سنة سبع وستين وستمائة في صفر حلف السلطان الأمراء ، للملك السعيد ، وقرئ تقليده . وفي جمادى الآخرة توجه السلطان والأمراء إلى الشام جرائد ، وناب ابنه عنه ، وعلّم على التواقيع ، وكاتبه نواب البلاد . وفيها وصلت رسل أبغا ومعهم جماعة من جهة صاحب سيس وأحضرهم السلطان فأدوا الرسالة ، مضمونها طلب الصلح بقوة نفس ، وإنا خرجنا فملكنا جميع العالم ، وأنت لو صعدت إلى السماء ما تخلصت منا وأنت مملوك أبعت في سيواس ، فكيف تشاق ملك الأرض ؟ فأجاب : إني في طلب جميع ما استوليتم عليه من العراق والجزيرة والروم ، ثم جهزهم . وفيها وصل إليه صاحب صهيون الأمير سيف الدّين محمد ابن مظفر الدّين عثمان بن منكورس ، وقدم مفاتح صهيون فخلع عليه ، وأبقاها بيده . وفي أواخر رجب خرج السلطان فنزل على الخربة ، ثم ركب منها على البريد سراً إلى القاهرة ، بعد أن عرَّف الفارقاني أنه يغيب ، وقرر مع الفارقاني أن يحضر الأطباء كل يوم ، ويستوصف منهم للسلطان ، يوهم أنه مريض ، فيعمل ما يصفونه ، ويدخل به إلى الدهليز ، ودخل السلطان مصر في اليوم الرابع ، وأقام بها أربعة أيام ثم رد على البريد إلى المخيم الشريف ، فكانت الغيبة أحد عشر يوماً ، وكان غرضه كشف حال ولده ، وكيف دسته . وفي رمضان تسلم نواب السلطان قلعة بلاطنس وقلعة بكسرابيل من عز الدّين أحمد بن مظفر الدّين عثمان بن منكورس الصهيوني ، وعوِّض عنهما قرية من عمل شيزر ، وتوجه السلطان إلى صفد ، فأقام بها يومين ، وأغار على أعمال صور ، وعيّد بالجابية ، ثم انتقل إلى الفوار ، ثم سار إلى الكرك ، ومنها إلى الحج فحج معه الأمير بدر الدّين بيليك الخزندار ، والقاضي صدر الدّين سليمان ، وفخر الدين بن لقمان ، وتاج الدّين ابن الأثير ، ونحو ثلاثمائة مملوك ، وجماعة من أعيان الحلقة ، فقدم المدينة في أواخر ذي القعدة . وكان جّماز قد طرد ابن أخيه مالكاً عن المدينة ، واستقل بإمرتها ، فهرب من السلطان ، فقال السلطان : لو كان جماز يستحق القتل ما قتلته لأنه في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تصدق بصدقات ، وحج ، فتلقاه أبو نمي وعمه إدريس فخلع عليهما ، ووقف بعرفة يوم الجمعة ، ثم أفاض ، وغسل الكعبة بماء الورد ، وطيبها بيده ، وأقام إلى ثالث عشر ذي الحجة ، وزار المدينة ووصل الكرك يوم التاسع والعشرين من الشهر ، فصلى بها يوم الجمعة ، ثم ساق منه على البريد ، فوصل دمشق بكرة الأحد يوم ثاني المحرم من سنة ثمانٍ ، فخرج النجيبي فصادفه في سوق الخيل ، فنزل وقبّل الأرض . ثم ساق إلى حلب فدخلها في سادس المحرَّم ، فأقام بها أربعة أيام ، ثم رد إلى حماة ، ثم إلى دمشق ، ثم إنه دخل القاهرة يوم ثالث صفر ، وصادف وصول الركب المصري . وفيها تقدم السلطان بالحوطة على بلاد حلب وأملاكها ، وأن لا يفرج عن شيء منها إلا بكتاب عتيق . وفي ذي الحجة هبت ريح عظيمة بمصر غرقت في النيل نحو مائتي مركب وهلك كثير من الناس وأمطرت قليوب مطراً غزيراً . وفيها عصى تاكوذر على الملك أبغا وحاربه ، فانتصر أبغا ، ثم إن برق ابن عم تاكوذر انتصر له ، وقصد يبشير أخا أبغا فكسره . وفي رجب احترق سوق جبل الصالحية ، وراح أكثر ما فيه من قماش ومتاع ، وكان حريقاً كبيراً ، قال بعض الفضلاء : ما رأيت في عمري حريقاً أكبر منه ، احترق السوق من أوله إلى آخره من الجهتين ، واحترق فيه دكانان للعطر لم يكن في دمشق أحسن منهما ولا أكبر ، من الصيني والمطعم بالفضة وغير ذلك ، وهلك لتاجر شيءٌ بخمسة عشر ألف درهم . وفي رجب أزيلت القباب التي عملت ، وكانت قد اعتنوا بها لأجل مجيء السلطان ، وكانت محكمةً ، ضخمة الأخشاب ، كل واحدةٍ طبقات ، وكان عملها بالدّبادب والمغاني واللهو ، وبقيت دون شهر مجردة ، فلما هموا بزينتها جاء الأمر بإبطالها ، فأصبح الناس وقد أزيلت ليلاً كأن لم تكن ، فهرجوا ومرجوا ، ثم عملت له القباب عند مجيئه من فتح أنطاكية . وفيها شتا أباقا ببغداد .
المصدر: تاريخ الإسلام
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-57/h/674133
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة