عبد السّلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي
عبد السّلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي ، الإمام ، شيخ الإسلام ، مجدُ الدّين أبو البركات ابن تيميَّة الحرّانيّ ، الحنبلي ، جدُ شيخنا تقيّ الدّين . ولد في حدود التّسعين وخمسمائة ، وتفقّه في صغَره على عمّه الخطيب فخر الدّين . ورحل إلى بغداد وهو ابن بضع عشرة سنة في صحابة ابن عمّه السّيف فسمع من : أبي أحمد عبد الوهاب ابن سُكيْنة ، وعمر بن طَبَرْزد ، وضياء ابن الخُريف ، ويوسف بن كامل ، وعبد العزيز ابن الأخضر ، وعبد العزيز بن منينا ، وأحمد بن الحسن العاقوليّ ، وعبد المولى ابن أبي تمّام ، ودُرّة بنت عثمان ، وجماعة .
وقرأ القراءات على عبد الواحد بن سلطان صاحب سبط الخياط . وسمع بحرّان من : حنبل المكبّر ، والحافظ عبد القادر ، وغير واحد . روى عنه : أبو محمد الدّمياطيّ ، والإمام شهاب الدّين عبد الحليم ولده ، وأمين الدّين عبد الله بن شقير ، والزاهد محمد بن عمر بن زباطر ، والجمال عبد الغني بن منصور المؤذّن ، ومحمد بن محمد الكنجي ، ومحمد بن أحمد ابن القزاز ، وآخرون .
وتفقه عليه ابنه ، والشيخ نجم الدين أحمد بن حمدان ، وجماعة . وكان إماماً حجَّة بارعاً في الفقه والحديث ، وله يد طولى في التفسير ، ومعرفة تامة بالأصول ، واطّلاع على مذاهب الناس . وله ذكاء مفرط ؛ ولم يكن في زمانه أحد مثله في مذهبه .
وله المصنَّفات النّافعة التّي انتشرت في الآفاق كالأحكام ، و شرح الهداية ، وقد بيَّض منه رُبْعه الأوّل ؛ وصنَّف أرْجوزة في القراءات ، وكتاباً في أصول الفقه . وحدّثني شيخنا تقيُّ الدّين قال : كان الشّيخ جمال الدّين ابن مالك يقول : أُلِين للشيخ مجد الدّين الفقه كما أُلين لداود الحديد . وحدّثني أيضاً أنّ الصّاحب محيي الدّين يوسف ابن الجَوْزي اجتمع بالشّيخ المجد فانبهر له وقال : هذا ما عندنا ببغداد مثله .
ولمّا حجّ التمسوا منه أن يقيم ببغداد فامتنع واعتلّ بالأهل والوطن . قال شيخنا : وكانت في جدّنا حدّة . وقد قرأ عليه القراءات غيرُ واحد ، منهم الّذي كان بحلب فُلان القَيْروانيّ .
وحجّ سنة إحدى وخمسين . وفيها حجَّ من دمشق الشّيخ شمس الدّين ابن أبي عمر ، فلم يُقْض لهما اجتماع . قال شيخنا : وحكى البرهان المَرَاغيّ أنّه اجتمع بالشّيخ المجد فأورد نُكْتة عليه ، فقال المجد : الجواب عنها من ستّين وجهاً ، الأوّل كذا ، والثّاني كذا ، وسردها إلى آخرها .
ثمّ قال للبرهان : وقد رضينا منك بإعادة الأجوبة . فخضع وانبهر . قال : وكان الشّيخ نجم الدّين ابن حمدان مع براعته في المذهب وتوسُّعه فيه يقول : كنت أطالع على الدّرس وما أبقي ممكناً ، فإذا أصبحت وحضرتُ عند الشّيخ ينقل أشياء كثيرة لم أعرفها ولم أطَّلع عليها .
قال شيخنا : وكان جدّنا عجباً في حفْظ الأحاديث وسرْدها وحفْظ مذاهب النّاس وإيرادها بلا كُلْفة . وحدّثني شيخنا أبو محمد ابن تيميّة أن جدّه ربّي بتَيْماء ، وأنّه سافر مع ابن عمّه إلى العراق ليخدمه ويشتغل وله ثلاث عشرة سنة ، فكان يبيت عنده فيسمعه يكرّر على مسائل الخلاف فيحفظ المسألة . فقال الفخر إسماعيل : أيْش حفظ هذا الننين ، يعني الصّبيّ ، فبدر وقال : حفظت يا سيّدي الدَّرس .
وعرضه في الحال . فبُهِتَ منه الفخر وقال لابن عمّه : هذا يجيء منه شيء ، وحرّضه على الاشتغال . فشيخه في الخلاف الفخر إسماعيل .
وعرض عليه مصنَّفه جنَّة النّاظر . وكتب له عليه في سنة ستٍّ وستمائة : عرض عليَّ الفقيه الإمام العالِم أوحد الفُضلاء ، أو مثل هذه العبارة ، وأخرى نحوها ، وهو ابن ستّة عشر عاما . وشيخه في الفرائض والعربيّة أبو البقاء العُكْبرِيّ ، وشيخه في القراءات عبد الواحد المذكور ؛ وشيخه في الفِقْه أبو بكر بن غنيمة صاحب ابن المَنّيّ .
وأقام ببغداد ستّ سِنين يشتغل ، ثمّ قدِم حرّان واشتغل بها أيضاً على الشّيخ الفخر . ثمّ رحل إلى بغداد سنة بضع عشرة ، فازداد بها من العلوم ، وصنَّف التّصانيف . تُوُفّي إلى رحمة الله في يوم عيد الفِطْر بحرّان .