سنة ثمان وستين وستمائة
سنة ثمان وستين وستمائة دخل السلطان القاهرة في صفر ، ثم بعد أيام توجه إلى الإسكندرية ، ومعه ولده الملك السعيد ، فتصيد وعاد إلى مصر ، وخلع على الأمراء ، وفرق فيهم الخيل والمال . وتوجه إلى الشام في الحادي والعشرين من ربيع الأول في طائفة يسيرة من الأمراء ، وقاسوا مشقة من البرد ، بلغه أن ابن أخت زيتون الملك خرج من عكا في عسكر ، يقصد عسكر صفد ، فسار السلطان واجتمع بعسكر صفد بمكان عيَّنه ، ثم سار إلى عكا فصادف ابن أخت زيتون قد خرج فكسره وأسره في جماعة من أصحابه ، وقتل من عسكره مقتلة ، ثم أغار على المرقب فصادف أمطاراً وثلوجاً ، فرجع إلى حمص ، وأقام بها نحواً من عشرين يوماً . ثم سار إلى تحت حصن الأكراد وأقام يسير كل يوم نحوها ، ويعود من غير قتال ، فبلغه أن مراكب الفرنج وصلت إلى ميناء الإسكندرية ، وأخذت مركبين للمسلمين ، فرحل لوقته وساق فدخل القاهرة في ثاني عشر شعبان .
وفيها قدم صارم الدّين مبارك بن الرَّضي مقدَّم الإسماعيلية بهدية إلى السلطان ، وشفع فيه صاحب حماة ، فكتب له السلطان بالنيابة على حصون الإسماعيلية ، على أن تكون مصياف وبلدها خاصاً للملك الظاهر ، وبعث السلطان معه نائباً من جهته على مصياف وهو عز الدّين العديمي ، فلما وصلوا امتنع أهل مصياف ، وقالوا لا نسلمها للصارم فإنه كاتب الفرنج ونحن نسلمها للعديمي ؛ وقالوا له : تعال إلينا من الباب الشرقي ، فلما فتحوا له هجم معه الصارم وبذل السيف وقتل منهم خلقاً وتسلم هو والعديمي القلعة ، ثم غلب الصارم على البلد ، وأزال عنه يد العديمي . واتفق مجيء نجم الدّين حسن ابن الشعراني إلى السلطان ، ومعه تقدمة سنيّة ، فقدمها عند حصن الأكراد ، فكتب له السلطان بالقلاع وهي : الكهف ، والخوابي ، والعُلّيقة ، والرصافة ، والقدموس ، والمينقة ، ونصف جبل السماق ، وقرر عليه أن يحمل في كل سنة مائة وعشرين ألف درهم ، ثم أخرج الصارم من مصياف نائب السلطان وعصى ، فسار إليه صاحب حماة فنزل الصارم وذل ، ثم عاد إليها العديمي وحمل الصارم إلى مصر فحبس بها . وفيها أبطلت الخمور وأُريقت بدمشق ، وشدد في ذلك الشيخ خضر الكردي شيخ السلطان ، وسعى في إعدامها بالكلية ، وكبس دور النصارى واليهود ، وكتبوا على أنفسهم بعد القسامة أنه لم يبق عندهم منها شيء .
وفيها جاء جراد عظيم إلى الغاية بالشام وإلى الديار المصرية وإلى الحجاز . وفيها ولي الصاحب تاج الدّين ابن فخر الدّين ابن حنى وزارة الصحبة على ما كان عليه والده . وفي ذي الحجّة أمر السلطان بعمل جسرين بسلاسل ومراكب على النيل إلى الجيزة لما بلغه حركة الفرنج ليجوز الجيش عليهما إلى الإسكندرية إن دهم عدو ، ثم تواترت الأخبار بنزول الفرنج على تونس .
وفيها سار أبغا لينصر أخاه على برق بعد أن جمع الجيوش ، وسار بهم نحو شهرين ، والتقوا على النهر الأسود ، فكسر عسكر برق كسرةً عظيمة ، وساقوا خلفهم ولزّوهم إلى الجسر ، فازدحموا وتساقطوا في البحر ، وردّ أبغا إلى أرضه ، ووقع في عسكره الوباء فمات منهم خلق .