أبو القاسم بن منصور
أبو القاسم بن منصور ، القباري الزاهد ، وسماه الإمام أبو شامة محمداً . وكان شيخاً صالحاً ، عابداً ، قانتاً ، خائفاً من الله ، منقطع القرين في الورع ، والإخلاص ، وكان مقيماً ببستانٍ له بجبل الصيقل بظاهر الإسكندرية ، وبه مات ، وبه دفن بوصيةٍ منه . قال أبو شامة : كان مشهوراً بالورع والزهد ، وكان في غيطٍ له هو فلاحه يخدمه ، ويأكل من ثماره وزرعه ، ويتورع في تحصيل بذره حتى بلغني أنه كان إذا رأى ثمرةً ساقطة تحت أشجاره لم يأكلها خوفاً من أن يكون حملها طائرٌ من بستان آخر ، وكنت اجتمعت به سنة ثمانٍ ، وعشرين مع جماعة ، فصادفناه يستقيّ على حماره ، ويسقي غيطه من الخليج ، فقدم لنا من ثمر غيطه ، وحدثني القاضي شمس الدّين ابن خلكان ، عن المجد ابن الخليلي أن الأثاث المخلف عنه ، كان له أو كان لغيره ، قيمته نحو خمسين درهماً ، فبيع بنحو عشرين ألف درهم للبركة .
وقال الشريف : توفي في سادس شعبان . وكان أحد المشايخ المشهورين بكثرة الورع ، والتحري ، والمعروفين بالانقطاع والتخلي ، وترك الاجتماع بأبناء الدنيا ، والإقبال على ما يعنيه ، وطريقه قل أن يقدر أحدٌ من أهل زمانه عليها ، ولا نعلم أحداً في وقته ، وصل إلى ما كان عليه من خشونة العيش والجد والعمل ، وترك الاجتماع بالناس ، والتحرز من الرياء والسمعة . كان تزوره الملوك فمن دونهم ، فلا يكاد يجتمع بأحدٍ منهم ، قال : وبالجملة فلم يترك بعده مثله ، رحمه الله .
قلت : وبعض العلماء أنكر غلوه في الورع ، وقال : هذا نوع من الوسواس في الطهارة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : بعثت بالحنيفية السمحة . قلت : والجواب عنه أنه مأمورٌ بما كان عليه من الوسوسة في الورع بقوله عليه السلام : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك . ولولا ارتيابه لما بالغ في شيء ، وغلبة الحال حاكمة على العلم من بعض الصالحين ، وأيضاً فمن الذي قال : إنه كان يتورع عن الحرام فقط .
بل قد يتورع الإنسان عن الحرام ، والمشتبهة ، والمباح ، ولا يوجب ذلك على غيره ، بل ، ولا على نفسه . وهذا الرجل فكان كبير القدر ، له أجران على موافقة السنة ، وأجرٌ واحدٌ على ما خالف ذلك ، لأنه حريصٌ على ابتغاء مرضاة الله ، مجتهد في خلاص نفسه . و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا والله لا يسأل العبد لم لا أكلت كل مباح ،بل يسأله لم أكلت الحرام ، ويسأله لماذا حرمت على نفسك ما أبحت لك مع علمك بإباحتي له ، لا مع جهلك بالإباحة .
هذا مع التسليم بأن الورع بالعلم أفضل ، وأرفع ، وذلك حال الأنبياء صلوات الله عليهم ، مع أن لهم فيه شرائع ، وطرائق كطريقة سليمان عليه السلام في الملك ، والإكثار من مباحات الدنيا ، وطريقة عيسى عليه السلام في السياحة ، والإعراض عن الدنيا بكل وجه ، وكطريقة داود في أمورٍ ، وطريقة إبراهيم الخليل في قرى الضيف ، وأشرف طرقهم ، وأفضلها طريقة نبينا صلى الله عليه وسلم ، فإنها حنيفية إبراهيمية ، سمحة ، سهلة ، برئية من الغلو والتعمق والتنطع . اللهم استعملنا بها ، وأمتنا على محبتها ، واكفنا الوقيعة في عبادك الصالحين . فمن مناقب القباري رحمة الله عليه : قال العلامة ناصر الدّين أبو العباس أحمد ابن المنير الإسكندراني في مناقب القباري رحمة الله عليه ، وهي نحوٌ من خمس كراريس ، قال : كان الشيخ في مبدئه قد حُبِّب إليه سماع العلم ، وبُغض إليه تناول غير ميراثه من أبيه ، فلا يذكر منذ عَقَلَ أمره أنه قبل من أحدٍ لقمةً ولا ثمرة .
حتى كان له جارٌ في الكرم ، وقف به يوماً ، وهو يبيع الرطب ، فعرض عليه رطبةً استحسنها ، وسأله أن يأكلها ، فقال : لا . فألح عليه ، وحلف عليه جاره يميناً : لا آكل لك شيئاً . فكان بعد يتأسف ويتندم على يمينه .
قال : وكان يحضر مجالس العلم على ثقل سمعه ، فإذا انقضى الدرس سأل من أترابه أن يعيدوا له بصوتٍ عالٍ كلام المدرس . قال : وكان قل أن يدعو لأحدٍ ، بل يطلب منه الدعاء ، فيقول للطالب : ما تحتاج . ويقول لآخر : ما أشتهي لأحدٍ من الأمة إلا خيراً .
ويقول لآخر : أود لو كان الناس كلهم على الخير . ويقول لآخر : أحب لكل أحدٍ ما أحبه لنفسي . قال ابن المنير : وقال لي مرةً : يطلب أحدهم مني الدعاء بلسانه ، ويظهر لي من قرائن أحواله أن قلبه غافل ، وأن نفسه قاسية على نفسه ، فكيف أرقّ أنا عليه ، وكيف أدعو له بلا رقة ؟ قال : وحضر عندي بعض أصحاب الكامل ، وهو في غاية البذخ ، عليه الملبوس الفاخر ، وعلى الباب المراكب الثمينة ، وبين يديه المماليك ، وهو يتحدث مع رفيقه ، ويتضاحكان ، ثم سألني الدعاء ، فأجريته على العادة ، فناقشني ، وقال : ما الناس إلا يتحدثون بأنك لا تدعو لأحدٍ معين ، وينتقدون ذلك ، فقلت : ألست تعلم أن الدعاء طلب العبد الضعيف من الرب الرحيم ؟ قال : بلى ، فقلت : أيطلب منه برقة أم بقسوة ؟ قال : برقة ، فقلت : ما أجدها عليك ، لأني ما وجدتها منك ، فبأي لسانٍ أدعو ، وإن شئتم الدعاء باللسان فهو البيدق الفارغ بلا قلب .
وقال لي : أقمت زماناً أصافح تمسكاً بالحديث ، ثم وجدت النفس عند المصافحة تتصرف في الإنسان فرب ، ودودٍ تبسط الكف له بسرعة ، ورب آخر تتكلف له ، فقلت : العدل خيرٌ من المصافحة ، فتركتها . وقد قال مالك : ليست من عمل الناس ، وربما قال : الأمر فيها ، واسع . وكان رحمه الله لا يأذن لأحدٍ من أرباب الدنيا ، والولايات في الدخول عليه متى شاء .
قال لي : فتحت الباب فرأيت جندياً فقلت : من أنت ؟ قال : أنا الذي توليت الإسكندرية . وكان ثاني يوم قدم فقلت : وما حاجتك ؟ قال : أن تأذن لي كلما أردت أن أجيء ليكون حضوري بدستور منك عام . فأجرى الله على لساني أن قلت له : لا آذن لك لأنكم عندي كالمرض لا آذن له إذا استأذن ، ولكن إذا دخل بقضاء الله صبرت عليه ، وانفصل عن ولاية الثغر هذا الأمير من خمسٍ وعشرين سنة ، فوالله ما أتم الشيخ لي الحكاية حتى أقبل هذا الأمير بعينه فقلت : سبحان الله ، فقال الشيخ : اسأله عن هذه الحكاية لعله يذكرها فسألته فقال : أذكرها ، وكنت أحكيها دائماً في مصر ، والشام .
وكان رحمه الله يقول : لو علمت أن الملوك والأمراء لا يأخذهم الغرور بإقبالي عليهم لأقبلت ، ولكنهم يظنون أنهم لمجرد الزيارة ينتفعون ، وأن الإقبال عليهم دليل الرضى عن أفعالهم . ولو علمت قابلاً للنصيحة لدخلت إليه أنصحه . لما جاء الملك الكامل ، وخطر له أن يخرج إلى عندي جاءت له مقدمات من مماليك ، وحجاب ، وصادفوني أسلق الفول لعشائي ، وكنت حينئذٍ لا أحب داخلاً ، فقلت لرجلٍ كان عندي : السلامة ، والكرامة في أن يحال بيني ، وبينه .
فلما جاء إلى بابي قيض الله له بعض نصحائه فقال له : المملكة عظيمة ، وقد صحبك العسكر بجملته ، وأنت بين أمرين : إما أن يأذن لك ، أو يحجبك . وإذا أذن لك صَّرفك كالآحاد ، ونصحك بما لا تطيق فعله ، فإن فعلت تغيرت عليك قواعد كثيرة ، وإن تركت قامت الحجة . والمصلحة عندي الاقتصار على الوصول إلى الباب ، فبلغني أنه قال : خار الله ، وقد حصلت النية .
فانصرف راجعاً . فقلت للشيخ : إن الناس يقولون إنك حجبته . فقال : ما حجبه إلا الله .
قال المؤلف : عرضت على الشيخ كثيراً من حكايات مشايخ الرسالة إلى أن أتيت على أكثر ما في رسالة القشيري فقال لي يوماً : ما أحب أن أسمع شيئاً خارجاً عن الكتاب ، والسنة ، وكلام الفقهاء . وكان يمكّن الأطفال من دخول بستانه ، فإذا ميز الطفل حجبه ، ويقول : من ادعى أنه معصومٌ فقد ادعى ما ليس له في الغيب . وكان يقول : سبق إلى ذهني في مبدأ العمر اختيار بستان في الرمل من متروك أبي أنقطع فيه ، لأجل أن ماءه نبعٌ ، وأستريح من شية ماء النيل ، وإجرائه في الخليج بعمل .
فمنعني من ذلك أن الحريم يكثرن هناك ، ولا يستتر بعضهن ، ولا يسلم المقيم من النظرة , فلما كثر الفساد صار الناس يقصدونه في الربيع للنيرة ، والخضرة ، فما زالوا حتى انتزح هذا الماء عنه بالكلية ، وبقي صفصفاً موحشاً . وكان أنشأ فيه تيناً ، ورماناً ، وزرجوناً ، كان الناظر يقضي منه العجب ، إلا أنه ما باع منه ثمرة ، فكان يقدد التين ، ويتخذ من الرمان عسلاً يستغني به عن العسل ، ويتخذ من العنب خلاً وزبيباً ، فعزم بعد على قطع الكرم لئلاً ينتقل إلى من يبيعه للذمة عصيراً ، فقيل له : قطعه إضاعة مالٍ متيقن لأجل مفسدة موهومة . فتوقف وفي نفسه حسكة .
فاتفق أن النيل تأخر عنه فيبس فقلعة ، قال لي : وعوضني الله عن تلك الثمار بالشعير ، والفول . ومن نوادره أنه وجد في قمح اشتراه من الفرنج حبات تشبه الشعير ، نحو حفنة ، فازدرعها ، وأقام يقتات منها مدة عشرين سنة . وكان يعجبه أنها متميزة في نباتها ، وفي سنبلها .
وكان إذا حصدها نقاها سنبلة سنبلة ، فإن وجد غريبة تركها ، وكذا كان شأنه فيما سقط من الثمار لا يتناوله ، لاحتمال أن الطير نقلته . وأما النخل الملاصق لجيرانه فكان يبيحه لهم . وكذا لما بنى بينهما حائطاً احتاط ، وأخرج من أرضه قطعة لهم .
وقال : طبخت يوماً فكان الهواء يسوق الدخان إلى جاري ، فحولت القدر في الحال ، وأبعدتها عنهم . وقطع نخلة فوقع سعفها على حائط الجار فقال : علم الله أنها لم تضرهم إلا أنها نفضت الغبار على الجدار . فعد الشيخ ذلك تصرفاً في ملك الغير .
وكان لجماعةٍ فيهم أطفال ، وغيب ، وأوجب على نفسه لهم شيئاً ، وأعطاهم . وكان يقول : إن كان هذا ، واجباً فقد خلصت منه ، وإن كان غير واجب فهو صدقة مستورة باسم الحق ، وكذلك كان يقول في ترجيحه في الوزن وأخذه ناقصاً .
قال المؤلف : حدثني ثقة قال : خرجت يوماً إلى الشيخ ومعي الموطأ فقال لي : فيه حديث عائشة أن النبي عليه السلام كان يدني إليها رأسه وترجله وهو معتكف ، فهل كان ترجله بمشطٍ أو بغيره ؟ فبدرت ، وقلت : ما يكون الترجيل إلا بالمشط . فقال : ويكون بالأصابع أو بعود ، كما ورد في الحديث الآخر أن رجلاً اطلع على النبي صلى الله عليه وسلم ، وبيده مدرى يحك بها رأسه . والمدرى العود المحددة بخلال فكان الشيخ لا يستعمل المشط ، لأنه ما وجده في الخبر صريحاً فقيل له : أما هو مباح ؟ قال : الاستكثار من المباح ذريعةٌ إلى الوقوع في المكروه .
وكان إذا ذبح دجاجة نتفها ويقول : السمط يجمد الدم . وقد جاء ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم سميطاً . وكان لا يكربل الدقيق الشعير للحديث الوارد في ذلك ، بل كان ينفخه ، ويقول : بلغني عن الأطباء أنه أحمد عاقبة ، وكان يعجبه الطب إذا اقتضى خشونة أو تركاً بالكلية .
ويكره الملعقة ، وكان ينبسط ، ويقول : أكلت لوناً غريباً . فأقول : ما هو ؟ فيقول : صببت في القصعة ماءً قراحاً ، وصبغت به الكسرة . وكان لوناً نظيفاً .
وكان يقال له : أليس المسك طاهراً ؟ فيقول : هو طاهر للطيب ، فهل تجدون أن النبي صلى الله عليه وسلم أكله ! . وقال : لو فتشوا على الملح ما وجدوه يخلص ، إما من تقدم الملك على الملاحات ، وإما من رسم ضمان ، وإما من تغالب بين الملاحين ، ولو لم يكن إلا جمل الجمال ، وكان يكره استعمال الجمال ، وهو ما يقتنيها إلا العرب . وقد شاهدتم أحوالهم ونهبهم ، وصُف لي ملح بالمصليات فسافرت إليه ، وأخذت منه حاجتي طول عمري .
وقال في تركه الثمار تحت الشجر : هب أنها مباحة ، أنا تركت هذا المباح . وتذكر قوله عليه السلام : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك . وقوله : الحلال بين .
وقوله : لولا أني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها . وكان قد لقيها على فراشه . أفليس من النادر المستبعد أن يكون من تمر الصدقة ، فإن تمر الصدقة كان لا يدخل بيته .
وكان إذا سمع الناس ينسبونه إلى الورع ينكر ذلك ، ويقول : إن الورع الذي يسيرون إليه أن يترك الإنسان الحلال المحض تقللاً . وأين الحلال ؟ علم الله أنني ما وجدته قط . أيكون أكثر من أن أمد يدي فآخذ من البحر حوتاً بلا آلة .
فما نفسي بذلك طيبة لأن القوة التي بسطت بها يدي ، إنما نشأت من هذه الأقوات المشتبهات . وكان يقول : إذا كان لا بد من اللقاء فالتواني من علامات الشقاء ، فاعمل لدار البقاء ، وليوم ينادى عليك : عبدٌ أطاع ، أو عبدٌ طغى . وكان يقول : لا آكل شيئاً بشهوة ، وإنما آكله ضرورة .
ولو جاز لي لتركته .
قال المؤلف : والظاهر أن الشهوات كانت قد خملت عنه بالكلية . كان يقول : هذا الشواء عندي كالجيفة ، وما أنا به جاهل ، كنت آكله في الصبا ، فسبحان مقلب القلوب ، وربما سأل خادمه : ماذا أكلت ؟ فربما قال : مضيرة . فيقول : يا بطن الجيفة ، أما تبصر ما يقاسي أرباب الكروم من رعاة الماعز .
وكان يقول : سمعت عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال : أدركت زماناً يقال لي فيه : عامل من شئت . ثم أدركت زماناً يقال فيه : عامل من شئت إلا فلاناً وفلاناً ، ثم أدركت زماناً يقال لي فيه : لا تعامل أحدًا إلا فلاناً وفلاناً ، ثم أنا في زمانٍ ما أدري من أعامل ، ثم يقول الشيخ : إذا كان هذا حذيفة وزمانه فكيف بزماننا ً ؟ . أمر السلطان بأن يكون نصيب بيت المال من موجود الشيخ صدقة عن الشيخ ، ونزل الوارث ، والموصى له عن نصيبهما من الأثاث لله ، فصار الكل لله ، فاجتمعوا لشرائه ، فتزايدوا حتى بيع منه شيءٌ يساوي درهماً بنحو الألف .
وما زال الناس يتنافسون في آثار الصالحين ، وهذه تركة ابن الزبير ما ظنوا أنها تبلغ مائة ألف ، فأبيعت وبورك فيها ، فبلغ الدرهم أكثر من خمسمائة . وكان رحمه الله قد اختار زراعة الفول الرومي ،لأن زريعته من بلاد الفرنج ، ولا تستطيع العصافير نقله ، فأقام يقتات الفول ، وحده أربعين سنة . وقلَّ أن يكون صندوق عند أحدٍ من التجار ، والمعتبرين إلا وفيه من ذلك الفول .
لأنه أخذ منه بعضهم عشر فولات . وكانت له إحدى عشرة شدة ، فوضع في كل شدة فولة ، وبقيت شدة لم يضع فيه ، فاتفقت له جائحة في الطريق أصابت الشدة ، وحدها ، وحمى الله البواقي . فلما أكثر الناس الحكاية عنه تركه واقتات بالشعير .
وقد تجذَّم في أكل الفول ، وتفتت جسمه ، وكان صديده يغلب الماء ،وبقي مدة . وقيل : ما عليه أضر من الفول فإنه يولد السوداء . فقال : إن الذي جعله داء قادر على جعله دواء .
ولم يزل يستعمله حتى عوفي . فكان يحكي ذلك ، ويقلب بدنه ويقول لي : هل ترك له أثراً أو شراً ؟ فلا أرى شيئاً . وكان لا يشرب من صهاريج السبيل ، وقال لي : هذه الأمور صدقات ، والصدقات أوساخ الناس ، واجتنابها مأثور .
وقال لي : أقمت أربعة أيام لا أجد ما أشتريه فطويتها ، ولم أجد جوعاً سوى تغيرُّ يسير في الصوت . وكان لا يخرج بحماره إلا مكمماً . وقال لي : دخلت البلد زمن الصبا فوقفت عند حداد ، والمقود بيدي ، فلم أشعر إلا ورجل أراني طرف ردائه قد مضغه الحمار فقرض منه ، فأعطيته قيمة ما أفسد فقال : تصدق بها علي .
فقلت : لا . ومذهبنا أن المديان إذا قال له رب الدّين : لا أجده ، وأنا أُسقطه عنك ، فقال : لا أجد شيئاً أجبر رب الدّين على القبض ، وللمديان حقاً في خلاص ذمته بلا منة . وكان يقول مع ذلك : لا أحرّم غير الحرام ، لكن لي أن أترك ما شئت تركه من المباحات عندهم ، والمشتبهات عندي ، فنحن على وفاق .
قال المؤلف : وكان في مبدأ أمره بمكة ، وقد نهب العراقي في بعض السنين ، فامتنع حينئذٍ من معامل أهل مكة مطلقاً ، وبقي يقتات الأرز مصلوقاً من الأرز المجلوب ، حتى قرحت أشداقه ، وإلى أن أُقعد ومرض . وكان إذا تصرف له ، وكيله ناوشه الأسولة ، وناقشه ، وكان إذا سأل عن مسألةٍ فذكر له فيها نص مالك سأل عن دليله ، إلى أن يمعن في الكشف ، فيقف على موضع حجته من الكتاب والسنة . فإذا قيل له : مستنده القياس فكر ، فربما استنبطه من النص .
لقد رأيته يدقق على الأذكياء ، فإن لم يقدر رجع إلى الاحتياط بالترك أو بالتشديد على النفس . وإن كان لا يحتمل الاحتياط لتعارض المحظور من الجانبين كشف عنه المذاهب وحججها ، وفي الآخر يرجع إلى التقليد بعد أن يستحضر الكتب التي فيها المسألة ، ويشترط على من يحضرها أن لا تكون عاريةً ولا حبسا ، وأن يكون الكتاب ملكاً نظيفاً للمحضر ، فإذا وقف على المسألة أعطى المحضر بحسب الحال ، إما فضة وإما مأكولاً وقال له : هذه مكافأة لا أجرة ، لأن العلم لا يؤخذ عليه أجرة ، وكان كثيراً ما يطلب مذهب أحمد ويقول : كان صاحب حديث ، ويذكر أنه سمع مسنده بمكة ، فيقال له : أفلا نسمعه منك ؟ فيقول : هذا ما تقلدته ، ولا سمعته إلا لنفسي خاصة . وكان عجز عن الطواف والتعبد ، فجعل عوض ذلك الجلوس للسماع .
قال : فجعلت مجلسي إلى جنب القارئ لثقل سمعي ، فسمعت منه جملةً .
قال المؤلف : كان عجباً فيما يسمعه ما أظنه سمع شيئاً فنسيه . وكان يحفظ الجمع بين الصحيحين من زمن الصبا ، استكتبه ودرسه ، وكان يحفظه باختلاف الطرق والألفاظ ، وبالفاء والواو إلى منتهى العبادات ، وكثيراً من أحاديث القدر . وكان يأخذ ارتفاع الشمس بالميزان .
وكان قل أن يتكلم إلا متبسماً منشرحاً . فإذا أقبل على مقدمات الصلاة كان كأنه مصاب بولد أو محتضر ، ويتوضأ لكل فريضة . وقال : كنت يوماً في هذه الغرفة ، فإذا ثعبان عظيم مطوق ، فأخذت آلةً لقتله ، وقلت له : حتى أنذرك ثبت هذه الأولى .
فثبت على حاله ، فقلت : انصرف وإلا قتلتك هذه الثانية . فأمتد ، فرأيت هولاً مهولاً ، فقلت له : الثالثة ما بقي سواها . فتحرك ، واستدار ، وصفّر ، وأخرج يدين على صورة الحرذون ، فقلت : ما أنت ثعباناً ، ولا حرذوناً .
وعرفت أنه جان . وقال : كنت أربط الحطب ، فإذا بي قد أحسست ألماً في عقبي ، فظننتها شكة دخلت فيه ، فلما أكملت ربط الحزمة نظرت فإذا حنش قد التف على ساقي ، وقد نهشني ، ونشبت أنيابه ، فأُلهمت أن قبضت على حنكه وخنقته ففتح فاه وتخلص نابه ، وانبعث الدم ، قال : فطرحت الحنش ومسحت الدم ، وما زدت على أن توضأت ، وغسلت مكان النهشة ، وأحسست بالسم إلى أن صعد إلى وسطي فوقف ، فلما كان بعد سنةٍ صار مكان اللسعة بثرة ، فقرضتها بالمقراض ، فخرج منها ماءٌ أصفر ، فقدرت أنه السم دار في بدني ، ثم عاد إلى موضعه ، وكفى الله . وكان في جبهته ثؤلول تزايد حتى صار سلعةً ، فكنت أراه وقت السجود يجتهد في تمكينه من التراب .
ثم تفاقم أمره . وكان يهاب أن يكلم في مثل هذا . فدخلت يوماً فوجدت تلك السلعة قد ذهبت بقدرة الله ، ومكانها كأن لم يكن فيه شيء غير أثرٍ يسير جداً .
فقلت له حينئذٍ : الحمد لله على العافية . فقال : كانت تشوش علي في السجود ، وما كان لها دواء إلا تمكينها من التراب ، فلم أشعر بها إلا وقد انفقأت . وقد تزوج بصبية في شبيبته ، ولم يدخل بها .
وطلقها لّما تجذّم . وقد ضعف بصره في الآخر ، فأصبح يوماً قلقاً وقال : دعوت البارحة : إن ابتليتني بشيءٍ فلا تبتليني بالعمى ، وإن كان ولا بد فلا تمهلني بعد بصري . ودمعت عيناه عند الحكاية ، فأحسست أنه لا بد له من العمى .
وعمي قبل وفاته بخسمة عشر يوماً . انفقأت عيناه إلى داخل ، فكان ماؤهما يسيل من أنفه . واحتاج في الآخر إلى زوجةٍ فباع الدابة ، واستعان بما يصرفه لعلفها في حق الزوجة .
واتفق أن أباه ، وجد الجرة التي يشرب منها الشيخ قد وصلتها الشمس ، فحولها إلى الظل ، وكانت طريقة الشيخ تقتضي أن هذا القدر يمنعه من الانتفاع لأنه يرى بها منفعة لم يعاوض عليها . فلما استدعى الماء قالت له الزوجة : ما هاهنا ماءٌ تشربه . فسألها عن القضية فأخبرته ، فأعجبه نصحها ، وبات وأصبح صائماً وطوى حتى جاء الذي كان يستقيّ له .
سألته كم لك ما أوقدت عليك سراجاً ؟ فقال : نحوٌ من ستين سنة ، ما تركته عن علم بما ، ورد في الحديث ، والبيوت ليس فيها مصابيح . ولكن بلغني بعد . وإنني لما انقطعت عن الناس اتفق ليلة ً أن السراج انطفأ لعارضٍ ، فوجدت نفسي قد استوحشت لفقده فقلت لها : تري هذا شغلاً معبراً ، وأنساً منقطعاً ، لا حاجة لي فيه .
وكنت بمكة شاباً ، وإلى جانبي جندي ، فلما كان الليل سمعته يقدح ، وبيننا كوة ، فأغمضت عيني ليلتي كلها . وكان يقول : الدنيا دار أسبابٍ ، من زعم أن التوكل إسقاط السبب بالكلية فهو غالط . وقال : قال لي صوفي : نحن ما نرى الأسباب ، فقلت له : ما صدقت لو صفع الأبعد إنسانٌ أكنت لا تراه البتة ولا يؤثر فعله فيك ؟ فسكت ، فقال : أما أنا فأرى الأسباب لكن ما أقف عندها .
خرج إلى الشيخ وزير والساقية تدور بالدولاب ، فأراد أن يبسط المجلس فقال : يا سيدي أيش ترى في بغلتي ندورها في الساقية ؟ فقال له : ولا أنت ما أرى أن أدورك فيها . فانبسط الرجل ؛ ثم قال الشيخ على عادته : ارحلوا . فقال الوزير : لماذا تطردنا ؟ قال : لأن القعود معكم ضياع .
وخرج إليه أكابر فقال ، واحدٌ منهم : هذا طبيب السلطان ، يعني الكامل ، فقال الطبيب : ما نحن أطباء بل نحن أعِلاء ، إنما الأطباء الأولياء .
قال الشيخ : وأشار إلي . فلم أقره فقلت : اعلم أن مثل المشار إليه بالولاية كمثل الطبيب ، كم علل من عليل فما أفاد . أما داويت أحداً فمات ، ولم ينجع فيه الدواء ؟ فقال : كثير .
فقلت : وكذا الجانب الآخر . وكان يرى أن ترك التسبب والاعتماد على الفتوح غلط ، ويقول : انتقل من سبب نظيفٍ إلى سببٍ وسخ . وذلك لأن الاحتراف سبب شرعي ، والكدية سببٌ مذموم ، وليته يبسط يده خاصة ، ولكنه يقول : أنا صالح فأعطوني .
ترى ماذا يبيعهم إن باعهم عمله فبيع الدّين بالدنيا كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، لعله عند الخاتمة يوجد مفلساً ، فالحبس أولى به . وصدق الشيخ ، قال بعض المشايخ : من قعد في خانقاه فقد سأل ، ومن لبس مرقعة ً فقد سأل ، ومن بسط سجادةً فقد سأل . وقال : هممت بمكة بالتجرد وبيع الأملاك وإنفاقها ، ثم التحول إلى الشام ، والاقتناع بمباح الجبال ، فسألت فصح عندي أنه ليس في الجبال ما يقيم البنية دائماً ، فقلت: ما بيدي أنظف من الحاجة إلى الناس .
أردت أن أعيش فقيراً ذليلاً ، وأراد الله لي أن أعيش غنياً عزيزاً ، فله الحمد . وعزمت على الإقامة بالبرلس لأستريح من شبهة ماء النيل الجاري في الخليج . فإذا أكثر عيش أهلها السمك ، وهو بضمان .
فقلت : شبهة ماء النيل أخف . وكان يستحسن طريقة سلمان الفارسي ، ويحصل قوت كل سنة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعد من خيبر قوت عياله سنة . وله في ورعه حكايات ، ذكرها المؤلف منها أن بعضهم رآه يحصد في بستانه ، ويترك أماكن ، فسأل الشيخ ، وألح عليه فقال : إن ظلال نخيل الجار الساعة ممتدة ، وأنا أتحرى أن لا أستظل بظله .
فإذا زال الظل حصدتها ، وكان إذا انفلتت له دجاجةٌ إلى الطريق تركها بالكلية ، لأنه يجوز أن تكون التقطت شيئاً ، وكان يشترط على الفرنج فيما يشتريه منهم من الحيوان أن لا يكون قد شرب من ماء الثغر ، ويحلفهم ، وأن لا يكون مشتركاً ولا غصباً . ومهما لاحت له شبهة تركه ، وكانوا يتنافسون في معاملته ويغتبطون ، وقال : خرج رسولهم إلي مع الوالي ، فأردت أن يعلم الحال فقلت للترجمان : أعلمه أنني ما أعاملهم إلا لأنهم عندنا غير مخاطبين بالحلال والحرام ، فهم كالبهائم ، وأما المسلمون فإنهم قاموا بالوظيفة العظمى ، فخوطبوا بالحلال والحرام . فالمسلمون هم الناس .
فأنا كمختار السياحة بين الوحوش ، ومزاحمتها في أرزاقها . وما ذاك لفضل الوحوش على الإنس ، بل لطلب السلامة . وكان يقول : لا ينالني من مصر إلاّ الماء ، وليته كان صافياً .
يشير إلى ما ينفق في عمل الخليج . وكان يقول : من ادعى أن المحسن والمسيء يستويان فقد ادعى عظيماً ، وقال : لولا الطباع لكان المحسن هو المسيء والمسيء هو المحسن . وبعث إليه الملك العادل ألف دينار فشدد في النفور والنكير .
وحج مرةً إلى دمشق على حمار ، ومنها إلى مكة على جمل . وتزود إلى دمشق خرج خرنوب ، ونزل بظاهرها على حافة النهر ، قال : ونفد مني الخرنوب فسألت فإذا كل ما بدمشق مضمناً حتى الملح ، فدللت على حوارنة يجلبون تيناً يابساً ، فجلب لي رجل خرجاً من تين فكان زادي إلى المدينة فاحتجت إلى الزاد بها فاشتريت تمراً زودني إلى مكة . وكان يقول : أنا القباري ولي أكثر من ستين سنة ما قدرت أن آكل قبارة ً لأجل الشركة .
وكان من الشجعان المعدودين . كان في أوائل شبابه قد لقي أربعة عشر نفساً من الشلوح بمطرق كان معه فأجلاهم بالليل حتى بلغوا باب القنطرة ، وبلغني أنه قال : إذا أخذت مطرقاً لقيت ثلاثين لا أبالي بهم ، وبلغ من قوته في صباه أنه كان يرفع المواهي مترعةً بحيث لو اجتمع عليها أربعة لكاعوا في رفعها ، فيرفعها بإحدى يديه إلى ظهر الدابة ، وحكى عن نفسه أنه كان يطلع النخلة ثم يلقي البطاسية ، ويسبقها إلى الأرض . وحدث أنه كان بالجانب الغربي من أهل العرامة والذعارة قطاع طريق يسفكون الدماء ، فتفاقم أمرهم ، وعجزت الولاة عنهم سنين ، فقدر الله أنهم امتدوا إلى بستانه ، فأصبح فوجد آثارهم فقال : كأنهم ، وقعوا عندي ، وقعوا ورب الكعبة , فأصبح ، ففي ذلك اليوم بعينه أُمسكوا وصُلبوا ، وقبل موته نشأت صفقة من جنس هؤلاء فعاثوا نحو السنة ، فنزلوا قصراً قريباً من الباب ، وقتلوا على باب الشيخ رجلاً ، فقال الشيخ : كأنهم دبوا إلينا ، يقعون إن شاء الله .
فأخذوا بعد قيل . وكانوا ثلاثة . وكان له في الجمع بين الطريقة والشريعة عجائب .
كان يقول لي : قوله كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هذه حقيقة . ثم ينتهي إلى قوله : مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ هذه شريعة ، ويقول : الحجة في الشريعة ، ولا حجة لنا بالحقيقة ، ويقول : أكثر ما تؤتى المتصوفة من ملاحظة الحقيقة مع الإعراض عن الشريعة ، وهذه ضلالة . اتفق أن بعض الملوك قدم الإسكندرية قبل أن يتسلطن ، فخرج بعض الخربندية لأخذ حطب الناس ، فأخذوا من غيط الشيخ جملين جريداً ، فجاء جاره فخوفهم ، فلم يفكروا وراحوا .
فجاء الأميران المحمدي وشمس الدّين سنقر ، فذكر لهما الجار القصة ، فساقا على آثار الجمال ، فهرب الخربندية ، واستاقا الجملين إلى الغيط ، فدخل إليه جاره ، وعرّفه القصة فقال : أما أنا فما بقيت أنتفع بهذا ، لأنه شيءٌ ، قد عصي الله فيه ، وقد صار لك فيه حق ، ولهذين الأميرين ولأصحاب الأرض التي سلكها الغاصب . فأخذه المعرف ، وكافأ الشيخ الأميرين بشيء . وقال مرةً لرجل : أما أنا فما أعلق قلبي منه لا بطعامٍ ، ولا بشراب ، أأكون بهيمة هنا وبهيمةً هناك همه بطنه ؟ إنما أطلب منه الرضى ، وما عداه فضلة .
قال المؤلف : لأن غاية نعيم المؤمنين أن يحل الله عليهم رضوانه ، فلا يسخط عليهم أبداً ، وهو أفخر العطايا . وقال لي بعض الأكابر بعد وفاة الشيخ رحمه الله : هل عاينت منه خارقاً أو تكلم معك على خاطر ؟ فقلت : لا ، إلاّ شيئاً خفياً من جنس الفراسة ، هذا على أنني سمعت في حياته وبعد وفاته ممن صحبه أنه كان يحدثهم بما صنعوا في بيوتهم مما فيه نصيحة أو في ذكره فائدة . قال لي ابن القفاص الفقيه : تزوجت وأعرست ، فأرقتُ ليلةً ، ولم أدخل إلى فراشي ، فانقبضت العروس لانقباضي ، فلما خرجت إليه قال لي الشيخ : ويلك أخطأت في المعاشرة ، شوشت الليلة على أهلك بانقباضك ، واستنادك إلى الخزانة .
وكان فكري يضيق بي فناولني الشيخ عشرة دراهم ، وقال : خذ بهذه شيئاً يصلح لغداء العرائس . وذكر ابن القفاص عدة كراماتٍ أوردها المؤلف . وذكر حكاية في ذاك المعنى عن الصاحب بهاء الدّين ، عن الشيخ خضر الكردي شيخ الملك الظاهر ، عن الشيخ .
ثم قال : ولما جاء الصاحب بها الدّين إلى البلد عزم أن لا يدخلها حتى يزور الشيخ . وكنت معه ، فلما وصلنا إلى قصر الشيخ ، نزل الصاحب من بعيد ، وقالوا للشيخ ، فقال : الفقيه معه ؟ قالوا ، نعم . فقال : وما تريد ؟ قال : البركة .
فسكت ونحن وقوف . فقلت للصاحب : اجلس . فقال : لا .
وغلبت عليه الهيبة وتجلد . وطال وقوفه ، فقلت للصاحب . اطلب منه شيئاً خاصاً .
فقال : الموعظة ، فقلت للشيخ : هو يطلب الموعظة . فقال : هو يحفظ القرآن ؟ قلت : نعم . قال : اقرأ معه سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فقرأنا إلى قوله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾فقال : إذا علمت فإنه يراك ، اعرف كيف تكون والسلام .
فانصرف على ذلك . وكان يقول لطالب الدعاء ، والزيارة : الذي علم نيتك يكافئك عليها . وحدثني من لا أتمارى فيه خيراً ونبلاً قال : وصلت مع أخي في حياة الملك الصالح ، فتحادثنا في الزيارات ، وعزمت على زيارة الشيخ ، وحملت أخي على ذلك ، فعارضني من أصحابنا فلان ، وفلان بكلام فيه غضاضة في حق الشيخ ، فأنكرت عليهما ، وبكرت إلى الشيخ ، واستغرقت في النظر إليه وهو عند الساقية ووقفت وإذا بحس البغال في خلفي ، فقلت في نفسي : هذا فلان وفلان وهما على نيةٍ رديئة ، وهذا رجلٌ مكاشف ، فما أتممت الخاطر إلا وغاب الشيخ عن بصري ، فهجمت الغيط مما غلب على الحال ، وقلت : لعل تحت رجليه غار دخل فيه .
فلم أجد شيئاً إلا البطامية ، فظننت أنه انبطح فيها ، فتأملتها فلم أر شيئاً . فخرجت إلى أولئك وخاصمتهما ، وحكيت لهما القصة .
قال المؤلف : وسن الشيخ نيفٌ وسبعون سنة . وكان بعضهم يظن أنه في عشر المائة ، وذلك لأنه من صغره كان يسمى بالشيخ . آخر ما اخترته من مناقب القباري ، ويكون خمسة كراريس ، ما ذكر فيها اسم الشيخ ، ولا وفاته ، ولا حليته ، فرحمه الله ورضي عنه آمين .
وفيها ولد : الشيخ شهاب الدّين محمد ابن المجد عبد الله بدمشق ، وأحمد ابن شيخنا علي بن محمد بن هارون الثعلبي ، وفتح الدّين محمد بن عثمان بن أحمد بن عثمان ، وأحمد بن علي بن أيوب بن علوي العلامي ؛ ولدوا بمصر وسمعوا من النجيب ، وكمال بن محمد بن كمال الصالحي ، سمع الكرماني والزين عبد الرحمن بن علي بن حسين بن مناع التكريتي ، والمحدث شمس الدّين محمد بن عبد الرحمن بن سامة ، والقاضي شمس الدّين محمد بن أبي بكر ابن النقيب ، والشرف عبد الله ابن الشيخ العزّ الحنبليّ ، والقاضي شمس الدّين محمد بن مسلم ، وكمال الدّين إبراهيم ابن الوجيه بن مُنجى ، وأحمد بن القاضي تقيّ الدّين سليمان ، ورحمون المؤذن .