189- أيْبك بن عبد الله التُّركُماني ، السّلطان الملك المُعزّ عزّ الدّين ، صاحب مصر . كان أكبر مماليك الملك الصّالح نجم الدّين ، خدمه ببلاد الشّرق ، وكان جهاشَنْكيره ، فلمّا قُتل الملك المعظَّم ابن الصالح اتّفقوا على أيْبك التُّرْكُماني هذا ، ثمّ سلْطنُوه . ولم يكن من كبار الأمراء ، لكنّه كان معروفاً بالعقْل والسّداد والدّين وترْك المُسْكر ، وفيه كرمٌ وسُكون . فسلطنوه في أواخر ربيع الآخر سنة ثمانِ وأربعين ، فقام الفارس أقْطايا وسيف الدّين الرِّشيدي ورُكن الدّين البُنْدُقْداري وجماعة من الأمراء في سلطنة واحدٍ من بيت المملكة ، وأنِفوا من سلطنة غلام ، فأقاموا الأشرف يوسف ابن ُ النّاصر يوسف ابن المسعود أقسيس صاحب اليمن ابن السّلطان الملك الكامل ، وكان صبيّاً له عشْر سنين ، وجعلوا أيْبك التُّركماني أتابكه ، وأخّروه عن السّلطنة ، وذلك بعد خمسة أيّام من سلطنته . ثمّ كان التّوقيع يخرج وصورته : رسم بالأمر العالي السّلطاني الأشرفي والملكي المُعُزّي ،واستمر الحال والمُعزّ هو الكُلّ ، والصّبي صورة . وجرت أمورٌ ذكرنا منها في الحوادث . وكان طائفة من الجيش المصري كاتبوا بعد هذا بمدّة الملك المغيث الّذي بالكَرَك وخطبوا له بالصّالحية ، فأمر الملك المُعزّ بالنّداء بالقاهرة أنّ الدّيار المصريّة لأمير المؤمنين ، وأنّ الملك المُعزّ نائبُه . ثمّ جُدِّدت الأيْمان للملك الأشرف بالسّلطنة ، وللمُعزّ بالأتابكية . وقد جرى للمُعزّ مصافٌّ مع النّاصر صاحب الشّام ، وانكسر المُعزّ ، ودخلت النّاصريّة مصر وخطبوا لأستاذهم ، ثم انتصر المُعزّ وانهزم النّاصر إلى الشّام . ووقع بعد ذلك الصُّلح بين الملكين . وكان على كتف المُعزّ خُشداشه الفارس أقطايا الجَمْدار ، فعظُم شأنه ، والتفّت عليه البحريّة . وكان يركب بالشّاويش وتطلع إلى السّلطنة ، ولقّبوه سرّاً بالملك الجواد ، فقتله المُعزّ ، وتمكّن من السّلطنة . وتزوّج في سنة ثلاث وخمسين بشجر الدُّر أمّ خليل صاحبة السّلطان الملك الصّالح . وكان كريماً جواداً ، كثير العطاء ، حسن المُداراة ، لا يرى الجور ولا العسف ، بنى بمصر مدرسةً كبيرة . واتّفق أنّه خطب بنتَ السّلطان بدر الدّين صاحب الموصل وراسله ، فغارت شجرُ الدُّرّ وعزمت على الفتْك به وإقامة غيره ، قال الشّيخ قطْب الدّين : فطلبت صفي الدّين ابن مرزوق ، وكان بمصر ، فاستشارته ووعدته بالوزارة ، فأنكر عليها ونهاها عنه ، فلم تُصْغ إلى قوله ، وطلبت مملوكاً للطُّواشي مُحسن الصّالحي وعرّفته أمرها ووعدته ومنَّته إنْ قَتَل المُعزّ ، ثم استدعتْ جماعةً من الخُدَّام واتّفقت معهم ،فلمّا كان يوم الثّلاثاء الثّالث والعشرين من ربيع الأوّل لعب المُعزّ أيْبك بالكُرة ، وصعِد إلى القلعة آخر النّهار ، وأتى الحمّام ليقلب ماءً ، فلمّا قلع ثيابه وثب عليه سنْجر الجوجري والخُدّام فرموْه وخنقوه . وطلبت شجرُ الدّرّ ابن مرزوق على لسان الملك المُعزّ فركب حماره وبادر ودخل القلعة من باب السّرّ ، فرآها جالسةً والمُعزّ بين يديها ميتاً ، فأخبرته بالأمر فعُظم عليه جدّاً ، واستشارته فقال : ما أعرف ما أقول ، وقد وقعت في أمر عظيم ما لك منه مخلّص ،ثمّ طلبتْ الأمير جمال الدّين أيْدُغْدي ، العزيزي ، وعزّ الدّين أيْبك الحلبي الكبير ، وعرضتْ عليهما السّلطنة ؛ فلمّا ارتفع النّهار شاع الخبر واضطّرب النّاس ثمّ اتفقوا على سلطنة الملك المنصور علي ابن الملك المُعزّ وعُمرُه يومئذ خمس عشرة سنة ، وجعلوا أتابكه الأمير عَلَم الدّين سنْجر الحلبي المُشدّ . وأُخرجت هي من دار السّلطنة بعد أن امتنعت بها أيّاماً . وجُعلت في البرج الأحمر ، وقبضوا على الجواري والخدّام وسنْجر الجوجري ، ثمّ صلب هو وأستاذه وجماعة من الخدّام ،وفي ثاني ربيع الآخر ركب الملك المنصور بأبهة السّلطنة . وقال غيره : غارت شجرُ الدّرّ ورتّبت للمُعزّ سنْجر الجوجري مملوك الفارس أقطايا ، فدخل عليه الحمّام لَكَمَه فرماه ، ولزم الخدّام بمعاريه ، وبقيت هي تضربه بالقُبقاب وهو يستغيث ويضرع إليها إلى أن مات ، رحمه الله . مات في عشْر السّتّين ، وخُنقت هي بعدُ .
المصدر: تاريخ الإسلام
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/673353
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة