت لأودّعه قام إليّ وقال : جئت تودّعني مثلما ودّعت الشّيخ إبراهيم ؟ قلت : نعم . قال : وأخبرني إبراهيم أنّ أباه لبِس من الشيخ عبد الله اليُونينيّ ، وأنّه اجتمع بالشّيخ أبي الحسن الشّعرانيّ الّذي بجبل لبنان .
قلت : وللشّيخ عثمان ذِكر في ترجمة الشّيخ الفقيه . وكان عديم النّظير في زمانه – رحمة الله عليه – وفيه خيرٌ وعِبادة ، وله أوراد ، وتُوُفّي في سادس شعبان من العام .