حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

عبد الله المستعصم بالله

عبد الله المستعصم بالله ، أبو أحمد ، أمير المؤمنين ، الشّهيد ، ابن المستنصر بالله أبي جعفر منصور ابن الظّاهر بأمر الله أبي نصر محمد ابن النّاصر لدين الله أحمد الهاشمي العبّاسي ، البغدادي ، رحمه الله تعالى . آخر الخلفاء العراقيين . وكان ملكهم من سنة اثنتين وثلاثين ومائة إلى هذا الوقت .

وُلد أبو أحمد سنة تسعٍ وستمائة ، وبُويع بالخلافة في العشرين من جمادى الأولى سنة أربعين ، والأصحّ أنّه بويع بعد موت والده في عاشر شهر جمادى الآخرة . وكان مليح الخطّ ، قرأ القرآن على الشّيخ علي ابن النّيّار الشّافعي ، وعُمِلت دعوةٌ عظيمةٌ وقْت ختْمه ، وخُلع على الشّيخ ، وأُعطي من الذّهب العِين ستّة آلاف دينار . ويوم خلافته بلغت الخِلع ثلاثة عشر ألف خِلْعة وسبعمائة وخمسين خِلْعة .

وأجاز له : على يد ابن النجّار : المؤيّد الطُّوسي ، وأبو روْح الهَرَوي ، وجماعة . سمع منه شيخه الّذي لقّنه القرآن أبو الحسن علي ابن النّيّار ، وحدّث عنه . وروى عنه الإجازة في خلافته : محيي الدّين يوسف ابن الجوْزي ، ونجم الدّين عبد الله الباذرائي .

وروى عنه بمَرَاغَة : ولدهُ الأمير مبارك . وكان كريماً حليماً ، سليم الباطن ، حسن الدّيانة . قال الشّيخ قطْب الدّين : كان متديّناً متمسكاً بالسُّنَّة كأبيه وجدّه ، ولكنّه لم يكن على ما كان عليه أبوه وجدّه النّاصر من التّيقُّظ والحزْم وعُلُوّ الهمّة .

فإن المستنصر بالله كان ذا همّةٍ عالية ، وشجاعة وافرة ، ونفْسِ أبيَّة ، وعنده إقدام عظيم . استخدم من الجيوش ما يزيد على مائة ألف . وكان له أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشّهامة والشّجاعة ، وكان يقول : إنْ ملّكني الله الأمر لأعبُرَنَّ بالجيوش نهر جيْحُون وأنتزع البلاد من التّتار وأستأصلهم .

فلما توفّي المستنصر لم يرَ الدّويْدار والشّرابي والكبار تقليد الخفاجي الأمر ، وخافوا منه ، وآثروا المستعصم لما يعلمون من لينه وانقياده وضعْف رأيه ، ليكون الأمر إليهم . فأقاموا المستعصم ، ثمّ رَكَن إلى وزيره ابن العلقمي ، فأهلك الحرْث والنَّسل ، وحسَّن له جمْع الأموال ، والاقتصار على بعض العساكر ، وقطْع الأكثر . فوافقه على ذلك .

وكان فيه شحٌّ ، وقلّة معرفة ، وعدم تدبير ، وحبٌّ للمال ، وإهمال للأمور . وكان يتّكل على غيره ، ويُقدم على ما لا يليق وعلى ما يُستقبح . ولو لم يكن إلاّ ما فعله مع النّاصر داود في أمر الوديعة .

قلت : وكان يلعب بالحَمَام ، ويُهمل أمر الإسلام ، وابنُ العلقمي يلعب به كيف أراد ، ولا يُطلعه على الأخبار . وإذا جاءته نصيحةٌ في السّرّ أطلع عليها ابن العلقمي ليقضي الله أمراً كان مفعولاً . فحكى جمال الدّين سليمان بن عبد الله بن رطلين قال : جاء هولاوو في نحو مائتي ألف ، ثمّ طلب الخليفة ، فطلع ومعه القُضاة والمدرّسون والأعيان في نحو سبعمائة نفس ، فلمّا وصلوا إلى الحربيّة جاء الأمر بحضور الخليفة ومعه سبعة عشر نفْساً ، فاتّفق أن أبي كان أحدهم ، فحدّثني أنّهم ساقوا مع الخليفة ، وأنزلوا من بقي عن خيْلهم ، وضربوا رقابهم .

ووقع السّيف في بغداد ، فعمل القتْلُ أربعين يوماً . وأنزلوا الخليفة في خيمةٍ صغيرة ، والسّبعة عشر في خيمة .قال أبي : فكان الخليفة يجيء إلى عندنا كلّ ليلة ويقول : ادعوا لي .قال : فاتّفق أنّه نزل علي خيمته طائرٌ ، فطلبه هولاوو وقال : أيش عملُ هذا الطّائر ؟ وأيْش قال لك ؟ ثمّ جرت له محاوراتٌ معه ومع ابن الخليفة أبي بكر . ثمّ أمر بهما فأُخرجا ، ورفسوهما حتّى ماتا ، وأطلقوا السَّبعة عشر ، وأعطوهم نشّابة ، فقُتل منهم رجلان وطلب الباقون بيوتهم فوجدوها بلاقع .

فأتوا المدرسة المُغيثيَّة ، وقد كنت ظهرتُ فبقيتُ أسأل عن أبي ، فدُللت عليه ، فأتيتُه وهو ورفاقه ، فسلّمت عليهم ، فلم يعرفني أحدٌ منهم ، وقالوا : ما تريد ؟ قلت : أريد فخْر الدّين ابن رطلين . وقد عرفته ، فالتفت إلي وقال : ما تريد منه ؟ قلت : أنا ولده . فنظر إلي وتحقَّقني ، فلمّا عرفني بكى ، وكان معي قليل سمْسِم فتركته بينهم .

وأقمنا هناك إلى صفَر ، إلى أن رُفع السّيف ، فأتيا دار فخر الدّين أحمد ابن الدّامغاني صاحب الدّيوان ، وقد أراد ابن العلْقمي أن يضرّه فنفعه ، فقال لهولاكو : هذا يعرف أموال الخليفة وذخائره وأموره ، وهذا كان يتولاّها .فقال : إذا كان الخليفة اختاره لنفسه فأنا أوْلى أن أولّيه . وكتب له الفرمان ، وقال للوزير : لا تفعل شيئاً إلا بموافقته . ثمّ إنّ ابن العلقمي عمل على أن لا يخطب بالجوامع ، ولا تصلّى الجماعة ، وأن يبني مدرسةً على مذهب الشّيعة فلم يحصل له أملُه ، وفُتحت الجوامع ، وأقيمت الجماعات .

وحدّثني أبي فخر الدّين قال : كان قد مشى حال الخليفة بأن يكون للتّتار نصف دخْل البلاد ، وما بقي شيء أن يتمّ ذلك ، وإنّما الوزير ابن العلْقمي ، قال : ما هذا مصلحة ، والمصلحة قتْله ، وإلاّ ما يتمّ لكم ملْك العراق . قلت : توفّي الخليفة في أواخر المحرَّم أو في صفر ، وما أظنّه دفن ، فإنا لله وإنّا إليه راجعون . وكان الأمر أعظم من أن يوجد مؤرّخٌ لموته ، أو مُوارٍ لجسده .

وراح تحت السّيف أممٌ لا يحصيهم أحد إلاّ الله ، فيقال : إنّهم أكثر من ألف ألف ، واستغْنت التّتار إلى الأبد ، وسبوا من النّساء والولدان ما ضاق به الفضاء . وقد بيّنا ذلك في الحوادث . وقتلوا الخليفة خنْقاً ، وقيل : غمّوه في بساطٍ حتى مات .

والأشهر أنّه رُفس حتّى خرجتْ روحه . وحكى جمال الدّين ابن رِطلين ، عن أبيه ، قال : أخذوا الخليفة ليقتلوه ، وكان معه خادم يقال له قُرُنْفُل ، فألقى عليه نفسه يَقِيه من القتْل ، فقتلوا الخادم ، وعادوا إلى رفس الخليفة حتّى مات . وكانوا يسمّونه : الأبْلَه .

وحدّثني شيخنا ابن الدّباهي قال : لمّا بقي بين التّتار وبين بغداد يومين أعلم الخليفة حينئذ فقال : عدْلين يروحون يُبْصرون إنْ كان هذا الخبر صحيح . ثمّ طلب والدي ، فحضر إلى بين يديه وطلب منه الرّأي : وقال : كيف نعمل ؟ فصاح والدي وقال : فات الأمر كنتم صبرتم زاده . وفي تاريخ الظّهير الكازروني أنّ المستعصم دخل بغداد بعد أن خرج إلى هولاكو ، فأخرج لهم الأموال ، ثمّ خرج في رابع صفر ، وشرع السيف في البلد في خامس صفر ، وقتل الخليفة يوم الأربعاء رابع عشر صفر .

قيل : جُعِل في غرارة ورُفِس إلى أن مات . ثمّ دُفن وعُفي أثَرُه . وقد بلغ ستّاً وأربعين سنة وأربعة أشهر .

وقتل ابناه أحمد وعبد الرحمن ، وبقي ابنه الصّغير مبارك ، وأخواته فاطمة ، وخديجة ، ومريم ، في أسْر التّتار . ورأيت في تاريخ ابن الكازروني أنّ الخليفة بقي أربعة أيّام عند التّتار ، ثمّ دخل بغداد ومعه أمراء من المُغْل والنّصير الطُّوسي ، فأخرج إليهم من الأموال والجواهر والزَّركش والثّياب والذّخائر جُملةً عظيمة ، ورجع ليومه ، وقُتل في غِرارة ، وقُتل ابنُهُ أحمد وعُمُرُه خمسٌ وعشرون سنة ، وعُمر أخيه عبد الرحمن ثلاثٌ وعشرون سنة ، ولكلِّ منهما أولاد أُسِروا ، وقُتل عددٌ من أعمام الخليفة وأقاربه .

موقع حَـدِيث