سنة خمس وستين وستمائة
سنة خمس وستين وستمائة في أولها توجه السلطان جريدة إلى الكرك ، وتصيد بنواحي زيزى ، فتقنطر به الفرس فانكسرت فخذه ، فأقام يداويها حتى تصلح بعض الشيء ، وسار في محفة إلى غزة وحصل له عرج منها . وفيها سافر صاحب حماة الملك المنصور إلى مصر ، فاحتفل له السلطان وأكرمه ، ثم سافر إلى الإسكندرية متفرجاً ، فرسم السلطان لمتوليها أن يحمل إليه كل يوم مائة دينار برسم النفقة وأن ينسج له في دار الطراز ما يقترحه . وفيها أمر السلطان بعمل الجامع بالحسينية ، وتمت عمارته في شوال سنة سبع وستين ، وجاء في غاية الحسن ، وبني في ميدان قراقوش ، وأحكر ما بقي من الميدان ، وقرر لمصالح الجامع ، ورتب به خطيب حنفي .
وفي جمادى الآخرة توجه السلطان إلى الشام وصحبته صاحب حماة ، فنزل على صفد ، واهتم بعمارتها وتحسينها وتحصينها ، ثم قدم دمشق ، ثم سار إلى الكرك . وفي شعبان ولي قضاء القضاة بالقاهرة والوجه الشرقي الإمام تقيّ الدّين ابن رزين الحموي ، وولي قضاء مصر والوجه القبلي محيي الدّين عبد الله ابن القاضي شرف الدّين ابن عين الدولة ، وولي نظر الأحباس الشيخ تاج الدّين علي ابن القسطلاني ، وولي تدريس الشّافعيّة بالصالحية صدر الدّين ابن القاضي تاج الدّين ، وفوض نظر الخانقاه السعيدية إلى قاضي الحنابلة وولي نظر مدرسة الشّافعيّ بهاء الدّين علي بن عيسى بن رمضان نيابة عن الصاحب فخر الدّين ابن حنى ، وهذه المناصب كلها كانت بيد القاضي تاج الدّين . وفيها توجه الأمير عز الدّين الحلي إلى الحج ، وناب في السلطنة بدر الدّين بيليك الظاهر بن الخزندار .
ودخل السلطان مصر في ذي الحجة ، فأمر بتسمير جماعة ، منهم الملك الأشرف ابن صاحب ميافارقين شهاب الدّين غازي ، والأمير آقوش القفجاقي الصالحي الذي ادعى النبوة من نحو ثلاثة أشهر . ومنهم الناصح ضامن بلاد واحات ، وكان بإخميم ، فأنهي إلى السلطان ما هو فيه من الأمر المطاع ، وأنه يخاف من خروجه بأرضه ، وأنهي إليه أنه اتفق مع رجل نصراني ومع الملك الأشرف وهم بخزانة البنود محبوسين ، على أن ينقبوا خزانة البنود ويخرجوا إلى واحات ، فيسلطن فيها الملك الأشرف ابن غازي ، ويكون الناصح وزيره ، والنصراني كاتبه ، فسمروا . وفيها ورد كتاب قاضي القدس إلى السلطان يخبر بظهور الماء ببيت المقدس ؛ وسبب ذلك أن الماء انتزح من بئر السقاية وبقي الوحل ، وعظمت مشقة الناس لأجل الوضوء ، وأن القاضي حضر بنفسه إلى البئر ، ثم نزل فأخبر أنه شاهد قناة مسدودة بالردم من عهد بخت نصر الذي هدم بيت المقدس ، قال : فدخلت الصخرة وأنا مهموم بسبب إعواز الماء ، فاجتمعت بالأمير علاء الدّين الركني الأعمى ، فجرى الحديث واتفق الرأي على إحضار بنائين من غزة ، وكشف القناة السليمانية ، فحضروا فكشفوا الردم أولاً فأولاً ومشوا في القناة ، وكلما مشوا في السرب علقوه بالعمد والبلاط ، إلى أن وصلوا إلى الجبل الذي تحت الصخرة المباركة ، فوجدوا باباً مقنطراً ، ففتحوا ردمه وإذا هم بالماء ، ففار على جماعة بقوة كاد أن يغرقهم ، فهربوا وصعدوا في الحبال ، وذلك في ذي الحجة من السنة ، نقل هذا الكتاب محيي الدّين ابن عبد الظاهر في سيرة الملك الظاهر ، ثم قال : وجدت في كتاب دير يامين من تواريخ النصارى أن ملك الموصل لما قصد أوراشلم - يعني بيت المقدس - في جيوشه اتفق حزقيا هو وجماعته على دفن المياه التي ببيت المقدس ، فدفنوا جميع الينابيع التي بها وعفوا أثرها لئلا يتقوى عليهم ملك الموصل سنحاريب بتلك المياه .
قال ابن عبد الظاهر : وقرأت في نبوة زكريا أنه يخرج ماء عذب فيه حياة من أوراشلم ، نصفه إلى البحر الشرقي ، ونصفه إلى البحر الغربي ، ويكون ذلك عند اعتدال الصيف والشتاء ، قال : فوقت ظهور الماء نزلت الشمس برج الميزان ، وهو برج الاعتدال ، في يوم نزولها بعينه ، ثم وصل كتاب الأمير علاء الدّين الركني يذكر أنه دخل الصناع فوجدوا سداً معمولاً بالشيد والحجر ، فنقب فيه الحجارون مدة أحد وعشرين يوما ، فوجدوا سقفاً بالشيد والكتان مقلفطا ، فنقب فيه طول مائة وعشرين ذراعاً ، فخرج الماء ، فلما قوي خروجه بحيث أنه ملأ القناة تركوه . وفيها عبر جيحون يراق بن جغتاي بن القان قبلاي ، فسار لحربه أباقا ، فكان المصاف بناحية هراة ، فانتصر أباقا ، وغنم جنده أشياء كثيرة ، وغرق خلق من جيش يراق . وفيها أنشأ صاحب الديوان ببغداد قصراً كبيراً وبستاناً عظيماً زرع فيه حتى الفستق ، وأنشأ رباطاً ، وجهز وفداً من بغداد غرم عليه أموالاً ، فحجوا وسلموا ، وأمر بقتل ابن الخشكري الشاعر لكونه فضل شعره على القرآن ، وقد كان مدح الصاحب بقصيدة فأنشده ، فأذن المؤذن ، فأنصت الصاحب ، فقال : ابن الخشكري : يا مولانا اسمع الجديد ودع العتيق ، فقتله في سنة ست وستين .