حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

لؤلؤ السّلطان الملك الرّحيم

لؤلؤ ، السّلطان الملك الرّحيم ، بدرُ الدّين ، صاحب الموصل ، أبو الفضائل الأرمنيّ الأتابكيّ ، النُّوريّ ، مولى الملك نور الدّين أرسلان شاه ابن السّلطان عزّ الدّين مسعود . كان القائم بتدبير دولة أستاذه وأعطاه الإمريّة ، فلمّا توفّي نور الدّين قام بتدبير ولده السّلطان الملك القاهر عزّ الدّين مسعود ابن نور الدّين ، فلمّا توفّي سنة خمس عشرة أقام بدر الدّين أخوين صبيّين ولدي القاهر ، وهما ابنا بنت مظفَّر الدّين صاحب إربل ، واحداً بعد واحد . ثمّ استبدّ بملك الموْصل أربعين سنة ، والأصحّ أنّه تسلطن في أواخر رمضان سنة ثلاثين وستمائة .

وكان حازماً شجاعاً ، مدبّراً ، ذا حزم ورأي ، وفيه كرم وسُؤْدُد وتجمُّل ، وله هيبة وسطْوة وسياسة . كان يغْرم على القُصّاد أموالاً وافرة ، ويحترز ويداري الخليفة من وجهٍ ، والتّتار من وجهٍ ، وملوك الأطراف من وجهٍ ، فلم ينخرم نظام مُلْكه ، ولم تطْرُقه آفةٌ . وكان مع ظلمه وجوده محبَّباً إلى رعيَّته لأنّه كان يعاملهم بالرّغْبة والرَّهبة .

ذكره الشّيخ قطْبُ الدّين فقال : كان ملكاً جليل القدْر ، عالي الهمّة ، عظيم السَّطْوة والسّياسة ، قاهراً لأمرائه . قتل وشنق وقطع ما لا نهاية له حتّى هذَّب البلاد . ومع هذا فكان محبوباً إلى رعيّته ، يحلفون بحياته ، ويتغالون فيه ، ويلقّبونه قضيب الذّهب .

وكان كثير البحث عن أخبار رعيّته ، توفّي في عشْر التّسعين وفي وجهه النّضارة ، وقامتُه حسنَة ، يخيَّل إلى من يراه أنّه كهل . قلت : ولمّا رأى أنّ جاره مظفَّر الدّين صاحب إربل يتغالى في أمر المولد النّبويّ ويغْرم عليه في العام أموالاً عظيمة ، ويُظْهر الفرح والزّينة ، عمد هو إلى يوم في السّنة ، وهو عيد الشّعانين الّذي للنّصارى ، لعنهم الله ، فعمل فيه من اللّهو والخمور والمغاني ما يضاهي المولد ، فكان يمدّ سِماطاً طويلاً إلى الغاية بظاهر البلد ، ويجمع مغاني البلاد ، ويكون السّماط خونْجاً وباطيةَ خمرٍ على هذا التّرتيب ، ويحضره خلائق ، وينثر على النّاس الذّهب من القلعة ، يسفي الذّهب بالصّينيّة الذّهب ، ويرميه عليهم ، وهم يقتتلون ويتخاطفون الدّنانير الخفيفة ، ثمّ يعمد إلى الصّينيّة في الآخر فتقصّ له بالكازن من أقطارها إلى المركز ، وتخلّى معلَّقةً بحيث أنّه إذا تجاذبوها طلع في يد كلّ واحدٍ منها قطعة . فحدّثونا أنّه كان بالموصل رجلٌ يقال له عثمان القصّاب ، كان طُوالاً ضخْماً ، شديد الأيْد والبطْش ، بحيث أنّه جاء إلى مخاضةٍ ومعه خمس شِياه ليدخل البلد ويقصبها ، فأخذ تحت ذا الإبط رأسين ، وتحت الإبط الآخر رأسين ، وفيه فمه رأساً ، وخاض الماء بهم إلى النّاحية الآخرى .

فإذا رمى بدر الدّين الصّينيّة إلى النّاس تضاربوا عليها ساعةً ، ثمّ لا تكاد تطلع إلاّ مع عثمان القصّاب ، ومقتهُ أهلُ العلم والدّين على تعظيمه أعياد الكُفْر ، وعلى أمورٍ أخر، فقال فيه الشاعر : يعظِّم أعياد النصارى تلهيّاً ويزعُم أنّ الله عيسى ابن مريمْ إذا نبَّهته نخوةُ أريحيّةٍ إلى المجد قالت أرمنيتّه : نمْ وذكروا لنا أنّه سار إلى خدمة هولاوو ، وقدَّم له تُحفاً سنيّة ، منها دُرّةٌ يتيمة ، والتمس أنْ يضعها هو في أُذُن الملك هولاوو ، فانكفأ على رُكبته فمعك أذُنه ، وأدخلها في الخُرم . فلمّا خرج فاق على نفسه وقال : هذا معك أذني ، أو قيل ذلك لهولاوو ، فغضب وطلبه ، فإذا هو قد ساق في الحال . والله أعلم بصحّة هذا ، فإنّي أستبعدُه .

ولكنّه ذهب إلى هولاوو ، ودخل في طاعته ، وأعانه على مُراده ، فأقرّه على بلده ، وقرّر عليه ذهباً كثيراً في السّنة . فلمّا مات انخرم النّظام ، ونازلت التّتار الموْصل ، وعصى أهلها ، فحوصرت عشرة أشهُر ، ثُمّ أُخِذت ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله . توفّي صاحب الموْصل يوم الجمعة ثالث شعبان ، وقد كمّل الثّمانين ، سامحه الله .

موقع حَـدِيث